الدرس في شرح كتاب التوحيد 216، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المؤلف بذكر قصتين حول التحاكم إلى غير شرع الله، الأولى عن منافق ويهودي تحاكما إلى كاهن، والثانية عن رجلين اختصما فأراد أحدهما التحاكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم والآخر إلى كعب بن الأشرف.
يتحدث عن قصة رجل لم يرض بالتحاكم إلى رسول الله فقتل على يد عمر، ويبين ضعف سند هذه القصة، ومع ذلك يرى بعض العلماء أن المعنى صحيح لأن التحاكم إلى غير شرع الله يعد من نواقض الإيمان.
يتناول تحريم التحاكم إلى غير شرع الله مستدلاً بقصة أبي برزة الأسلمي وآية من القرآن، ويظهر أن التحاكم إلى غير شرع الله باطل ويجب الرجوع إلى شرع الله.
يختم باب وجوب التحاكم إلى شرع الله ويؤكد أن ذلك من مقتضى توحيد الله جل وعلا، مع التأكيد على أهمية التحاكم إلى شرع الله.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، لازلنا مع المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر الأدلة الدالة على وجوب التحاكم إلى شرع الله. وقد ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بهاتين القصتين، فقال رحمه الله تعالى: وقال الشعبي: كان رجل من المنافقين، وكان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد، عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود لعلمه أنهم يأخذون الرشوة. فاتفق أن أتى كاهن من جهينة، فتحاكم إليه، فنزل قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. هذه القصة الأولى أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في بيان حال أهل النفاق، كيف أن هذا المنافق تخاصم مع اليهود، فإذ باليهود يجنحون إلى حكم رسول الله لعلمهم أنه يحكم بالعدل والقسط، لا يجامل، لا يماري، لا يرتشي، بينما المنافق أبى، وأراد أن يذهب إلى اليهود يتحاكم إليهم لعلمهم أنهم يجاملون في حكمهم، ومتى ما دُفعت لهم الأموال حكموا بأهوائهم وبمن يدفع لهم. ثم بعد ذلك انتهى بهم المقام إلى أن تحاكموا إلى كاهن، فنزلت هذه الآية. وقد سبق شرحها في أوائل هذا الباب. وهذه القصة، إخواني في الله، قد أعلها العلماء لأنها مرسلة، إذ أن الشعبي معدود من التابعين رحمه الله، فهي قصة معلولة لإرسالها. ثم قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: نترافع إلى كعب بن الأشرف. وهذا كعب من زعماء وكبراء اليهود، كان له شأن وله صولة وجولة. فهؤلاء الرجال إذ اختصموا نظروا عند من يتحاكم، ذاك أراد الذهاب إلى رسول الله، وهو الأصل وهو القصد وهو الذي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يترافع وأن يتحاكم إلى سنته ومنهاجه. إلا أن الثاني أراد أن يتحاكم إلى اليهود، إلى كعب بن الأشرف. قال: ثم ترافعا إلى عمر، أي ما توصل إلى نتيجة بين هاتين الشخصيتين، فاختارا شخصية ثالثة، ألا وهو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فذكر له أحدهما القصة، أخبر بقصتهما وكيف أن أمرهما اختلف بين التحاكم إلى رسول الله أو التحاكم إلى كعب. فانتهى الأمر إلى أن تحاكم إليك، فذكر أحدهما قصته، فقال للذي لم يرض برسول الله صلى الله عليه وسلم: أكذلك؟ هل هذا صحيح؟ يعني خيرتم بين الذهاب إلى رسول الله وأبيت؟ أكذلك؟ فقال الرجل: أي نعم. فقام عمر رضي الله تعالى عنه فضربه بالسيف فقتله. لأن هذا الذي فعله يعد من نواقض الإسلام. وهذه القصة، إخواني في الله، والتي ذكرها المؤلف فيها ضعف، ويتضح ذلك إذ أن المؤلف صدر هذه القصة بقوله: وقيل، وقيل من عبارات التمريض، من صيغ التضعيف. وكأن هذا الحديث ضعيف، هو كذلك، بل هذا الحديث من أشد الأحاديث ضعفًا، إذ أن هذا الحديث حكم عليه العلماء بالوضع والاختلاق. فإن من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والكلبي كذاب، وأبو صالح متروك. زد على ذلك أن أبا صالح لم يسمع من ابن عباس رضي الله تعالى عنه. فهذا الحديث توفرت فيه العلل العظام التي ترد بها الأحاديث. فهذا الحديث من حيث الإسناد ضعيف، لكن من حيث المعنى فقد أشار سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى عن هذه القصة وعن القصة التي سبقت، قال: وفي صحتهما نظر، لكن المعنى صحيح. أي أن الأدلة قد دلت على صحة هذه المعاني، على أن الذهاب والتحاكم إلى غير شرع الله ليس من صفات أهل الإيمان، بل هي من صفات أهل النفاق. وأيضًا أن الذي يتحاكم إلى غير شرع الله هو مريد وقاصد أن يتحاكم إلى غير شرع الله، معتقدًا أن هذا الغير أفضل من حكم الله وحكم رسوله، فهو كافر. والمعنى صحيح، بل إن من العلماء من دافع عن قصة عمر، وأن قصة عمر الذي قتل فيها هذا الرجل قصة مشهورة قد تداولها السلف والخلف، قال: وإن لم يصح فيها إسناد، لكنها قد تواترت عند الناس. فبعض العلماء يدافع عن هذه القصة لاشتهارها وشهرتها. لكن مع هذا، إخواني في الله، يمكن أن نستغني بهذه الأحاديث التي أوردها المؤلف، سوى ما كان من عبارة الإمام الشعبي رحمه الله تعالى في تخاصم اليهود مع ذلك المنافق، أو في قصة عمر في اختلاف اثنين بين تنازع في التخاصم بين رسول الله وبين الكعب بن الأشرف، يمكن أن نستغني عنهما لضعفهما بما صح في السنة. فقد روى الإمام الطبراني رحمه الله تعالى في معجمه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود. وكان أهل الكهانة عند العرب هم أهل الوجاهة، كان الناس يذهبون إليهم ينفرون إليهم في القضايا في المشاكل في التحاكم في مسائل الصلح في عقود الحروب، عقود السلم. فكان اليهود يتراجعون إلى هذا الكاهن يذهبون إليه. لكن المسألة وما فيها أن هذه المرجعية لم تكن فقط عند اليهود، فقال ابن عباس: وتنافر إليه ناس من المسلمين. فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. هنا محل إعجاب، محل تعجب، اليهود لا غروا بأنهم يتحاكموا إلى الطواغيت لأنهم بأنفسهم طواغيت قد طغوا وبغوا، فيتنافرون يتحاكمون إلى الكهنة والسحرة وإلى المشعوذين. لكن تأتي البلية أن يأتي أناس من المسلمين ممن أنعم الله عليهم بشريعة، بدين، بمبعث رسولنا الكريم عليه الصلاة وأفضل التسليم، وبعد كل هذا كله يعرضون، ثم يذهبون إلى الكهان يتحاكمون إليهم. هؤلاء خرجوا عن الإسلام والدين. ولهذا جاء في بعض روايات الحديث: فنفر إليه أناس من المشركين. فالمنافق يعبر عنه بأنه مشرك، ويعبر عنه بأنه مسلم، لما في قلبه، ويعبر عنه بأنه مسلم لظاهره، لأنه في ظاهره يدع الإسلام، فهو منافق. هؤلاء النفاق هم الذين تحدث منهم هذه الخصلة. فهذا الأثر الذي رواه ابن عباس هذا مما صح في السنة، ولأجل هذه الحادثة أنزل الله جل وعلا هذه الآيات. ولهذا قال الإمام الهيثمي رحمه الله تعالى على هذا الأثر: رجاله رجال الصحيح. وهكذا الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في الإصابة قال: وسنده جيد. فهذه الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الذي صح فيها من الآثار، هذا الحديث حديث ابن عباس في أمر أبي برزة الأسلمي، كان كاهنًا، فيتنافر إليه اليهود، ثم وجد أن أناسًا من المسلمين كذلك يتنافرون ويتحاكمون إليه. وفي ذلك بيان، إخواني في الله، على عدم جواز، وعلى التحريم والتجريم في حق المسلم أن يخضع وأن يرجع إلى أن يتحاكم إلى غير شرع الله، بغض النظر عن هذا الغير، عادات، أعراف، قوانين، دساتير، كل ذلك باطل. وأن المسلم إنما مرجعه إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، والتي كفت وشفت وغطت كل شأن من شؤون حياتنا. فما نحتاج إلى أن نتحاكم إلى زبالات أفكار البشر. هذا الذي ختم به المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، والذي هو بصدد بيان وجوب التحاكم إلى شرع الله، وأن ذلك من مقتضى توحيد الله جل وعلا. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.