شرح كتاب التوحيد 248

شرح كتاب التوحيد 248

الدرس في شرح كتاب التوحيد 248، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير آية الكفر بنعمة الله وتأصيل المعنى

الدرس يبدأ بتفسير آية "ولئن أذقناه رحمة من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي" حيث يبين أن الإنسان قد يجحد النعمة ويقول "هذا لي". الآية دليل على الكفر بنعمة الله أو ضعف الإيمان.

نسب النعم إلى الله والتعبد بشكرها

النعم التي ينعم الله بها على العباد قد تكون ابتلاء واختبارًا، فيجب شكر الله عليها وعدم نسبتها لأنفسهم. يجب على العبد أن يتعبد الله بهذه النعم بما يحبه الله.

رحمة الله وآثارها في حياة العبد

النعم الدينية والدنيوية هي من آثار رحمة الله، ورحمة الله قريبة من العبد. الضر هو شيء خفيف عبر عنه ربنا بأنه مس، بينما الرحمة إذا نزلت فالله يذيقها للعبد.

ختام الحديث عن تفسير الآية والفوائد المستنبطة

الدرس يلخص الفوائد العامة من تفسير الآية ويذكر عدم تعظيم الناس لله تعالى بعدم نسبت النعم إليه. المؤلف يطلب من الله تعالى أن ينفع بما قيل ويختم بالصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿ولئن أذقناه رحمة من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي﴾. قال مجاهد: هذا بعملي، وأنا محقوق به. وقال ابن عباس: يريد من عندي. مر معنا إخواني في الله كمقدمة لهذا الباب، وما علاقته بكتاب التوحيد، ومن ثم ما علاقته بالأبواب السابقة، وبعض ما يستفاد منه من مسائل وأحكام. وها هنا ذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى شيئًا من تفسير السلف لمعنى هذه الآية. ويقول ربنا جل وعلا: ﴿ولئن أذقناه رحمة من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي﴾، فأشار إلى أثرين: أثر عن مجاهد رحمه الله تعالى إذ قال في تفسيره: «هذا بعملي، وأنا محقوق به». وهذا الأثر أخرجه الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره. والأثر الثاني أثر ابن عباس في تفسير هذه الآية: «هذا لي»، قال ابن عباس: «يريد من عندي». وهذا الأثر أخرجه ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى أيضًا في تفسيره. فالمؤلف رحمه الله تعالى اكتفى بأثرين من آثار السلف في تفسيري لمعنى هذه الآية: أثر عن مجاهد، وأثر عن ابن عباس. وإن كان بعض الشراح يرى أن الأولى بالمؤلف رحمه الله تعالى أن يقدم ابن عباس على مجاهد، لأن ابن عباس صحابي، وهو شيخ مجاهد، ومجاهد تابعي، وهو التلميذ من تلاميذ ابن عباس. لكن هذا أمر شكلي لا يضر. الشاهد أن المؤلف رحمه الله تعالى هنا أشار إلى هذين الأثرين في تفسيري حال الإنسان متى عند هذا الموضع: ﴿ولئن أذقناه رحمة من بعد ضراء مسته﴾. إنسان كان في ضيق وحرج، وبعد ذلكم ارتفع عنه هذا الضيق والحرج، مثلاً كان فقيرًا فأصبح غنيًا، كان مريضًا فأصبح صحيحًا سليمًا، وهكذا كان مخائفًا فأصبح آمنًا. فلما كان الإنسان على هذا الوضع تغير حاله إلى أحسن حال، إذ به يجحد نعمة الله عليه، فماذا قال؟ قال: «ليقولن هذا لي». هذا لي، ما معنى «هذا لي»؟ من خلال هذين التفسيرين، والذي أشار إليهم المؤلف رحمه الله تعالى سيتضح لنا المعنى، وسنعرف من خلال الأثرين أن هذا الأثر أو هذه الآية «هذا لي» سيدخل فيها صنفان من الناس. يدخل فيها صنفان من الناس، الصنف الأول ما أشار إليه مجاهد رحمه الله تعالى بقوله: «أنا محقوق به». وهو في حال إنسان إذا وجد أن الله أنعم عليه، هو نعم يقر، يقر بأن هذه النعمة من الله، لكن يرى أن هذه النعمة من الله هو جدير بها، هو جدير بها، هو أحق بها من غيره، أحق بها من غيره، يقول: «هذا لي»، أي أنا مستحق لهذا. وكيف الله ما ينعم علي؟ وكيف أن الله ما ينعم علي وأنا وأنا وأنا؟ أنا جدير بها، أنا أحق بها، كما قال مجاهد: «قال هذا بعملي، أنا محقوق به»، أي هذا حق أنا أستحقه بجدارة، أستحقه بجدارة. وهذا من جهود نعمة الله، لأن ما هناك أحد يستحق على الله شيئًا أبدًا، بل إن الله عز وجل يمن على من يشاء، ويعطي من يشاء، يمن على من يشاء، ويعطي من يشاء. ولكن هناك أحد يرى أنه مستحق لنعمة الله عليه، ما هناك أحد، وإنما الاستحقاق يكون لله، الله هو الذي يستحق أن يحمد، وأن يعبد، وأن يشكر سبحانه وتعالى. أما عبد يريد أن يحق الحق من عند ربه، لا، فما هناك أحد يستحق على الله شيئًا إلا إذا شاء الله ذلك. فيقول هذا المخذول بعد اعتراف بأن الله أنعم عليه، إنما أنعم الله عليه لأنه مستحق، وأنه جدير بهذا. فمن فعل ذلكم، ولو أقر بنعمة الله، لكنه أخرجها مخرج الاستحقاق، فهذا كافر بنعمة الله عليه، وهذا من صنيع أهل الكفر، وإن كان من أهل الإسلام فهو ضعيف الإيمان. لأنه يا عبد الله ما يدريك، ما يدريك لعل هذه النعمة التي أنعمها الله عليك إنما جاءت من باب الابتلاء والفتنة والامتحان، لأن هذا يكون كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾. فالله جل وعلا لا تظن أنه يبتل العباد بالشدائد والمصائب فقط، لا، بل يبتل العباد جل في علاه بالغنى والنعم والأرزاق، هذه فتنة. يمد الله لك، ويمد عليك بنعمه، ليس لأنك مستحق، لا، ولكن ينظر كيف تعمل بها، هل تؤدي حق الله فيها أم أنك تسقط بدوامة الجحود والنكران؟ وانظر إلى سليمان عليه السلام، بعدما ذكر نعمة الله عليه، قال: ﴿هذا من فضل ربي ليبلوني أشكر أم أكفر﴾. هو الحقيقة عندما تعلم أن الله تفضل عليك، هذا من فضل ربي، لكن خرج هذا الفضل لأنك مستحق، لا. المنصف المسلم المؤمن التقي البر الولي يخاف، يخاف من هذه النعم التي يسبغها الله على عباده، لماذا؟ لأنها تأتي أحيانًا ابتلاء واختبار. «هذا من فضل ربي ليبلوني أشكر أم أكفر»، ليرى الله ما ستفعل بهذه النعمة. ولهذا يا عبد الله إذا رأيت أن الله غير حالك إلى أحسن حال بنعمة، فلا تجعل هذا يا عبد الله محلاً لأنك مستحق لذلكم، بل عليك أن تشكر الله سبحانه وتعالى، وعليك أن تتعبد الله بهذه النعمة بما يحبه الله ويرضاه. هذا الصنف الأول مما نستفيده من أثر مجاهد في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿لا يقولن هذا لي﴾، أي «أنا محقوق به». والصنف الثاني الذي يظهر من تفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنه من أحوال بعض الناس إزاء نعمة الله، أنه يجهد نعمة الله، فلا يضيف النعمة إلى ربه، وإنما ينسب النعمة إلى نفسه. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «يريد من عندي». هذه النعمة الذي ترونها هي من عندي، من كسبي، من جهدي، من مالي، من عرق جبيني. هذا كذلكم من كفران النعمة، وهذا للأسف إخواني، فلا نجده كثيرًا عند أهل الغرور، عند أهل الغرور. كما يمثل العلماء مثلاً كحال طبيب، لربما إذا انتهى من عملية ما بنجاح تام، فيأخرج على الناس يقول: وهذه العملية ناجحة، وأنا بجهدي، وأنا بعملي، وأنا بخبرتي أنجزت الأمر كله، ولا يضيف شيء إلى الله سبحانه وتعالى، مع أن هذا المسكين بمهارته الذي اكتسبها إنما هي من عند الله. الله سبحانه وتعالى هو الذي فته عليه من العلوم ليكون حاذقًا، وفته عليه من الخبرة ما يكون به ناجحًا، لكن بعد ذلك نسى الله سبحانه وتعالى، فما ذكر الله بثناء ولا بحمد ولا بشكر ولا جزاء. فكان على أمثال هؤلاء، وقس على ذلكم أصنافًا من الناس ممن تمالكهم الغرور، فأخذوا ينسبون المنجزات، وينسبون الخيرات والأرزاق لأنفسهم: «هذا من عندي، هذا من كسبي، هذا من جهدي». لا يا عبد الله، قل: «هذا فضل الله، الحمد لله، يسرى الله، والحمد لله». وأنا حاولت بقدر الإمكان، ويسرى الله، والحمد لله. يذكر ربك، تثني على الله، ﴿ولئن شكرتم لأزيدنكم﴾. وإن الإنسان كلما شكر الله على نعمه، فالله يزيده من فضله. فليكن هذا يا عبد الله في بالك. هذا إخواني في الله خلاصة ما يذكر من هذه الآية: ﴿ولئن أذقناه رحمة من بعد الضراء مسته ليقولن هذا لي﴾. أشار المؤلف رحمه الله تعالى من خلال تفسيري مجاهد وابن عباس على صنفي من الناس: صنف يرى أن هذه النعم من الله إلا أنه مستحق لذلك، والصنف الثاني من لا ينسب النعم إلى الله، وإنما ينسبها إلى نفسه. كذلكم إخواني في الله، نظرة أخرى إلى هذه الآية التي بين أيدينا، فهي إضافة إلى ما فيها من الفائدة المذكورة في هذا الباب، كذلك مما نستفيده من هذه الآية في قول ربنا: ﴿ولئن أذقناه رحمة من بعد الضراء مسته﴾. رحمة من، مقصود بالرحمة؟ من تفسير الآية علمنا أنها النعم. وبهذا نعلم يا عبد الله أنه ما من نعمة تتقلب أنت فيها إلا وهي من رحمة الله بك. فإنزال الأمطار، وتحسن الأجواء، وما يكون من بركة الأرض، وما يكون من الصحة والأمن والأمان والعافية والغنى وراحة البال وطمأنينة الصدر والحال، كل هذه النعم هي من آثار رحمة الله. فإذا استشعرت هذا يا عبد الله، ستعلم حينها أن رحمة الله قريبة منك. وليست رحمة الله فقط في النعم الدنيوية، بل حتى النعم الدينية هي رحمة. ولهذا في قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قل بفضل الله وبرحمته﴾، ماذا؟ فسر المفسرون هذه الكلمة «برحمته»، قال العلماء: «بفضل الله وبرحمته»، أي بدينه وشريعته. فدين الله وشريعة الله سماها ربنا رحمة. قل لهذا يا عبد الله، إذا رأيت أن الدنيا أغلقت عليك، وما ظفرت بما تقر به العين، لكن الله جعلك مسلمًا مؤمنًا مصليًا، فاحمد الله، لأن هذه أعظم رحمة أنت الآن تتقلب فيها، تهون كل النعم إن زالت إلا هذه النعمة العظمى. فقال ربنا جل وعلا: ﴿ولئن أذقناه رحمة منا﴾، رحمهنا بمعنى النعم، ويدخل في ذلكم النعم الدينية والدنيوية. الفائدة الثانية من هذه الآية: ﴿ولئن أذقناه رحمة منا من بعد الضراء مسته﴾. تأمل في قول ربنا جل وعلا: «ضراء»، وتأمل يا عبد الله في قول ربنا: «رحمة». انظر إلى التعبير القرآني في باب الرحمة سماها ربنا «أذقناه»، وفي باب الضراء وصف ربنا جل وعلا إن زاله على العبد «مسه». مس، جعل ربنا الضر إذا نزل هو في الحقيقة عبارة عن مس، أي شيء خفيف ينزل عليك. وإنما الرحمة إذا نزلت فالله يذيقها لك ذوقًا، تستشعر لذة هذه النعمة. وفي ذلكم إشارة إلى أن الأصل في حال الإنسان أن الله ينعم عليه، وأن نعم الله كثيرة جدًا التي أنت يا عبد الله تتقلب فيها ليل نهار من الصغر إلى الممات. وأن مقدار الضر الذي تبتل به في حياتك هو عبارة عن شيء يسير، عبر عنه ربنا بأنه مس، كأنه شيء مسك، شيء خفيف. وهذا كذلكم يدلك على مدى لطف الله بعباده. ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من داب. لو أن الله جل وعلا أراد أن يعاملنا بما نحن له أهل، لخسف بنا الأرض، لعظيم إعراضنا وتمردنا على ربنا جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس﴾. ويعفو عن كثير، العفو قد وقع لكثير من أعمالنا وأخطائنا وزلاتنا، وإنما يؤاخذنا الله بالقليل. وهذا هو المس الذي عاقبنا به ربنا جل وعلا. وبهذا يا عبد الله إذا شعرت بأن الله جل وعلا ابتلاك ببلية، وترى أن هذه البلية عظيمة، اعلم أنها ما خرجت عن وصف المس، فلطف الله بها قد ماذا؟ قد حفها واحتواها. مهما ترى من ضر، مهما ترى من فقر، مهما ترى من نكبة، مهما ترى من مرض، اعلم أن الله قد لطف بك. الفائدة الأخيرة إخواني في الله، أختم بهذا المقام من فوائد هذه الآية: ﴿ولئن أذقناه رحمة من بعد الضراء مسته﴾، فيها فائدة على أن دوام الحال من المحال. لا تظني عبد الله أنك إن أصبت بمصيبة ستبقى على هذه المصيبة على الدوام، لا. كما قال ربنا: ﴿لتركبن طبقًا عن طبق﴾. جاء عن في تفسير السلف رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿طبقًا عن طبق﴾، أي ليغير الله حالكم من حال إلى حال. فالله عز وجل لا يجعل من كان على مرض في دائم المستدين، بس يغير الله جل وعلا أحوالك إلى أحسن حال. فالإنسان يتقلب بين غنى وفقر، بين صحة ومرض، بين خوف وأمن، وهكذا قس أحوال الدنيا، فدوام الحال من المحال. إن بعد العسر يسرى، إنما بعد العسر يسرى. فإن العسر لن يدوم، كما أن الليل لا يدوم إلا بانتهاء فجر يظهر سطيعه لكل الأنام. فكذلكم المصيبة إذا حلت عليك يا عبد الله لن تدوم عليك أبدًا. فالله سبحانه وتعالى إن مسك بضر، فإن هذا الضر سيتبعه سبحانه وتعالى بأن يذيقك رحمه: الراحة والطمأنينة والغنى. لكن عليك بالصبر، بالصبر والاحتساب، وحسن الظن والرجاء بالله سبحانه وتعالى. فهذا إخواني في الله ما يذكر من تفسير هذه الآية من الفوائد العامة، وأيضًا مما أراده المؤلف ورحمه الله تعالى من حال الإنسان من عدم تعظيمهم لله جل وعلا في أنهم لا ينسبون النعم له جل وعلا. وأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.