الدرس في شرح كتاب التوحيد 253، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش هذا الفصل قصة إبليس مع آدم وحواء وسعيه لإفسادهم بطلب تسمية المولود بعبد الحارث، ويبين خطورة الشرك في نعم الله. يُظهر كيف أن الشرك يظهر في أمور قد تبدو بسيطة مثل تسمية الأولاد.
يفصل هذا الفصل تفسير آية ﴿فلما آتاهما صالحا جعل له شركا فيما آتاهما﴾، حيث يناقش قولين حول الآية وهما أنها تتحدث عن آدم وحواء أو عن حال المشركين، مع مناقشة الأدلة والردود على هذين القولين.
يختتم هذا الفصل الدرس بدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويشمل الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مؤكدًا أن الله تعالى هو الأعلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازلنا نحنف الله في هذا الباب، والذي يذكر فيه المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بشكر الله على النعم، وخاصة ما كان من نعمة الولد، وأن لا يجعل ذلك سببا للوقوع في الشرك. وأشرنا إلى الآيات التي أو التبويب الذي بواب عليه المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وعن ابن عباس قال: لما تغشاها آدم حملت، فأتاهما إبليس. المؤلف رحمه الله تعالى من باب الإيضاح أورد لنا أثر ابن عباس في هذا الخصوص، ويكأنه يشرح لنا معنى هذه الآية التي بواب عليها المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، بقول ربنا ﴿فلما آتاهما صالحا جعل له شركاء فيما آتاهما﴾. هذه الآية على ماذا تحمل؟ المؤلف أورد لنا أثر ابن عباس لكي نعلم منه المراد. ماذا قال ابن عباس في فهم هذه الآية؟ قال ابن عباس: لما تغشاها آدم، أي تغش حواء، لما تغشاها آدم حملت، فأتاهما إبليس، فقال: إني صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة، لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل فيخرج من البطن فيشقه، ولأفعلن. أي أن الشيطان أتى إلى آدم عليه السلام عندما علم أن حواء قد حملت، فأراد أن يخوفهم، فقال له: إذا لم تسمع كلامي فيما آمرك به، لأجعلن لهذا الجنين قرني أيل، والأيل هو ذكر الوعل، يقال عنه أيل، أي لأجعلن لهذا الجنين قرونا ما سيخرج إلا وقد شق بطن حواء، ولأفعلن. قال: ولأفعلن، يخوفهما، سمياه عبد الحارث، هذا طلبه، سموا هذا الجنين إذا خرج سموه بعبد الحارث. من الحارث؟ الحارث هو إبليس، هذا لقبه، أي سموه بعبد الحارث، هذا طلب الشيطان، أي إذا أردتم أن الجنين يخرج سالما صالحا سموه بهذا الاسم. قال: فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، وهذا من تقدير الله، خرج الجنين من بطن حواء ميت. قال: ثم حملت، أي مرة ثانية حواء، فأتاهما المرة ثانية، فذكر لهما نفس الكلام السابق: إذا ما سميتم الذي في البطن تسمونه بعبد الحارث لأفعلن ولأفعلن، أي سيجعل هذا الجنين يخرج إما مشوه وإما يخرج ميت. قال ابن عباس: قال فأدركهما حب الولد، أرادوا الذرية، فهنا لحب الولد وافق على طلب إبليس، قال: فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث. فذكر ابن عباس ثم اتل ابن عباس رضي الله تعالى عنه هذه الآية: ﴿فلما آتاهما صالحا جعل له شركاء فيما آتاهما﴾، الآية. هذا الذي القصة التي أوردها ابن عباس رضي الله تعالى عنه. وهذه إخواني في الله يجرنا طبعا بعدما ذلك. خرج المؤلف رحمه الله تعالى، وهو الإيمان محمد بن عبد الوهاب، خرج هذا الأثر بقوله: «رواه ابن أبي حاتم». قال: «وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته». قال: «وله أيضا بسند صحيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لئن آتيتنا صالحا﴾ قال: أشفق أن لا يكون إنسانا». وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما. الشاهد من هذا الأثر ما كان من تخريجه، هي مسألة نشير إليها. هذه الآية التي بين أيدينا: ﴿فلما آتاهما صالحا جعل له شركا فيما آتاهما﴾، فلما آتاهما، الضمير يعود إلى من؟ الضمير يعود إلى من؟ القول الأول: قول من يقول أن الآية تتحدث عن آدم وحوى، تتحدث عن آدم وحوى. وما سمعنا في قصتهما كيف أن إبليس أتى إليهما وخوفهما إن لم يطيعانه في تسمية المولود بعبد الحارث، فإنه سيصاب بمكروه، فحينها إنصاع لأمره وأطاع في طلبه، فسمى بهذا الإسم. هذا القول الأول، وهو المنقول عن جماعة من الصحابة، وعن جمع غفير من التابعين، وهو الذي تطبق عليه كلمات المفسرين، من فتح تفسير هذه الآية سيجد هذا المعنى وهذا التأضيل وهذا التفسير عند الكثير من المفسرين من أهل العلم. وهذا الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى يورد هذا الأثر في هذا الباب تأييدا لهذا المعنى، وأن هذه الآية تتحدث عن آدم وحواء، هذا هو القول الأول في هذه المسألة. والمذهب الثاني: قول من يقول: لا، أن الآية لا تتحدث عن آدم وحواء، وإنما تتحدث عن حال المشركين، كيف أنهم يشركون مع الله جل وعلا في مسألة الإنجاب، وفي مسألة الأولاد، أن جعلوا الأولاد لله شركاء. وقد أشرنا إلى صور الشرك في الدرس الأول. وهذا القول الذي ذهب إلى أن الآية تتحدث عن عموم المشركين من بني آدم، ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وانتصر له، وهكذا ابن القيم، وهكذا ابن كثير، وحققه. طيب، مما يشكل في هذا الأمر إخواني في الله، أن الدليل الذي استدل به العلماء الأوائل في أن هذه القصة تتحدث عن آدم وحواء، ليس فقط أثر ابن عباس، لأن ابن عباس وصحابي، وقوله وتفسيره قابل للنظر والرد. لكن الذي يشكل هنا أن العلماء استدلوا كذلك بأحاديث مرفوعة، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده من حديث سمر بن جندب مرفوعة، أن هذا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا رواه الترمذي والحاكم في مستدركه بنحو ذلك. فإذا هذا الذي أتى به ابن عباس قد ثبت أيضا مرفوعا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. لهذا ها هنا إخواني في الله في هذه القصة أو هذا الموضوع برمته في فهم هذه الآية: ﴿فلما آتاهما صالحة﴾، إما أن تتحدث عن آدم وحواء بخصوصهما، وإما أن الآية ليست لها علاقة بآدم وحواء لا من قريب ولا من بعيد، وإنما هي آية عامة تتحدث عن حال المشركين، المذهب الثاني، وهو الذي انتصر إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. ردوا على أصحاب القول الأول بأدلة سريعة نذكرها ها هنا. قالوا: أن قصة القصة المذكورة من أن الشيطان أتى لآدم وحواء وخوفهما وأنهما أطاعوا في هذا الباب، قالوا: أنها قصة لا تصح إسنادا ولا متنا، لا سندا ولا متنا، وأنها مردودة ما نقبلها ولا نقبل بما فيها. أما من حيث السند، قالوا: هذا الحديث جاء من طريق كما يقال محمد بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن عن سمر بن جندب عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. قالوا: هذا هو الإسناد المروي لهذا الحديث بهذه السلسلة. قالوا: هذه السلسلة فيها معايب. أولا الإمام الذهبي رحمه الله تعالى قال عنها: قصة منكرة. مباشرة ردها تفصيلا ومجملا بأنها قصة منكرة. وأما ابن كثير رحمه الله تعالى فقد فصل لنا بالعلل الموجودة في هذه القصة. أولا هذا الرواة هذا الحديث وهو عمر بن إبراهيم، أن هذا الراوي قال عنه الحفاظ: لا يحتج به، وهو ضعيف. زد على ذلك أن عمر بن إبراهيم يروي هذا الحديث عن قتاده، ورواية عن قتاده مضطربة كما أشار الحفاظ. زد على ذلك أن هذا الحديث من رواية الحسن عن سمرة، ورواية الحسن عن سمرة من الروايات التي اختلف فيها العلماء اختلافا كثيرا. فقالوا: هذه العلل التي أمامنا تريك أن هذا الحديث من حيث الإسناد ليس بالقوي الذي يلتفت إليه. فكيف إذا انضاف إلى أن هذه القصة من خلال النظر إليها تحمل نوع نكارة. وجه النكارة أولا قالوا: كيف أن آدم عليه السلام سيصدق دعوة إبليس بأنه قادر على أن يخلق للجنين قرون، ما يمكن لآدم أن يصدق بهذا الكلام، يعني إبليس وصل لمنزلة رب الأرباب أن يخلق ما في الأرحام، هذا ما ينطلع على أي أحد، فكيف ينطلع على آدم عليه السلام؟ قالوا: نستبعد هذا. قالوا: هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: أن آدم عليه السلام بهذه الحقصة قد وافق على طاعة إبليس، هذا يوقعه في الشرك، هكذا قالوا: يوقعه في الشرك، لأن الآية تتحدث عن الشرك وجعل له شركاء، إذن آدم في طاعة لإبليس وقع في الشرك. وهل يمكن لنبي ولرسول أن يقع في شرك؟ الجواب: لا، بالاتفاق، لا يصد من الأنبياء ولا من الرسل شيء من أنواع الشرك، لأن الله عصمهم منها. ثالثا قال: لو صحت أن هذه الحادثة وقعت لآدم عليه السلام، ولو قلنا أنه وقعت وتاب منها، لكانت هذه الحادثة سيذكرها آدم، يذكرها عن نفسه، مثلا في حديث الشفاعة، عندما تأتي الأمم وتيسألون آدم، فصل القضاء ويشفى عند رب الأرباب، لذلك آدم عليه السلام ما يقول إلا أنه أكل من الشجرة، يذكر هذا الذنب الذي تاب منه، ما يذر الذنب الآخر. لو كان هذه القصة حقيقية صحيحة لذكرها آدم عن نفسه، قال: نعم أكلت من الشجرة وأطعت الشيطان في تسمية المولود، ما ذكرها آدم لا من قريب ولا من بعيد. فلهذا ذهب جماعة من أهل العلم كما سمعنا، كشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن كثير، وجماعة من المحققين، إلى أن هذه الآية ما تنزل على آدم ولا على حوال، استبعادها سندا ومتناء. الحاصل إخواني في الله، الخلاف قوي، وأنا أعني بكلمة قوي بمعنى الكلمة، لأن المذهب الأول ردوا على هذه الأمور كذلكم ردوا. ولست في مقام الرد والأخذ والعطاء في مسألة يسع فيها الخلاف. ولهذا من أراد المزيد وفي البحث فليراجع كتب المطولات، ما كان من كتب التفاسير عند هذه الآية لتعلم فحو الخلاف الحاصل بين أهل العلم. فمن أهل العلم في هذه الآية من ذهب إلى أنها تتعلق بخصوص آدم وحواء، لما سمعت من الآثار، وهو قول كثير من الصحابة والتابعين ومن السلف ومن المفسرين. ومنهم من ذهب إلى أن هذه الآية لا تتحدث عن آدم ولا عن حواء، وإنما تتحدث عن عموم المشركين ممن ابتلوا بمسألة الأولاد، أن جعلوها سببا في وقوعهم للشرك. هذا خلاصة ما يذكر في هذا المبحث في فهم هذه الآية. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.