شرح كتاب التوحيد 265

شرح كتاب التوحيد 265

الدرس في شرح كتاب التوحيد 265، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح حديث لا يسأل بوجه الله إلا الجنة ومعناه

يشرح الحديث النبوي "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" ويبين معناه وأهميته، مع مناقشة صحة الحديث وشرح آراء العلماء حوله. يُفسر الحديث بثلاثة معانٍ: عدم جواز سؤال المخلوق بوجه الله، وجوب سؤال الله الجنة بوجهه، وعدم جواز سؤال الله بوجهه أمورًا دنيوية وضيعة.

حكم السؤال بوجه الله وإعطاء من يسأل

يُناقش حكم السؤال بوجه الله، حيث يُعتبر محرمًا إذا كان لطلب حطام الدنيا، ويُشير إلى وجوب إعطاء من يسأل بوجه الله إذا كان الشخص قادرًا على الإعطاء. يُستند إلى حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي يلعن من سئل بوجه الله ثم مُنع سائله.

وجوب الإيمان بصفة الوجه لله تعالى

ينبغي الإيمان بصفة الوجه لله تعالى كما أثبتها لنفسه وأثبتها له نبيه، دون تحريف أو تعطيل أو تكييف. يجب الإقرار بأن لله وجهًا يليق بجلاله وعظمته.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة. هذا الباب -أخواني في الله- كما سيأتي معنا مع الباب الذي قبله، الكل يدور على تعظيم الله جل في علاه سبحانه. فالباب السابق في بيان أنه من سألك بالله فلا ترده، يا عبد الله، لا تعظيمًا للسائل وإنما تعظيمًا لله الذي ذكر، كما مر. إذا قال لك أحد من الناس: سألتك بالله إلا أن تعطيني كذا، وأنت قادر، اعطِه، وذلك تعظيمًا لجناب الرب الذي ذكر. وهكذا أيضًا في هذا الباب، فيه التعظيم لله جل وعلا من قبل السائل، وأن السائل إذا أراد أن يسأل بالله فلا يسأل بوجه الله، إذ أن السؤال بوجه الله لا يكون إلا للأمور العظيمة، لا يكون إلا في الأمور العظيمة. أسألك بوجه الله، هذا ما ينبغي أن يخرج من فم أي سائل أو أي طالب، كما سيأتي معنا. ولهذا إلا في الأمور العظيمة كالجنة وما قرب إليها من قول وعمل. ولهذا قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة. وأورد المؤلف -رحمه الله تعالى- حديث الباب، وحديث جابر، قال: عن جابر قال -رضي الله تعالى عنه-: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة»، رواه أبو داود. لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، فلا إذا كنت سائلًا ومتوجهًا بوجه الله، فلا تسأل بوجه الله إلا الجنة. وسيأتي معنا مساء الحديث، لكن بقي النظر في صحة هذا الحديث. هذا الحديث والذي عول عليه المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الباب هو عن طريق سليمان بن معاذ، وسليمان بن معاذ قد تكلم فيه. وفي الحقيقة، كلام العلماء يدل على ضعفه، منهم من رماه بالجهالة، فهو لا يعلم ولا يُدرى من هو. ولهذا حكم العلماء على هذا الحديث بالضعف، كما فعل ذلكم ابن عبد الحق، وهكذا ابن القطان، والإمام المناوي، وهكذا الشيخ الألباني، وصاحب النهج السديد، وجماعات من أهل العلم على إعلال هذا الحديث. لكن بالمقابل، مع ضعف هذا الحديث، إلا أن له شواهد، شواهد يرتقي بها للحجية، كما صرح بذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- على أن هذا الحديث له شواهد كثيرة تدل على صحة معناه. ومن أعظم ما يستدل به في صحة هذا الحديث ما جاء عند الطبراني من حديث أبي موسى الأشعري، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرًا». هذا الحديث حديث أبي موسى الأشعري الصحيح، فيه أنه من الأحاديث الصحيحة، والذي حسنه جماعة من أهل العلم كالعراقي والمناوي، وهكذا حسنه الألباني. فهذا الحديث يدل على ما مضى من حديث جابر، ففيه نفس المعنى، يقول عليه الصلاة والسلام: «ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرًا»، هجرًا أي ما كان منكرًا. إذا طلب منك بفعل منكر، كما مر معنا، أنت لست مجبرًا لإعطائه طلبه إن كان فيه مخالف للشرع. إذن هذا الحديث الذي بين أيدينا في قول نبينا: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة»، حديث بشواهد يرتقي للحجية. نأتي الآن ما معنى هذا الحديث؟ ماذا استفاد العلماء من هذا الحديث؟ للعلماء في هذا الحديث أحد معنيين. في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة»، فيه المعنى الأول: أنه لا ينبغي ولا يجوز لأحد من المخلوقين أن يسأل بوجه الله، ما يجوز هذا الباب يغلق، لا تسأل شخصًا لا تسأل شيئًا وأنت تسأل الله بصفة الوجه، هذا معنى الحديث. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يسأل بوجه الله» أي لا تجعل وجه الله محلا للسؤال، هذا استفادة العلماء من هذا الحديث، وحمله جماعة على هذا الفقه: أنه لا يجوز لأحد من المخلوقين أن يسأل بوجه الله. تريد أن تسأل بالله، سَل بالله، أسألك بالله، أسألك بربك افتح المجال، لكن تسأل بوجه الله لا، لا تفتح هذا المقام والنطاق على لسانك في باب السؤال. هكذا استفاد جماعة من أهل العلم. ومن أهل العلم استفاد فائدة أخرى، قال: لا، المستفاد من هذا الحديث أنك لا تسأل بوجه الله إلا الجنة، لا تسأل بوجه الله إلا الجنة، أي أنك إذا أردت أن تسأل الله جل وعلا بوجهه، فسأل الله جل وعلا الجنة، كأن تقول: اللهم إني أسألك الجنة بوجهك الكريم، اللهم إني أسألك بوجهك الكريم أن تدخلني الجنة. فتجعل وجه الله جل وعلا سببا في أن الله يعطيك سؤالك، وما هو سؤالك؟ الجنة. لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، هذا المعنى الثاني. ولهذا قالوا: لا يجوز أن تسأل بوجه الله غير هذا، مثل رجل ولو كانت أمرًا أنت في قلبك بحاجة إلى مثل تريد زوجة، تريد عمل، تريد وظيفة، وأنت بحاجة للسؤال. فإذ بك ترفع كفة دعاء، فتقول: اللهم إني أسألك بوجهك زوجة صالحة، لا، ما يجوز، ما يجوز سؤال الله جل وعلا بوجه، إنما يتعلق بالأمور العظيمة، الجنة وما قرب إليها، هكذا هذا المعنى الثاني. ولهذا هنا أتى القول الثالث، وهو قول جماعة من أهل العلم، وما إليه بعض العلماء كالشيخ العثيمين: أن المعنى الأول والثاني يدخل في الحديث. فمعنى هذا الحديث: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة»، فيه فائدة أن المخلوق لا يسأل بوجه الله في أموره وغضاياه وحوائجه، والفائدة الثانية: أنك إن سألت الله بوجهه، فسأل الله عز وجل الجنة، هذه الفائدة الأولى والثانية هو القول الصحيح الذي يدخل في هذا الحديث. إذن في هذا الحديث -إخواني في الله- عندي مسائل عديدة. أول فائدة نستفيدها من حديث: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة»، أنك بوجه الله سبحانه وتعالى تسأل الله الجنة، وكل أمر عظيم تسأل الله الجنة، وكل أمر عظيم وما يتبع الجنة، مثل تسأل ربك جل وعلا أن يعيذك من النار، هذه من لوازم الجنة. لك أن تسأل الله بوجهه: اللهم إني أسألك بوجهك أن تحرم وجوهنا ووجوه آبائنا من النار، ما في شيء، اللهم إني أسألك بوجهك أن تثبت حجتنا في قبورنا، ليس فيه شيء، لأن هذا كلها من معاني الجنة. فكل معنى من معاني الجنة والاعتصام بالجنة والدخول إلى الجنة والاستعاذة من النار وما كان من أهل النار، كل ذلك يمكن أن تسأل الله جل وعلا بوجهه. ويستدل كذلك بهذه التوسعة، يستدل بذلك بما جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قرأ قول الله عز وجل: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك»، أعوذ بوجهك، ثم إلى أن قال سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال نبينا: «أعوذ بوجهك»، لأن هذا مما ينافي الجنة، وهو الهلاك والعذاب والاستئصال. فكل ما كان من أعمال الجنة ومن أسباب الجنة وما يقرب إلى الجنة، وما كان من لوازمها من إبعاد عن النار ومن أهوال النار ومن أعمال أهل النار، لك أن تسأل الله ماذا بوجهه؟ لك أن تسأل الله بوجهه، هذا الفائدة الأولى. الفائدة الثانية: وهو أنه لا يجوز أن تسأل بوجه الله ما كان من الأمور الوضيعة من الأمور الدنيوية، لا يجوز. كما مضى يأتي بعض السائلين إلى محلك إلى دكان: يا أخي أسألك بوجه الله، اعطني، ما يجوز. بل إن من العلماء من قال: هذا حرام، هذا حرام، لا يجوز لأي أحد كائنا من كان أن يسأل بوجه الله شيئًا من حطام الدنيا. وجه الله عزيز، فلا تجعل في الأمور الذليلة الهيّنة التي تكون من متاع حطام الدنيا، فما يجوز أن تأتي ولو كنت محتاجًا لهذا الشيء، فأردت أن تستخدم كل أسلوب ضغط، ضغط على الذي تطلب منه: أسألك بالله، أسألك بوجه الله، أسألك بحرمة الله، لا، ما يجوز. قال العلماء: أن من سأل بوجه الله شيئًا من حطام الدنيا من متاع الدنيا، فقد وقع في محرم، لماذا؟ لأنه قد مضى معنى من حديث أبي موسى الأشعري، قال عليه الصلاة والسلام: «ملعون من سأل بوجه الله، ملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله»، لهذا هذا الباب -يا عبد الله- اجعل له حقه وقدره من الإعظام. الفائدة الثالثة من هذا الحديث: أنه من سألك بوجه الله -يا عبد الله- عليك أن تعطيه، عليك أن تعطيه، لما مضى من حديث أبي موسى، قال عليه الصلاة والسلام: «وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله»، فإذا ابتليت ابتليت برجل جاءك إلى باب دارك، وإذ به يسألك بالله، حتى قال: سألتك بوجه الله، اعطني، ارزقني، هب لي، امنحني، في حين وأنت قادر، اعطه. وقد مضى معنا في درس أمس في حديث ابن عباس: «ومن سألكم بالله فأعطوه»، من سألكم بالله فأعطوه، تعطيه -يا عبد الله- كما قلنا، عطاؤك ليس لفلان وليس لحاجته، وإنما لأنه ذكر الله المعظم عندك. يعني -حيانًا- إخواني في الله، الشيء بشيء يذكر، يأتيك الرجل أنت لا تعلمه لا تعرفه، ويقول: أخي عندي حاجة وأنا محتاج، عندي مرضى، عندي سفر، عندي طلب، عندي، وأنت لا تبالي به. فإذا به يضرب على وتر حساس، يقول لك: يا أخي شوف أنا وبك عشنا مع بعض، لما ذكر أباك اهتزت مشاعرك، تقول: إيش؟ أنت تقول: نعم، كيف أنا وبك تربينا سواء وعشنا في المكان الفلاني، وبك ما كان يقصر معي، هنا لما ضرب على هذا الوتر تغيرت الوجهة والأبشر، إيش تريد الآن؟ أعد إيش تريد مني؟ أطلب منك كذا، والأبشر الآن تعطي، مع أنه لما أتى بحاجته ما تبالي به، ولما أتى بسؤاله ما رفعت لها رأسًا. لكن لما ذكرك بأمر معظم في نفسك وهو الوالد أو الوالدة أو الأقارب أو الأرحام، حينها جعلت لهذا الأمر اعتبار. وهكذا -يا عبد الله- ولله المثل الأعلى، فأنت قد يأتيك سائل، اعطني، يقول: يا أخي خير إن شاء الله، أنت وعشك، من أمثال قد سئمنا منهم، مللنا منكم، اعطني، اعطني، سألتك بالله، هنا انتبه، إذا سألك بالله -يا عبد الله- انتبه، فقد سألك بعظيم وسألك لأمر جلل، هنا اعطِه -يا عبد الله- إن كنت قادرًا على الإعطاء. ولهذا الفائدة الثالثة في هذا الحديث على أن من سألك بالله أو سألك بوجه الله وأنت قادر، اعطِه، «ملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله». وأخيرًا رابعًا في هذا الحديث: إثبات صفة الوجه لله جل في علاه على عقيدة أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، أنهم يجعلون لله الأسماء الحسنى ويجعلون لله الصفات العلا. ولله المثل الأعلى جل في علاه، الله ويجعلون ويجعلون بجلاله وكماله، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا نؤوّل ولا نفوّض ولا نكيف ولا نعطل ولا نمثل كما تفعل جماعات المبتدعة، وإنما نثبت لله ما أثبته ربنا لنفسه من اسم وصفة، ونثبت لله ما أثبته له نبيه من اسم وصفة. بما أن الله أثبت لنفسه الوجه، ونبينا أثبت لربه الوجه، فما ينبغي لأحد من بعدهما أنه يمحي أو يؤول أو يعطل صفة الوجه كما تفعل جماعات المبتدعة كالمعطلة والجهمية أو كالممثلة والمشبهة من هؤلاء، أو كذلك ممن يؤول ويقال أن الوجه بمعنى الذات أو الوجه بمعنى الثواب، لا، يعبد الله. بل نقر ونذعن ونعترف ونؤمن بأن لله وجهًا يليق بجلاله وعظمته جل في علاه. هذا خلاصة ما يذكر -إخواني في الله- من مسائل هذا الحديث. أسأل المولى، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.