شرح كتاب التوحيد 264

شرح كتاب التوحيد 264

الدرس في شرح كتاب التوحيد 264، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وجوب إجابة من سأل بالله وحماية من استعاذ به

يشرح الحديث النبوي وجوب إجابة من سأل بالله وحماية من استعاذ به، مع بيان الشروط والمراتب. يجب الإجابة إذا كانت المسألة غير محرمة أو مضرة.

أحكام الدعوة والإجابة لها

يشرح الحديث الشريف أحكام الدعوة والإجابة لها، حيث يجب إجابة دعوة العرس مع شروط، وتكون إجابة الدعوات الأخرى مستحبة. يشدد على أهمية مكافأة المعروف.

مكافأة المعروف ورد الجميل وتحرير القلب

يشرح الحديث أهمية مكافأة من يقدم معروفًا، إما برد المعروف أو بالدعاء والثناء، ويدخل هذا في باب التوحيد لتحرير القلب من التعلق بالمخلوقين.

فضل الدعاء للمعلم كوسيلة لمكافأته

يُنصح بالدعاء للمعلم لمكافأته على جهوده، ويُعتبر الدعاء وسيلة فعالة للتعبير عن الامتنان. يُشجع على الاستمرار في الدعاء حتى يشعر المرء بأنه وفى المعلم حقه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مر معنا إخواني في الله، كمقدم لهذا الباب والذي بوّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى باب لا يرد من سأل بالله، وأشرنا إلى صور هذه المسألة، وأن من سألك بالله فإنك عليك أن تعطيه ما سأل، وذلك بمراتب ثلاث: مرتبة الوجوب، ومرتبة الاستحباب، وبمرتبة الإباحة والجواز. قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح. هذا الحديث، إخواني في الله، بهذه المعاني الجليلة وهذه المقامات الرفيعة، له من الأحاديث التي يجدر بكل مسلم ومسلمة أن يتأمل فيها، لعظيم ما اجتمع من مسائل وأحكام. وهذا الحديث رواه أبو داود كما أشار المؤلف رحمه الله تعالى، وهكذا النسائي، وقد حسنه شيخ الألباني، وهكذا شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى، أورده في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. وهذا الحديث احتوى على مسائل، أولى مسائل الحديث ما نريده في هذا الباب، في قوله عليه الصلاة والسلام «ومن سأل بالله فأعطوه»، هذا المراد من الاستدلال بهذا الحديث. من سأل بالله، من قال لك يا عبد الله أسألك بالله أن تعطيني هذا، قد مرت معنا مسائل الباب، وأن من كان قادرًا مستطيعًا، وما هناك مضرة ولا مكروه ولا محرم، فواجب أن تعطيه ما سأل، قد مر معنا مرتبة الوجوب، واجب عليك. وهذا الذي ذهب إليه جماعة من العلماء، ويؤيد هذا الحكم حكم الوجوب لمن سألك بالله في أن تعطيه شيئًا، فما يجوز لك أن تتخلف عن مسألته. ما رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «ألا أخبركم بشر الناس؟» قال عليه الصلاة والسلام «رجل يسأل بالله ولا يعطى به» يعني يأتيه الآتي ويسأله بسم الله الأعظم، سألتك بالله، ثم بعد ذلك لا يرفع رأسه من الله جل في علاه، هذا عده نبينا من شر الناس. ولهذا يا عبد الله، من أتاك لمسألة ما وجعل عليها القسم، فحينها حاول أنك لا ترده، كما قلنا إذا بشروطها الذي مضت معنا في درس أمس. ثم في الحديث مسائل أخرى، قال عليه الصلاة والسلام «ومن استعاذ بالله فأعيذوه»، من استعاذ بالله، العوذ هو الالتجاء لدفع الضر والشر، من استعاذ بالله من سألك بالله يا عبد الله في أن تدفع عنه شرًا، سألتك بالله أن تدفع عني شر فلان، حينها يا عبد الله وجب أن تحميه إذا كانت عندك قدرة ومكانة، احميه إذا استعاذك بالله. أو أن هذا الإنسان استعاذ من شر فقال أعوذ بالله من شر ما، فهنا ينبغي أن يعاذ، يبعد عن هذا الشر الذي استعاذ بالله منه. أعيد، من قال أعوذ بالله من شر كذا، من شر كذا، هذا الذي استعاذ بالله ينبغي أن يعان على أن يعاذ، يبعد عن هذا الشر. شر من شر أي أحد، مثاله لو أنه استعاذ بالله من شر فلان خوفًا منه، حينها نبقى معه نحميه، نقول يا فلان اتق الله، ابتعد عن هذا، قد استعاذ بالله منك، ابتعد لا تؤذيه، ابتعد. أو أنه يستعاذ من شر كأنت من شر كأنت، فقال مثلًا أعوذ بالله منك، أو قال أعوذ بالله من شرك، فإذا اعتصم بالله منك ابتعد عنه، ابتعد وخلاص، ماذا وصل بك المقام إلى أن تستعاذ بالله مني؟ فلك هذا، ابتعد عنه. مثال رجل أنت لربما تكلمه، تواجهه، تبين له بعض المسائل، فإذا به استشاط غضبًا، قال أخي أعوذ بالله منك وخلاص، ذاك الله إله يكفي، لا تزد على هذا، ابتعد عنه، لأنه من استعاذ بالله فأعذوه. ولهذا نبينا صلى الله عليه وسلم لما دخل على تلك المرأة الجوينية فقالت لرسول الله أعوذ بالله منك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد عدت بعظيم، الحقي بأهلك، لست لي بحاجة» أراد أن يدخل عليها بنكاح، أراد أن يدخل عليها بنكاح عليه الصلاة والسلام، لكنها كانت في قلبها شيء من الخوف، فلما رأت رسول الله قد أعوذ بالله منك، لما سمع نبينا أنها استعاذت بالله، ماذا فعل نبينا؟ أعطاها العوذ، أعطاها الأمان، قال «لقد عدت» في رواية بمعاذ، وفي رواية «لقد عدت عدت بعظيم، الحقي بأهلك، اذهبي» فأذهبها، وما مس، وما دنا منها عليه الصلاة والسلام. وهكذا أنت، فإذا وجدت أن أحدًا ما مثلًا استعاذ بالله منك، فابتعد عنه، أو استعاذ بالله من فلان وفلان، أعنه على أن يبتعد عنهم، لماذا؟ لأنه استعاذ بالله جل في علاه. وقد أشرنا إخواني في الله أن المحد يعظم كل ما كان فيه تعظيم لله سبحانه وتعالى، سواء كان في باب السؤال وهو الطلب، أو ما كان في باب العوذ وهو الهرب واللجوء. ثم قال عليه الصلاة والسلام «ومن دعاكم فأجيبوه»، ومن دعاكم أي دعوة، دعوة إلى وليمة، إلى غداء، إلى عشاء، دعوة دعاك إلى ضيافة، هنا قال عليه الصلاة والسلام «فأجيبوه» أي يجب أن تجيب هذه الدعوة. الدعوة إلا أن العلماء، وهذا هو الصحيح في المسألة، على أن العلماء يفرقون بين الدعوات. فإن كانت الدعوة دعوة زواج، وليمة عرس، هنا نعم يجب أن تلبي من دعي إلى الوليمة «فليجبها» أو في الرواية «فليأتها»، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله، هذه خاصة بوليمة العرس. إذا دعاك إنسان دعاك بعينك أنت، وكان بعدم حضورك شيء يسيء للنفس، واجب أن تحضر، طبعًا بشروط، بشروط. إجابة دعوة العرس، وليمة العرس بشروط، بحيث أن يكون الداعي ليس ممن أمرنا بهجره، فإن كان من أهل البدع والإحداث، ومن أهل الفسوق والمجون والفجور، لا نرفع رأسًا بدعوته، ولا كرامة. أو لا يكون كافرًا، أنت ممنوع من دعوة الكفار، أو كذلكم أن لا يكون في مكانة منكر، كمن يدعوك إلى وليمة في صالة أفراح وتجد هذه الصالة مليئة بالمكبرات والصوت الغنائي يضج داخل هذا المكان، ولا تستطيع أن تأكل إلا وهذا الطرب يدخل إلى أذنيك، حينها لا تحضر، لا تحضر، لأن لا يمكنك إلا إذا استطعت أن تغير المنكر، احضر وغير، فجزاك الله خيرًا. أما إذا كان المنكر في مكان بعيد، والغذاء في مكان آخر، فهذا لا شيء فيه على مذهب جمهور العلماء. فهناك شروط في حضور وليمة العرس، هذا فالأصل فيها الوجوب إلا إذا كانت فيها محاذير. أما إن كانت الدعوة ليست دعوة عرس، مثل وليمة سفر، مثل وليمة عقيقة، مثل وليمة ختان، ودخل سكن جديد، وغيرها من الولائم الذي معهود عند الأفراد والمجتمعات، وفي العادات، هذه مستحبة، هذه مستحبة، لا تصل إلى حد الوجوب. ففي قوله «ومن دعاكم فأجيبوه» هنا الوجوب يكون خاص بوجوب ماذا؟ وليمة العرس. ثم قال عليه الصلاة والسلام «ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه»، من صنع إليكم معروفًا، معروفًا من كلمة نكرة، وهنا النكرة جاءت في سياق الإثبات، فهي تفيد الإطلاق. فأي معروف تجده يا عبد الله جاءك من أي شخص كان، احرص يا عبد الله أن تقابل هذا المعروف بمكافئة، كافئ أهله لقوله عليه الصلاة والسلام «ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه»، كافئوه. وقد قال العلماء أن المكافئة الأصل أن تكون من جنس المعروف، مثلًا لو أنك جاءتك إعانة مالية من فلان، خذ الإعانة، أعانك بها، واجعل في نفسك بأنك سترجع هذا المبلغ بإذن الله إذا احتاج إليه فلان، أو ساعدك بجاه بواسطة، كنت في أمر ما فتقدمت إلى فلان فبواسطته أدخلك، أعانك، أعطاك، فأنت عامل هذا المعروف بهذا المعروف. فلو جاءك يومًا ما وأراد منك أن تعينه بواسطتك، فعامله بالمثل، فمن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، كافئ المعروف بالمعروف، وهذا من مكارم الأخلاق، ومن محاسن الآداب. لا تكن يا عبد الله عديم المعروف أو ناكر المعروف، كحال بعض الناس، لربما كان في فقره وفي حاجته كان يعان من قبل فلان وفلان، فلما أن أغناه الله من فضله، إذ به يجحد وينكر في وقت الناس بحاجة إليه، فنسي المعروف الذي كان يعطاه من قبل غيره، هذا ليس من الأدب يا عبد الله. الأدب أن الإنسان يبذل المعروف لأهله، وخاصة من أعانك، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام «ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه»، هنا مسألة ذكرها بعض العلماء، وهي أن هذا الحديث في جملته يتحدث عن مسائل التوحيد، من سأل بالله فأعطوه، من استعاذ بالله فأعيذوه، فلماذا أدخل باب المعروف «ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه»؟ هل لهذه العبارة والجملة مدخل في باب التوحيد؟ الجواب نعم، مدخل هذا. قال العلماء أن الإنسان إذا أعين أعين بمعروف هنا ومن هنا ومن هنا، من قبل أناس، لربما يجد الإنسان أمام هذا المعروف الذي صنع إليه يجد بالنفس الظل والتبعية والتعظيم لمن أعانه، وهذا التعظيم والإذعان لربما دخل في قلبه ونازعه في إقباله على ربه جل وعلا. ولما كان الإسلام يريد من المسلم أن يكون موحدًا لله ظاهرا وباطنا، قلبًا وقالبًا، أراد الشرع أن القلب يكون لله، ما هناك خضوع ما هناك ذل ما هناك تعظيم ما هناك طمع إلا لله. فلما يعطيك الإنسان معروفًا حاول أن ترجع المعروف إليه، أعطيتني؟ خذ، لا تبق عليك منة، لا تجعل علي منة، اجعلني محررًا لله جل وعلا. قال العلماء هذا هو المدخل الذي به ذكر نبينا هذه المسألة في ذكر هذا الحديث الذي يتعلق بمفردات التوحيد، وهو تصفية القلوب، لأن الإنسان إذا تلقى المعروف تلو المعروف لربما كان له من الذل للمخلوقين، فكيف يندفع هذا الذل؟ أنك ترد، ترد، أعطيتني؟ خذ، جزاك الله خيرًا، خذ، وأعطيتني؟ خذ، وأعطاني فلان؟ خذ، ترد للناس حقهم، بحيث لا أحد يمن عليك بمنة، ويكون قلبك إنما يتعلق بالله وحده. ثم قال عليه الصلاة والسلام «فإن لم تجدوا ما تكافئوه»، قد يصل الحال بالإنسان أنه ما عنده من القدرة على المكافأة، كحال كثير من أهل الفقر والمسكنة ممن يعطيهم أهل الإحسان ما يعطيهم، ما يستطيع أن يكافئهم لا بأموال ولا بجاه ولا بمناصب، هنا أتى البديل، ما هو؟ الدعاء والثناء. قال عليه الصلاة والسلام «فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له»، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه، أي تكثر له من الدعاء بالشكر والثناء، وتحمد الله على ما كان من فعله وما كان من أخلاقه، وتدعو له بالبركة في ماله وأهله، فلا زلت تدعو وتدعو وتدعو حتى ترى أنك قد أعطيته الذي يستحق ماذا من الثناء والدعاء. وقد جاء كذلك من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «من صنع إليه معروف فقال لصاحبه جزاك الله خيرًا فقد أبلغ في الثناء»، جزاك الله خيرًا هذا قد بلغ في الثناء، لأنك تدعو الله جل وعلا بأن يجزيه خيرًا في الدنيا والآخرة. وبهذا نعلم أن الدعاء مكافأة، وأن الثناء مكافأة، وهذا لا يمكن لأحد أن يبخل به. وللأسف قد ابتلينا ببعض الناس، وصل منهم الجحود حتى في الثناء، نذكر أناسًا أعوذ بالله، لربما إذا أعطي عطاء هنا وهنا فقل له أخي اذكره بخير، ليش أذكره بخير؟ ليش أذكره؟ إيش من ماله؟ ولا من مال أبيه؟ والله مو حق، هذا من أهل الخير جاءوا به، أنا ما أذكره، أعوذ بالله، حتى لهذه الدرجة، يعني كونه فقط أن الله جعله سببًا لك أن جاء لهذا المال إليك، حتى تبخل عنه بالدعاء. وجدنا هذا وسمعنا هذا والله من أناس لربما بلغ منهم الجحود حتى أنه يجحد أن يشكر غيره حتى باللسان، إذا قيل له أشكر فلان واشكر على عطاء، يقول لا، ما أشكر فلان، إيش دخل فلان؟ فلان حسب أنه فقط ناقل نقل لمبلغ من أهل الخير وآتاه، ليس من كده، وليس من كد أبيه ولا أمه، سبحان الله، هكذا جزاء المعروف، لا يا عبد الله، هذا ليس من طبيعة المسلم. طبيعة المسلم يكون شاكرًا حامدًا لله أولًا وآخرًا، وهكذا يشكر كل من أتى إليه معروفًا، ولو أقل ما يقال بالثناء والكلمة الطيبة. الحاصل إخواني في الله، في هذا الحديث الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى، والذي هو في الحقيقة قد اجتمع على معاني جليلة، ومنها ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى من أنه من سأل بالله فإنه لا يرد، وذلك لحديث ابن عمر الذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم «من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.