شعبان مسائل وأحكام 2

شعبان مسائل وأحكام 2

الدرس في شعبان مسائل وأحكام 2، مشروعية الصيام ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعظيم النبي لشهر شعبان بالصيام وتفسير الحديث

كان النبي يكثر من الصيام في شعبان حتى قيل إنه كان يصومه كله، واختلف العلماء في تفسير هذا الحديث بين حمله على المبالغة في كثرة الصيام وتفسيره بأن النبي كان يصوم في مختلف أوقات شعبان.

أسباب كثرة صيام النبي في شعبان

اختلف العلماء في سبب كثرة صيام النبي في شعبان إلى ثلاثة أقوال وهي تعظيمًا لرمضان وتعويضًا لما فات من صيام ورفع الأعمال إلى الله وهو صائم.

أحكام ومستحبات شهر شعبان وفضله

يُنبه على أهمية قضاء الصيام قبل رمضان ويشجع على التوسع في العبادات في شعبان مثل الصيام وقراءة القرآن والإنفاق، وينبغي صيام بعض أيامه مثل الإثنين والخميس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن هذا الزمان الذي نحن وإياكم نتقلب فيه في هذه الآوان، ألا وهو شهر شعبان، وكيف أن الله عز وجل خصه بالإكرام والإنعام، وأشرنا إلى مسألة رفع الأعمال وما فيها من مسائل وما فيها من عبر وفوائد. ما سمعتموه من درس أمس كان من تعظيم الله لشعبان، ننظر ما كان من تعظيم نبينا لشعبان. كان من تعظيمه لهذا الشهر المفضل أنه عليه الصلاة والسلام كان يكثر من الصيام، حتى أن ذلك كان محل تعجب الأصحاب. فها هو أسامة رضي الله تعالى عنه يقول: يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان. كان عليه الصلاة والسلام يكثر، بل قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان يصوم شعبان إلا قليلا. بل جاء عند النسائي بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله. وهنا وقفة مع هذه الرواية واللفظة "كان يصوم شعبان كله"، استشكل العلماء هذا الحديث لأنه لم يُعهد عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه استكمل شهرًا كاملًا سوى رمضان. لم يستكمل شهرًا كاملًا بالصيام سوى رمضان، فكيف هذا الحديث يُخبرنا أن النبي صام شعبان كله؟ لهذا العلماء حملوا هذا الحديث على أحد ثلاث محامل. إما أنه يُحمل على أنه كان يصوم شعبان كله وذلك في بداية أمره، ثم في آخر أمره كان يصوم أكثر شعبان ما صام كله، هذا قول. القول الثاني أن حديث "كان يصوم شعبان كله" خرج مخرج المبالغة. وقد نقل الإمام الترمذي رحمه الله تعالى عن الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى أنه قال: جائز في كلام العرب أن يقال لمن صام أكثر الشهر صام الشهر كله. قال ابن المبارك: جائز في كلام العرب أن يقال لمن صام أكثر الشهر صام الشهر كله. فنبينا صلى الله عليه وسلم عندما قيل عن صيامه أنه صام الشهر كله أي بمعنى الأكثر. يؤيد هذا المعنى ما جاء من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان، يكثر، أما الكل فلا. المحمل الثالث ما ذهب إليه الإمام النووي رحمه الله تعالى ورجحه الشوكاني على أن معنى الحديث "كان يصوم شعبان كله" أي في كل أوقاته، من شعبان صام، فصام شعبان من أوله، وصام من شعبان من وسطه، وصام من شعبان في آخره، أي شعبان كله قد صام بهذه النظرية، أي كل فترات شعبان قد صامها نبينا عليه الصلاة والسلام، صام الأول وصام الوسط وصام الآخر، ليس معنى أنه صام كله من أوله إلى آخره، فلا، لأن النبي ما استكمل صيام شهر كامل سوى رمضان. أما شعبان فقد كان يكثر عليه الصلاة والسلام. المبحث الثاني من مباحث صيام النبي في شعبان هو السؤال الذي يبقى في الأذهان: لماذا؟ لماذا حرص نبينا عليه الصلاة والسلام على الإكثار من الصيام في شعبان؟ لماذا هذا التخصيص؟ العلماء في هذه المسألة على أقوال ثلاث. منهم من ذهب أن النبي صلى الله عليه وسلم خص شعبان بهذا الأمر تعظيمًا لرمضان. نعم، جاء عند الكرمذي من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصوم بعد رمضان، قال عليه الصلاة والسلام: شعبان تعظيمًا لرمضان. هذا الحديث ضعيف، لكن بعض العلماء على أن المعنى صحيح، فيرون أن شعبان له أفضلية لقربه من رمضان. وشبه ذلك بالنوافل، النوافل الصلوات كثيرة، نوافل كثيرة وكثيرة جدًا، لكن ما هي أفضل النوافل؟ أفضل النوافل السنن الرواتب. ما الميزة في السنن الراتبة؟ ميزتها أنها قريبة من الفريضة، ملتصقة بالفريضة. فيقرر العلماء أن النافلة إذا اقترنت بالفريضة كالسنن الراتبة فأجرها أعظم وأفضل وأحسن من باقي النوافل. قالوا: وهكذا الصيام، الصيام الذي يلتصق برمضان هو أعظم من غيره. فقالوا: شعبان هو من أفضل الشهور. هنا يأتي الخلاف على هذه المسألة: أيهما أفضل عند الله صيام شعبان أم شهر الله المحرم؟ وقع النزاع. فمن أهل العلم على ما ذكر يرى أن شعبان لا يدانيه شهر، شهر خصه الله بقربه من رمضان، فهو من أفضل الشهور. وقد رجح ذلك الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى. إذن هذا المحمل الأول لماذا نبينا يكثر من صيام شعبان؟ قيل: تعظيمًا لرمضان. الوجه الثاني من أسباب كثرة صيام شعبان ما ذهب إليه الجماعة من العلماء أنه تعويضًا لما فات. قالوا: نبينا عليه الصلاة والسلام كان من هديه يصوم في كل شهر ثلاثة أيام من كل شهر، لكن ما يتأتى معه أن يصوم هذه الأيام إما لسفره وإما لمرضه. هذه الأشهر، هذه الأيام كان يختزلها نبينا صلى الله عليه وسلم ويقضيها في شعبان، لأن وقت استقراره ووقت عافيته. فيقضيها. قيل: هذا. وهذا يجر إلى مسألة وهي على أن الإنسان إذا كان حريصًا على طاعة وفاتته فلا بأس أن يقضيها فيما بعد. وقد جاءت الأدلة تدل على هذه المسألة. مثال، قد جاءت الأدلة على أنه من فاته قيام الليل فنام عنه له أن يقضيه في النهار شفعًا شفعًا. وهكذا من فاتته ركعتا الفجر له أن يقضيهما. بل ثبت عنه أنه صلى بعد العصر كما في الصحيح، صلى بعد العصر ركعتين. فلما سئل عن هاتين ركعتين قال: هما ركعتان بعد الظهر. بعد الظهر ما استطاع النبي أن يتنفل، أتى إليه وفد من عبد قيس دخلوا عليه بعد الصبح وأشغلوه إلى العصر، فصلى العصر وبعد العصر صلى ركعتي الظهر قضاهما. فالشاهد أن هذا المسلك التربوي مفيد، مفيد لمن اعتاد على النوافل، اعتاد على النوافل له أن يقضيها. فالشاهد، المحمل الثاني، أن النبي كان يكثر من صيام شعبان تعويضًا لما فات. الصورة الثالثة أو المحمل الثالث لماذا نبينا كان يكثر من صيام شعبان؟ الجواب ما جاء في حديث أسامة بن زيد أنه شهر ترفع فيه الأعمال. وقد أشرنا أمس إلى فضيلة اغتنام أوقات رفع الأعمال بالأعمال الصالحة. وكان نبينا يتعمد أنه يكثر من صيام شعبان حتى يصعد عمله إلى الله وهو محفوف بشريعة الصيام. إذن هذه المحامل الثلاث التي جعلت نبينا صلى الله عليه وسلم يكثر من صيام شعبان، قيل: تعظيمًا لرمضان، وقيل: تعويضًا لما فات، وقيل: اغتنامًا لرفع الأعمال. ولعل الثالث والأظهر والأصرح كما جاء في السنة. أختم هذا المقام إخواني في الله في مسائل الصيام بثلاثة تنبيهات يجدر التنبيه عليها في مثل هذه الأوقات. التنبيه الأول: وقف مع حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: بأنه يكون عليها أيام من رمضان فلا تستطيع أن تقضيه إلا في شعبان. استفاد العلماء على أن من عليه قضاء من رمضان انتهاء المدة ستنتهي بانتهاء شعبان، فمن كان في ذمته - رجلًا كان أو امرأة - عليه أيام من رمضان ما استطاع أن يقضيها طيلة العام. اعلم أنك في شعبان في الفرصة الأخيرة، فلا يجوز بحال أن يدخل عليك رمضان القادم وعليك أيام من رمضان خلت. لأن إن صار ذلك فإنك آثم وأنك عاص لله، فحرص يا عبد الله على هذا الاغتنام. كذلك مما أحب أن أنبه عليه إخواني في الله من التنبيهات على أن هذه شعيرة، شعيرة الصيام، ليست هي فقط الشعيرة الوحيدة التي يستحب فعلها. نعم، ثبت ذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن أيضًا فقد جاء عن سلفنا الصالح أنهم كانوا يتوسعون في العبادات والطاعة يتوسعون. وقد قال ابن رجب رحمه الله تعالى: ولما كان شعبان كمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن يشرع فيه. فلا بأس أن الإنسان يتعبد الله بقراءة القرآن من الآن. كان سلمة بن كهيل رحمه الله تعالى يقول: كان يقال شهر شعبان هو شهر القرآن، شهر شعبان هو شهر القرآن، أي أن الناس من الآن يبدؤون بقراءة القرآن. وهذا قد درج عليه كثير من السلف رحمهم الله تعالى. وهكذا قسا عبد الله في باب الأعمال. ومما أذكره في هذا المقام النفقات، النفقات. لربما من الناس من عنده قدر على النفقة لكنه يمسك ويمسك ويمسك إلى أن يحين رمضان اغتنامًا للأجر. لكن انظر يا عبد الله إلى اغتنام المنفعة. لربما نفقة شعبان أنفع بكثير من نفقة رمضان. رمضان لربما تعطي ناس قد أعطيت لهم زكوات وصدقات من هنا ومن هنا ومن هنا، لكن تعال إلى شعبان تجد للناس الآن بحاجة إلى المال. ذاك الذي لربما أصبح يفكر يصبح ويمسي كيف يستقبل رمضان. إن جاءت إعانة راشدة من هنا ومن هنا حمد الله، وإن لم يأتيه شيء فهو في كارثة، ما عنده تموين ما عنده مال ما عنده متاع يقتات به مع أهله. فهن إذا بدأ أرباب الأموال في دفع أموالهم للأسر المحتاجة هذا يأخذونه ويجعلونه في رمضان. فأنت يا عبد الله تكتسب الأجرين، أجر المنفعة وأجر أن هذا سيؤكل في رمضان، فتنتفع أكثر وأكثر. ولهذا كان من بعض السلف من كان يرشد أهل الإنفاق أن يبدأ الإنفاق في شعبان لحاجة الناس إلى هذا المال. فهذه مسائل سريعة متعلقة بشعيرة الصيام وما حول من مسائل وأحكام ينبغي على أهل الإيمان أن يرفع لها رأسًا وأن يكون لنا حظ من صيام شعبان، إن لم يكن في أكثره فلأقل، يا عبد الله في بعضه، كأن تصوم الإثنين وتصوم الخميس منه، فإن ذلك فيه خير وبركة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.