الدرس في تعلقات رمضان على أهل الإسلام 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن أهمية الاستمرار في الأعمال الصالحة بعد رمضان وعدم الاكتفاء بما تم إنجازه خلال الشهر الفضيل. يشير إلى ضرورة الحفاظ على الأجور والحسنات المكتسبة.
يؤكد على أهمية قبول الله للأعمال الصالحة مستشهدا بآية ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ وقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه. يبين خوف سلفنا الصالح من عدم قبول أعمالهم.
ينصح بعدم الاغترار بالأعمال الصالحة الماضية ويحذر من محبطات الأعمال التي قد تذهب بالأجر. يشدد على أهمية الخوف من الله والحرص على التعلم لتجنب الأعمال التي تحبط الأجر.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في دروس خلت في أسبوع الماضي تحديدا، كان حديثنا عن تلكم الدروس التي تتعلق في بيان علاقة رمضان بأهل الإسلام بعد انقضائه، وأشرنا إلى ذلكم المفهوم الخاطئ الذي ارتسم في أذهان كثير منا أن بانقضاء رمضان تنقطع الصلة به، وهذا ليس بصحيح، بل إن لرمضان تبعات تتبع أهل الإسلام مدى العام. وأشرنا إلى مسألتين اثنتين، لا زلنا في الأولى منها، وهي ما ينبغي أن يكون من الاستمرار على الأعمال، وذكرنا حقيقة الأمر أن رمضان، وفي الحقيقة مدرسة يتربى فيها أهل الإسلام بشتى الأنواع من الأحوال والأقوال والأفعال، وبعد ذلكم ينطلق طيلة العام وهو على أحسن حال. وأشرنا إلى بعض النماذج المستفادة من التربية الرمضانية، كتربية الإخلاص والمراقبة والبذل والسخاء والتضرع والالتجاء، وما يكون من حسن التعامل مع خلق الله، وما يكون من التلذذ بالطاعة والعبادة. نأتي الآن، إخواني في الله، إلى الأمر الثاني، وهي من الأمور التي تبين وتدلل بها على أن ما مضى من رمضان لا نعتبره إن قضى وذهب وولى، بل يبقى حاضرا معنا. وفي مسألة المحافظة على ما اكتسبنا من الأجور والحسنات، ما من أحد في رمضان، إخواني في الله، إلا وقد شمر عن ساعد الجد، ذاك بصيام وقيام، وذاك بذكر الله وقراءة القرآن، ذاك ببر وإحسان، ذاك بطاعة للوالدين وصلة للأرحام، الكل تنافس بما أوتي من قوة وبما أعطي من قدرة على أنه يغتنم هذه الفرصة، وأن يجمع ما يستطيع على جمعه من الحسنات في موسم تتضاعف فيه الأجور والدرجات. لكن يا عبد الله، هل تظن أن هذه المكتسبات التي نسأل الله عز وجل أن يجعلها في ميزان حسناتنا، هل تظن أنها باقية تبقى على ما هي عليه؟ هنا يكمن الخلل، ينبغي أن نعلم إخواني أن ما مضى من حسناتنا تظن أنه قد ختم عليه بالقبول، بل لربما تأتي عليه العوارض التي بها يذهب ويزول، يذهب ويضمحل، ويكأنك ما صنعت شيئا. وهذا يُعلم بأدلة الشرع، ولهذا كان سلفنا الصالح كانوا مع جدهم واجتهادهم وحرصهم وتفانيهم في الطاعات والعبادات، إلا أنهم كانوا على خوف عظيم أن الله عز وجل لا يرفع لهم عملا صالحا، فكان يدعون الله دائما وأبدا بقبول الأعمال. قال يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى: ويحدث عن سلفنا الصالح أن منهم من كان يدعو الله بعد رمضان، بعد رمضان يدعو الله ستة أشهر في أن يتقبل منهم رمضان. انظر للتبعات، انظر للتبعات، رمضان ذهب ومضى وانقضى، لكن انظر لتبعاته تبقى، هؤلاء ممن تفطنوا لهذه مسألة خوف أن الأعمال والحسنات لا تبقى لهم، فكان يدعون الله. مثل نحن في شوال، كان القائل منهم: اللهم تقبل مننا الصيام، تقبل مننا القيام، تقبل مننا التراويح، اللهم استجب مننا الدعاء، وهو يشير إلى رمضان، تمر عليه الأشهر تلو الأشهر، ولا زال قلبه يخفق برمضان. ما العلاقة؟ الحسنات، الأجور، الثواب، فكانوا على ما كانوا عليهم من الجد والاجتهاد، ومع ذلك ما كانوا يركنون إلى ما كان من فعلهم وأعمالهم، بل كلهم رجاء من الله أن الله عز وجل يحفظ لهم الأجر. جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كونوا لقبول العمل أشد اهتماما من العمل»، كونوا، أي من الحرص والاهتمام والعناية، كونوا لقبول العمل أشد اهتماما من العمل. ألم تسمعوا إلى قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وهذا فقه عظيم، فقه عجيب، أراد علي رضي الله تعالى أننا ليس فقط الشأن في أنك تعمل، بل الشأن كل الشأن هل يتقبل منك هذا العمل؟ هنا البلية، تعمل وتجتهد وتكد وتتعب على عمل صالح، تنفق فيه الأموال وتصرف فيه الصحة والأحوال، ثم بعد ذلك يضمحل، هنا العبرة. قال: «كونوا لقبول العمل أشد اهتماما من العمل»، ليس العبرة أن تعمل، العبرة هل يتقبل الله منك هذا العمل؟ لماذا؟ استدل بهذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، أي أن مسألة قبول العمل عند الله يتطلب صفة عظيمة أن تكون عبدا خفيا نقيا تقيا لله، إذا وصلت إلى مرحلة التقى يتقبل الله ذلك منك. وهل وصل أحلنا إلى هذا الباب؟ الله أعلم، الله أعلم، فكان من كان من سلفنا الصالح دائما يعيشون على خوف، على خوف، لعلمهم بعظيم هذه المسألة، عدم الضمان بقبول الأعمال. ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في «لطائف المعارف» أن رجلا من الصالحين رؤي في يوم العيد، وعليه ما عليه من الحزن الشديد، فقيل له: يرحمك الله، اليوم يوم عيد، يوم فرح وسرور، فقال: صدقتم، والله ما في كلامكم غير صحيح، عيد فرح، لكن انظر ما هو مكنون حزنه، قال: ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملا، فلا أدري أقبله ذلك مني أم لا. هذا حالي، أنا عبد لله، أمرني الله عز وجل مولاي بأعمال، أي في رمضان، أمرني مولاي بعمل، فلا أدري أقبله ذلك مني أم لا، هل أعمالي قبلها الله أم لا؟ فلا زال عليه الهم والغم. أثر كذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول بعد انقضاء رمضان: يقول «من ذا الذي هو من عباد الله المقبولين فنُهنئه، ومن ذا الذي هو من المحرومين فنعزيه؟»، فإما أن تكون مقبولا فأبشر يا عبد الله بعظيم الأجر والثواب، وإما أن تكون من عباد الله المحرومين الذين ما استفادوا من رمضان لا في صغير ولا في كبير. فكان حال سلفنا، إخواني في الله، على هذا الحال، وهذا يبين لك العلاقة، هل أثرها أذكرها لك؟ بعد رمضان، بعد رمضان، فرمضان علاقته، تبعاته، ما تنقضي بانقضائه، بل تبقى التبعات. في دروس التي خلت تبقى، الأعمال التي كنا عليها في رمضان تبقى معنا طيلة العام، وأيضا أجر الأعمال ينبغي أن نحافظ عليه قدر الإمكان، نحافظ عليه أن لا يسلب من بين أيدينا. وأعني تحديدا بما يذكره العلماء بما يسمى بمحبطات الأعمال، محبطات الأعمال اعتقادات، أقوال، أفعال تصدر منك يا عبد الله، فتعود على أعمالك بالنقصان أو بالبطلان، بالنقصان أو بالبطلان. ومن هنا كان ينبغي علينا في هذا المقام الإشارة إلى ثلاثة أمور، أشير إليها إشارات سريعة، وهذا الذي ينبغي علينا في هذا الملف، ملف الحفاظ على أعمالنا التي اكتسبناها في رمضان، وهذا وهو أنه نبعده عن محبطات الأعمال، يجرنا إلى الاهتمام إلى ثلاثة مسائل. المسألة الأولى أن لا تغتر أبدا، لا تغتر يا عبد الله بما مضى من أعمالك وأفعالك، لا تغتر، بعض الناس ممن ودع المساجد، ودع القرآن، انتكس على حالته، يذكر يا عبد الله وينسى، تذكر وكنا في رمضان نتفطر سويا في صلاة المغرب في ضاحية المسجد، يقول: يا أخي خلاص، خلاص في رمضان يكفي، خلاص يكفينا يا رمضان، الحمد لله التقينا بكم وتنعمنا بالمسجد وشفنا المسجد وهشينا وبشينا، يكفي هذا إلى العام القادم. فيرى أن ما مضى من رمضان حسبه، هذا غرور، تغتر على الله عز وجل أنك فعلت وفعلت، يمنون عليك أن أسلموا، قل: «لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم»، الله عز وجل هو الذي يمن على العباد أن وفقك أن هداك واجتباك واصطفاك على صيام رمضان، على قيام ليلة، على الدعاء، على ما كان من صدقاتك ونفقاتك، لو لا الله لما كنت على هذا الحال، فلتمن على ربك. فكونك يا عبد الله عندما تعلم أن أعمالك قد تبقى وقد لا تبقى، هذا يجرك إلى أن لا تغتر، لأن الذي تتكئ عليه ما ستجده يوم القيامة، ما تجده بين يديك قد تبخر، لأن محبطات الأعمال قد تسلطت عليه. الأمر الأول عدم الاغترار، الأمر الثاني الخوف، هذا الموضوع، إخواني في الله، يتطلب من الخوف العظيم، الخوف الشديد، عندما تستشعر أنك تأتي يوم القيامة وترى أنك أتيت بصيام وقيام وتراويح وصدقات ونفقات، إذ بالله سبحانه وتعالى يجعلها هباء منثورا، تذهب بين يديك، لماذا يا رب؟ بما كسبت يديك، بما كان من محبطات الأعمال، من أقوال، من أفعال فعلتها. وقد صح عن رسول الله كما جاء في السنن من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، الذين الحديث عن من؟ عن قوم يؤتون ما آتوا، فسرها المفسرون على أن إنسانا من عباد الله يفعل كل ما يريده، يأتي بما أمر الله، يأتي بالصلاة، يأتي بالزكاة، يأتي بالحج، يأتي بشعائر الدين، يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة خائفة. عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: يا رسول الله، أهم الذين يزنون ويسرقون ويشربون الخمر؟ هل هؤلاء هم الذين تعنيهم الآية؟ يفعل أعمالا صالحة ويخاف، قال لها نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا يا بنت الصديق، لا، هم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يتقبل ذلك منهم»، هذا هو العبد الصالح، يفعل ويعمل ويخاف، يتقي الله ويخاف، يصوم ويخاف دائما على خوف وعلى وجل. هذا المقام يدعو إلى هذا المقام، مقام ذكر محبطات الأعمال يجرك إلى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وأن يكون هذا نصب عينيك دائما وأبدا، ويجعلك حريصا على أعمالك أن لا تتفلت بين يديك. المسألة الثالثة، واختم بها المجلس، أن هذا الموضوع عندما تعلم أن أعمالك أو أن أجر الأعمال قد يسلب، أن هذا يجرك إلى باب العلم، العلم، إذا علمت أن هناك من المخالفات، من المحرمات والمحظورات التي لربما تتصل على أعمالك فتذهبها عنك وترفعها عن صحيفة أعمالك، وأنها تضمحل بين يديك، وجب عليك أن تتعلم ما هي هذه الأعمال، ما هي التي ستكون شؤما علي وعلى أعمالي حتى تتحرز منها. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، أحيانا تبتلى ببلية فتحبط عليك العمل وأنت لا تشعر، الذي يمنعك من هذا الصنيع العلم، تعرف ما هي المواطن، ما هي الأعمال التي تتحذر منها حتى لا تعود على حسناتك، وخاصة التي تعبت عليها في رمضان. فالشاهد، إخواني في الله، هذه مقدمة لهذا الملف الثاني، وهي من الملفات التي توضح أن علاقة رمضان بأهل الإسلام لا تنقضي بانقضائه، كحال كثير منا، ودع رمضان، نودع رمضان، لا رمضان باق، باق، باق، ببقاء أعماله، تستمر معنا، وباق بالحفاظ على أجر الأعمال التي ينبغي أننا نحرص عليها أن لا تسلب من بين أيدينا. وسيأتي معنا بإذن الله في مجالس قادمة الإشارة إلى أهم محبطات الأعمال حتى نحذر منها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.