القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها 1

القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها 1

الدرس في القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة الرسالة وأهمية العقيدة

المقطع يقدم مقدمة لرسالة 'القوادح في العقيدة' ويبرز أهمية سلامة العقيدة. يُبين أن الرسالة تتناول القوادح التي تهدد العقيدة وتؤثر على الأعمال.

أهمية العقيدة في الدين والحياة

يشرح الشيخ أهمية العقيدة في الدين والحياة، مشيرًا إلى أنها الأساس الذي يقوم عليه الدين. يُبين أن العقيدة الصحيحة تؤثر على أقوال وأفعال المسلم وتساعده في مواجهة المصائب.

تأثير العقيدة على الأعمال والختام

يُبين أن الأعمال الصالحة لا تُقبل إلا بالإيمان. يتضمن الختام بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه والتسليم عليه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من هذا اليوم بإذن الله، وما سيأتي معنا من أيام، سنتناول وإياكم رسالة نقوم بقراءتها والتعليق عليها، وهي الرسالة الموسومة "القوادح في العقيدة" من تأليف الإمام سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، رحمه الله. وإنما أذكر هذه الرسالة في هذه الأوقات بالذات لما مضى معنا في دروس سابقة حول محبطات الأعمال، وأشرنا كيف أن المسلم ينبغي أن يعتني بحسناته أعظم مما يعتني بأمواله، بأن يحرزها عما يؤدي إلى نقصانها أو بطلانها. ولهذا، إخواني في الله، كان من المناسب كذلك في هذا المقام، في استمرارية هذه الدروس وهذه المسألة العظيمة، أن نشير إلى القوادح التي تقدح في عقيدتنا، وهي بالمآل ستحبط أعمالنا والعياذ بالله. فكانت الاختيار لهذه الرسالة الصغيرة القصيرة العظيمة في بابها، من تأليف هذا الإمام الجهبذ بن باز، رحمة الله تعالى عليه. فقال رحمه الله تعالى: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام الأكملان الأتمان على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم". وفي قول سماحة الشيخ رحمه الله تعالى: "والصلاة والسلام الأتمان الأكملان"، فيه بيان للصيغة الفاضلة التي تعطى لنبينا عليه الصلاة والسلام، هو الجمع بين الصلاة والسلام. قال عليه الصلاة والسلام: "صلوا وسلِّموا تسليمًا". قال رحمه الله تعالى: "وعلى آله وأصحابه"، كذلك مما يشرع الجمع بين الآل والأصحاب، الآل هم أهل بيته عليه الصلاة والسلام، والأصحاب هم أصحابه ممن كانوا معه، فهؤلاء من أعظم الطوائف التي ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يعطي لهما مقاما ورفعا، أهل بيته وأصحابه عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: "ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين". أما بعد، قد مضى معنا في رسائل قديمة أن "أما بعد" تستخدم في الانتقال من المقدمة إلى الموضوع. فهنا انتهى المقدمة، وحان الآن الدخول في صلب الموضوع. قال: "فلا ريب أن سلامة العقيدة أهم الأمور وأعظم الفرائض". بعد ذلك ذكر رحمه الله تعالى أن سلامة العقيدة هي أعظم شيء، وأن الفرائض من بعده، وهذه الذي دلت عليه الأدلة الشرعية. وهذا الذي ينبغي أن يعرفه المسلم من دينه أن تعرف الأولوية، الأولوية في دين لا تكون في العقيدة والأعمال والفرائض والطاعة تبع، كما جاء ذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام حين أرسل معاذا إلى اليمن: "إنك تأتي قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله". وفي رواية البخاري: "إلى أن يوحدوا الله". فإذا فعلوا ذلك، فإن أقروا بذلك، فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات. متى تأتي الصلاة؟ بعد العقيدة. يأتون بالتوحيد، يذعنون لله جل وعلا بصفات الاستحقاق في الألوهية والربوبية. فإن فعلوا ذلك، فأعلمهم بأن الله افترض عليهم خمس صلوات. فدل ذلك على أن أهم الأعمال العقيدة، وأن الفرائض تأتي بعد العقيدة. قال: "فلا ريب أن سلامة العقيدة أهم الأمور وأعظم الفرائض". ولهذا كان عنوان المحاضرة هذه الليلة "القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها". إذن، هذا بيان من سماحة الشيخ رحمه الله على أن هذه الرسالة هي في الحقيقة محاضرة ألقاها في يوم من الأيام، إلا أن هذه المحاضرة لقت رواجا واستحسانا، ولهذا أشار من أشار على سماحة الشيخ بأن تطبع في رسالة، وها هي طبعت وأصبحت موجودة في مجموع فتاويه ومجموع رسائله. فرحمة الله رحمة واسعة على هذا الإمام الشاهد. إخواني في الله، هذه مقدمة سريعة من سماحة الشيخ قبل الانتقال إلى صلب الكتاب. أحب أن أشير إلى هذه المسألة التي أشار إليها الشيخ في قوله: "فلا ريب أن سلامة العقيدة أهم الأمور". لماذا أهم الأمور؟ لماذا الشيخ، بل ولماذا أهل السنة قاطبة يرون أن العقيدة أهم شيء في دين الله جل وعلا؟ المعطيات كثيرة وكثيرة جدا، ولست في مقام السرد أو في مقام التفصيل، لكن أشير إشارات. لماذا نعتني بالعقيدة؟ لماذا الكلام على العقيدة والتوحيد والرسائل بين الفين والأخرى، والمطويات والكتب والمنشورات، وما يبث في الإذاعات من علمائنا العقيدة والتوحيد؟ لماذا هذه الديدنة التي لربما أصبح بعض الناس يقول: "إيش هذا؟ عقيدة عقيدة توحيد". لا أتأمل وتأنى يا عبد الله في فهم أهل السنة، أهل السنة والجماعة إنما اهتموا بالعقيدة والتوحيد قبل كل شيء، أعظم من أي شيء، لعدة أمور. أولا، أن العقيدة هي الأس والأساس في قيام دين الناس، لا قيام لأي دين من غير عقيدة، لا قوام. ندلل على ذلك بما كان من دعوته عليه الصلاة والسلام. هل تدري أن نبيك عليه الصلاة والسلام جلس في مكة ثلاثة عشر سنة يدعو الناس إلى التوحيد؟ سنة تلو سنة وعام تلو عام. وقد جند نفسه عليه الصلاة والسلام إلى الدلال على توحيد الله: "يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا". وما جاءت الشرائع والأحكام إلا بعد ذلك. لماذا؟ لأن الدين له أس وأساسه العقيدة والتوحيد. فإذا صح الأساس قام البنيان، لكن إذا لم يكن هناك أساس، حكمه كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. إذا لم يكن لك أساس صحيح، فكل ما تعمله من بنيان وعمارة وناطحات سحاب من أعمال ستذهب أدراج الرياح. الأمر الثاني مما يدلل به على أهمية العقيدة أن العقيدة هي التي يكون بها التمييز بين خلق الله أجمعين، التمييز بين المسلمين والكافرين، التمييز بين الصديق والعدو. بالعقيدة يكون التمييز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. عقيدتنا هي معقد الولاء والبراء، ولاؤنا وبراءنا إنما يعود على عقيدتنا. فمن أتى بها أتى بها قربناه وأحببناه، ومن لم يأتي بها عاديناه وحاربناه. هذا الذي ينبغي. هنا نأتي، يأتي الخلط والغلط على كثير من الناس أنه إذا أراد أن يقوم أحد من خلق الله، إنما قومه على عواطف أو على مشاعر أو على موقف. لا، لا ما عندنا هذا في ديننا. العقيدة ينظر إلى عقيدة المرء، منه ننطلق في محبتنا وفي صداقتنا وفي عداوتنا. لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله. على عقيدته نعامل. كذلك ثالثا، مما يؤكد به على أهمية العقيدة من سائر الأعمال، أن العقيدة يا عبد الله هو أعظم عمل به تثقل الموازين والحسنات. كثير من الناس من يهرع في هذه الدنيا ويريد أن يتقبل يقبل على الله بالأعمال الصالحة والأقوال السديدة والأخلاق الفاضلة، لكنه يتجاهل أمر العقيدة. يا عبد الله، عقيدتك هي التي ترفع من منسوب العمل الصالح. والله لربما عمل أنت تستحقره، لكن عند الله عز وجل له محل قبول. لماذا؟ هذا العمل الصغير وجد هذا المحل من ربه لعقيدتك. تأمل في قول ذاك الرجل، حديث عبد الله بن عمر بن العاص: "من يأتي ببطاقة"، يأتي يوم القيامة وقد أوبق دينه ودنيا بتلك المهلكات، أتى بملفات تسعة وتسعين سجل، كلها سجلات مليئة بالجرائم والموبقات، ويعلم أنه هالك لا محالة. لكن الله عز وجل يخبره أن له بطاقة، فهو يستحقر هذه البطاقة. ما عسى أن تكون هذه البطاقة؟ أن توضع في كفة الميزان أمام هذه السجلات السوداء. فيقول الله: "إنك لا تظلم عندي". فتوضع هذه البطاقة فتطيش السجلات. ماذا فيها؟ فيها: "لا إله إلا الله". هذه مسألة، مسألة أخرى: امرأة، امرأة بغي من بغايا بني إسرائيل، ليس الزانية فقط، بل هي تمتهن الزنا والعياذ بالله. مرة من المرات وجدت كلبا يلهث، فرقت لحاله، فأخرجت موقها وسقت الكلب بخفها، فشكر الله لها وأدخلها الجنة. هذه القصص والوقائع والأحاديث: "لا إله إلا الله"، كلمة أو أنك تسقي كلبا. هل معناه أنك يا أيها من ظلم نفسه يقول: "هيش هذا الكلام سهل، أنا سأبقى في اليوم والليلة سأردد ألف مرة لا إله إلا الله، لا إله إلا الله حتى تطيش السجلات يوم القيامة"؟ أو يأتي أحد ويأتي بدلو من ماء ويبقى في سكك الطريق أي كلب ويقول: "تعال يا كلب، تعال اشرب"، ويسقي الكلاب حتى يرى أن يكون مثل تلك المرأة البغي التي غفر لها؟ هل الأمر هكذا؟ الجواب: لا. ما هكذا يفهم الناس هذه الأحاديث. قال العلماء: أن الذي تلفظ بلا إله إلا الله فانتفع بها، وتلك المرأة البغي التي انتفعت بسقيها، إنما غفر الله لهم لما كان حينها في قلوبهم من الاعتقاد. ولهذا علق شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على هذه الأحاديث قال: "والمغفرة إنما تحصل بما يكون في القلب من الإيمان". هنا النكتة التي تخفى على كثير من الناس، ليس الأمر لفظ أو أنك فعل تسقي كلب، لكن انظر لما كان في قلوبهم حينها، كان في قلوبهم من العقيدة واليقين والإيمان الجازم بالله جل وعلا، ما جعل هذا القول أو تلك الفعلة تتضاعف تتضاعف تتضاعف عند الله عز وجل. العقيدة تؤثر يا عبد الله في أعمالك وأقوالك وفي كل سلوك تسلكه. ومن هنا نهتم بالعقيدة قبل الأقوال، وهكذا قبل الأعمال. كذلك مما أختم به هذا المقام دلالة على أهمية العقيدة يا عبد الله، أن العقيدة من أعظم ما نواجه به المشاكل والأزمات والعقبات والإرهاصات التي تواجهنا في هذه الحياة الدنيا. نبتلى في الدنيا بالنكد والتعب والفقر والنصب وشدة في المؤونة وقلة في المعيشة، مصائب تترى. ما الذي يدفع هذه المصائب عنك وتجعلها تعود إليك يا عبد الله بسلامة الصدر؟ العقيدة. وهذا الذي يفرق بيننا وبين القوم الكافرين. نحن نعيش في أزمات، هذه الأزمات التي لو أخذت هي هي أخذت ورميت على بلاد الكافرين، لا تجد عندهم الانتحار، تجد عندهم الاكتئاب، تجد عندهم انفصام الشخصية، يبتلون بالهستيريا بحالات النفس العصبية بأمراض، هذه التي نحن نعيشها. لكن لما جئت إلى بلادنا، فنحن نعيش، يصبح الإنسان ويمسي ولا يضره شيء. لماذا؟ لأننا قد تربينا على عقيدة. ومصداق ذلك في قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. قال المفسرون: أنها في حق المؤمن إذا ابتلي بمصيبة. هيا نحن المصائب تترى علينا شدائد، لكن لما كان من إيماننا ويقيننا بربنا عز وجل، أصبحت هذه المصائب الشديدة بردا وسلاما على عقيدتنا. ولكن انظر، نعم يوجد شذوذ من الناس، من يشذ من لربما يتسخط يتذمر. انظر إلى عقيدته ضعف، انه ضعف في عقيدته. فالإنسان كلما قويت عقيدته وإيمانه بربه هانت عليه المصائب مهما عظمت وثقولت. فالشاهد إخواني في الله، العقيدة أولا. ومن هنا كانت هذه الرسالة في بيان أن المرء المسلم عليه أن يهتم بعقيدته، ومن أعظم صور الاهتمام أنك تبعدها عن القوادح التي تعود عليها بالبطلان والتي تعود عليها بالنقصان. فإن شاء الله في مثل هذه المقامات في الأيام المعتادة من صلاة الظهر نقوم بالدراسة والقراءة والتعليق على ما يمكن التعليق عليه، وإلا كلام سماحة الشيخ واضح بيّن ليس فيه تعقيد، وإنما كلامه مبين، رحمة الله تعالى عليه. لكن نعلق على بعض الأشياء التي تحتاج إلى تنبيه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.