الدرس في ظاهرة الحر مسائل وأحكام وعبر 5، الحر ومسائل الاستظلال . الحر وأحكام الوضوء والاغتسال . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أهمية الظل في الإسلام ويحذر من إيذاء الناس في أماكن استظلالهم. يبين أن الشرع هدد من يتلف مواطن الظل بالعذاب الشديد.
لا يجوز تعمد التعبد لله تحت الشمس، ويجب أداء الواجبات مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة. يُؤجر المسلم على ما يلاقيه من مشقة في أداء العبادات.
يتحدث عن أهمية الطهارة، ويشدد على ضرورة إتمام الوضوء بشكل صحيح، ويوضح أحكام الغسل والوضوء، ويفرق بين الغسل للتبرد والغسل للحدث الأكبر.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلابد في مثل هذه الأوقات نتذكر وإياكم أهم المسائل والأحكام المتعلقة بموجة ارتفاع حرارة الجو. ومما يذكر من المسائل التي ينبغي أن يراعيها أهل الإسلام ما يتعلق بأمر العناية والاهتمام بمسائل الاستظلال، إذ أن الظل في مثل هذه الأيام يعتبر من أجل النعم ومن أفضل المنن. بل قال ربنا عز وجل في محكم التنزيل: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور﴾، ما يستويان. فرق أن الإنسان يمشي تحت الشمس الحارقة المحرقة، وبين آخر يمشي تحت ظل يجد من بردها ومن هدوئها، ويجد كذلك من سلامة جسده ما لا يجده ذلكم الذي يتعرض للشمس. ففرق بين الظل وبين الحرور كما أخبر ربنا عز وجل. ولعظيم شأن الظل في الإسلام، فإن الشرع أمر بالعناية به. ومن أوجه العناية بالظل أن الشرع هدد كل من سولت له نفسه بإتلاف مواطن الظل بالعذاب الشديد. قال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا اللاعنين»، قالوا: ومن اللاعنان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم». قوله عليه الصلاة والسلام: «اتقوا اللاعنين»، أي اتقوا الأشياء التي تستوجب عليكم لعنة الناس. هناك أشياء من فعلها أصبحت ألسن الناس تتوجه إليه بالسب والشتم واللعن. فقال: «ومن اللاعنان؟» أي ما هما التي تعود علينا بالسب واللعن؟ قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم»، يتخلى أي يقضي الحاجة، يقضي الحاجة إما في طريق الناس في ممراتهم، أو في ظلهم أي في أماكن استغلالهم. وفي قوله «أو في ظلهم» إشارة إلى أن الضمير إلى الظل إلى الناس، إلى ظل الناس. فما تعارف عليه الناس أنه ظل ظليل لهم، فلا يجوز لأحد أن ينتهك حرمته. مثاله: اعتاد الناس مثلا على وجود شجرة دوحة في أماكن معينة، الناس يستروحون تحتها، فلا تأتي عند هذه الشجرة التي اعتاد الناس على الاستضلال بظلها تتغوط، هذه كبيرة من كبائر الذنوب. أو كذلكم هناك ظل اعتاد الناس مثل في الظلال الحافلات، وفي ساحات الانتظار، تقام مثل هذه المشاريع الطيبة، يبقى كراسي وظل لكي يبقى ويجلس فيها من يجلس، فمن أتى وتغوط في هذا المكان، فقد أتى بكبيرة من كبائر الذنوب. لماذا؟ لأنه حرم الناس من هذه النعمة، وهو التحلي في ظلهم. فهذا كله من باب بيان عظمة الشرع لمسألة الظل، وهذا أمر بدهي نشعر به، أي بهذه النعمة، وخاصة في مثل هذه الأوقات والأزمان. فينبغي أن تراعى. تأتي مسألة أخرى: هل يمكن للإنسان مثلا أن يتعبد الله جل وعلا بترك الاستظلال؟ يرى أنه يريد أنه يعذب نفسه ويستشعر مثلا كما مضى معنا بحر جهنم بنار جهنم، وأراد أن يربي نفسه فيعرضها للشمس عمدا قصدا، هل له ذلك؟ الجواب: لا، ما يجوز هذا. فليس عندي من التعبد لله أنك تعرض نفسك للهلكة وللتلف. وفي الحديث الصحيح والقاعدة الربانية: «لا ضرر ولا ضرار»، لا تضر نفسك بأي صورة كانت. وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما من مسجده، فوجد رجلا واقفا في الشمس، فسأل عنه، فقيل: إنه أبو إسرائيل، وإنه نذر أن يقف ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم. تأمل إلى هذه النذور التي قطعها على نفسه، منها أن لا يستظل، يبقى في الشمس تعبدا لله. حينها قال عليه الصلاة والسلام: «مروه أن يجلس وأن يستظل وأن يتكلم وأن يتم صومه»، الصوم يستمر عليه؛ لأنه مما جاءت به الشريعة. أما أنك لا تتكلم وأنك لا تجلس وأنك لا تستظل، هذا ليس من دين النبي عليه الصلاة والسلام. فالشاهد من ذلك، أخواني في الله، أنه لا يتعبد ولا يتعبد أحد بترك الاستظلال تقربا لله. لكن بالمقابل إذا كان التعرض للشمس إنما يأتي لأداء عبادة لا بد منها، فحينها ليس لك عذر في هذا. وهذا فرق: من كان تأدية لعبادة ما لا تنفك عن التعرض للشمس، إذن هنا لا بد أن يتعرض للشمس، ولا يترخص بترك العبادة. مثاله: صلاة الظهر، متى يخرج لها الناس في الظهيرة، في أوج حرارة الشمس والشمس على كبد السماء مع زوالها قليلا. هذه الشمس الآن لأن إنسان النظر ما هناك في ما هناك ظل بينه وبين بيته. فهل يتعذر الإنسان يقول: أنا والله ما أستطيع، لماذا؟ بقيت الشمس، الشمس أنا ما أستطيع أخرج وأبقى في الظل؟ الجواب: لا يجوز، لا يجوز أنك تترك صلاة الظهر مثلا بحجة أنك تتذرع بحر الشمس وبضربة الشمس، هذا في الأمر الاعتيادي هذا لا يجوز. بل وجب أنك تخرج وأن تتخذ الاحتياطات اللازمة، مثلا أنك تذهب مثلا بعمامة، تلبس قميص أو قصد كافية، تلبس أي شيء يحمي الرأس، فهذا لا بأس به. أما أنك تتذرع بترك الصلاة للحر فلا. وقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: «لأني لأعلم رجلا ما هناك أبعد منه من المسجد، منه أي رجل بعيد من المسجد»، فقيل له: «لو اشتريت حمارا تركبه في الظلماء والرمضاء»، هنا الشاهد: هذا الرجل بيته بعيد ويأتيه مشيا ويرجع مشيا، فنصح لو استطعت أنك تشتري حمارا. لماذا؟ لتتفادى الظلمات أي صلاة الليلية، والرمضاء وشدة الحر في الصلاة النهارية. قال: «لو اشتريت حمارا تركبه في الظلماء والرمضاء»، فقال: «إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي». فقال عليه الصلاة والسلام: «قد جمع الله ذلك لك»، أي بلغ الخبر لرسول الله أن هذا الرجل صابر على حالته، يذهب من البيت إلى المسجد ويرجع ماشيا، لربما وجد في ذلك ظلمة وما فيها من خبايا، ولربما لاقى الشمس وما فيها من حرة، ويسأل راه عز وجل على أن هذا يحتس فيه الأجر سواء في الذهاب وفي الإياب. فأخبر نبينا صلى الله عليه وسلم بهذه البشارة التي هي له ولكل واحد منا أن الله جمع ذلك لك كله، بمعنى أن ما تجده يا عبد الله من خروجك من البيت إلى أن تذهب وتصل إلى المسجد، كل ذلك أجر. ليس فقط في الخطى، في الخطى وما تلقاه من عنت ومن تعب، هذا شيء. وأيضا انظر الفضيلة والزيادة أيضا رجوعك من المسجد إلى البيت تؤجر عليه، الذهاب تؤجر والرجوع تؤجر. وهذا فضل عظيم إلى الله عز وجل. وهذا أيضا لمن كان من عمار بيوت الله جل وعلا، أن الذهاب والممشى والمرجع يعد لك أجرا يا عبد الله. فالشاهد، إخواني، إذا نعلم من هذه القواعد أنه لا يجوز تعمد التعبد لله تحت الشمس، لكن بالمقابل لا تتذرع بترك التعرض للشمس في سبيل أن تسقط واجب عليه، بل أد الواجبات، وخاص إذا كان الشمس لابد من التعرض له، وتحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى. وهذا كذلك بالمثل يذكرني بمسألة وهي قريبة من ذلك: المرأة وما تلبسه من الجلباب والحجاب، كما أشرنا، تؤجر على ما تلاقيه من العنت والتعب؛ لأن العبادة لا تقوم إلا بذلكم. وبهذا نعلم، إخواني في الله، أهمية هذا الباب. وقد كان هذا من هديه عليه الصلاة والسلام، أنه كان يستضل. كان نبينا يستضل صلوات ربي وسلامه عليه، كما جاء من حديث أم الحصين أنها رأت نبينا صلى الله عليه وسلم وقد كان بلالا وغيره يضللونه في حجة الوداع، يضللونه عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع. المسألة الثانية مما أحب أن أذكرها أيضا من مسائل الحر في هذا المقام، ما يتعلق بالمسائل التعبدية، ومن هذه المسائل الذي أكتفي بها الآن مسألة الطهارة. فالطهارة من الأمور الواجبة التي ينبغي أن يتقرب بها العبد إلى ربه إذا صلى وإذا أراد أن يأتي بعبادة. لكن هنا في وقت الحر، في وقت الحر، صحيح أحيانا يكون الماء شديد الحرارة حتى أن الإنسان لربما يفكر أكثر من مرة كيف أن يمس الماء مسا، فضلا أن يتوضأ به. فهنا، إخواني في الله، ينبغي للإنسان أنه يتق الله في شعيرة الوضوء، ولا يتذرع بحرارة الماء في أن يخل بأعضاء الوضوء. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ويل للأعقاب من النار»، وهذا في حق أناس رآهم النبي صلى الله عليه وسلم تركوا موضعا في القدم لم يمسها الماء. فقال: «ويل للأعقاب من النار»، ويل تهديد بالنار، تهديد بجهنم، للأعقاب من النار، أي هذا العقب ما مسه الماء، صاحبهم متوعد بعذاب الله. وهكذا أنت يا عبد الله في وقت الحر، فبعض الناس يقول: يرش هكذا رش، ويقول: سأل الله يتقبل، لا. مبهذا الصورة ليس بهذه الصورة. عندك ولله الحمد عندك عدة طرق، إما أن تجعل الماء الحار يخرج كدفع أولى إلى أن يأتي الماء المعتدل، أو أنك تصب الماء في مكان حتى يهدأ ويبرد وتذهب حرارته ثم تتوضأ. المهم لك يا عبد الله تتخذ أي طريقة وأي حيلة في إبراد الماء. وأذكر فيما أذكر في بعض المناطق التي وسع الله عليهم بالخير، فوسعوا على عباد الله. أذكر أن بعض المساجد التي هي في المناطق الحارة جدا، حارة جدا، لربما حتى أن بعض الأشياء البلاستيكية تذوب في الشمس من شدة الحرارة. فكانت الخزانات المياه في المساجد شديدة الحرارة، فكانت من الأفكار عند بعض المصلين أنه يأتي بقوالب ثلج ثم يطرح داخل الخزان، يؤجر على هذا. كل ذلك تسهيل لعباد الله عز وجل. فالشاهد: الإنسان يتخذ الفكرة المناسبة التي تجعله يؤدي العبادة. ولأن من أفضل الطهارة ما يكون فيه الإحسان، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء»، فلابد من إحسان الوضوء. وأختم بفائدة هنا متعلقة بالطهارة أيضا، وهو في مثل هذه الأيام قد يحتاج الإنسان إلى كثرة الاقتصال. قد أشرنا في درس أمس مسألة التنظف والتطهر والتطيب. فالإنسان يحتاج إلى اقتصال، لكن تبقى مسألة وهي: من كان اقتصاله بقصد التبرد، فإن ذلك لا يجزئه عن الوضوء، فلابد أن يتوضأ قبل أو بعد إذا أراد أن يصلي. وأما من كان اقتصاله لجنابه أو لحدث، فإن هذا مجزئ عن الوضوء. مثاله: أردت الآن دخلت الخلاء قبل الظهر فاغتسلت. السؤال: لماذا اغتسلت؟ إن قلت: أنا اغتسلت اقتصال تبرد، تنظف، تنزه، تجمل من باب التحسين، هنا اعلم أن هذا الغسل غير مجزئ عن الوضوء، تحتاج أن تتوضأ إذا أردت أن تصلي الآن للظهر، فتتوضأ قبل ثم تغتسل أو تغتسل ثم تتوضأ بعد بالوضوء ستصلي. أما الإنسان إذا دخل قبيل الظهر يغتسل، يأتيه السؤال: لماذا تغتسل؟ إن قال: اغتسال جنابه، اغتسال احتلام، الحدث الأكبر، فنقال فيقال: غسلك يجزئك عن الوضوء، ما في داعي أنك تتوضأ قبل أو تتوضأ بعد. كذا هذا مجزي، وعلى هذا أقوال جماهير العلماء. وأحب أن أنبه على هذه المسألة؛ لأن من الناس من لا يراعيها، فيجعل كل غسل مجزئ عن الوضوء، لا. ليس كل غسل، إذا كان غسل جنابه نعم مجزئ عن الوضوء، أما إذا كان غسل تبرد، فهو بحاجة إلى أنك تتوضأ للصلاة. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.