الخطبة بعنوان وتعاونوا على البر والتقوى، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٤ صفر ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أهمية التعاون على البر والتقوى في الإسلام ويشرح معانيهما. يشدد على ضرورة أن يكون الفرد عاملاً بالخير قبل أن يعين الآخرين عليه.
يؤكد على أهمية التعاون والإعانة في المجتمع مستشهدًا بالآيات والأحاديث، ويبين أنه إظهار للأخوة الإسلامية الحقيقية. يشجع على مساعدة الآخرين ويذكر أمثلة من حياة النبي وأصحابه.
يشرح وجوه التعاون المختلفة مثل العلم والمال والشجاعة، ويحذر من التعاون على الإثم والعدوان. يبين أن من يعين على معصية يشارك في الإثم.
يشير إلى ختام الخطبة بالدعاء للمسلمين بالتوفيق والسداد، ويتضمن الصلاة على النبي وعلى آله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، اعلموا رعاكم الله أن من عظيم ما أمر الله به عباده المؤمنين، بما يكون لهم فيه صلاح الدنيا والدين، ما أنزله ربنا جل في علاه في محكم التنزيل، قوله سبحانه ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، آية عظيمة، آية جامعة مانعة، حازت على خيري الدنيا والآخرة. يقول إمام بن القيم رحمه الله تعالى: "وقد اجتمعت هذه الآية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، فيما بينهم بعضهم ببعض، وفيما بينهم وبين ربهم" انتهى كلامه رحمه الله. فآية هذه مغزاها وهذه مراميها حق لكل مسلم أن يتعرَّف على فوائدها ومعانيها، بل إن القرآن كله حقه أن يتأمَّل في معانيه وأن يتأمَّل لما فيه. فقوله سبحانه "وتعاونوا على البر والتقوى" أمر سبحانه بالتعاون على أمرين اثنين: البر والتقوى، وقد فرَّق بعض العلماء بينهما أنه كالفرق بين الغاية وبين الوسيلة، فالبر هو كمال العبد وفلاحه، والتقوى هي الطريق الموصل إلى كمال العبد. فإذا كان هذا التفسير، فتكون الآية فيها التعاون على تحقيق الغاية وعلى تحقيق الوسيلة، وذلك بالتعاون فيهما. وذهب جماعة من العلماء إلى أن الفرق بين البر والتقوى بأن البر هو اسم جامع لكل ما يحبُّه الله ويرضاه، وأما التقوى فمعناها ها هنا هو اسم جامع لكل ما يكرهه الله ويأباه. فعلى هذا التفسير، فتكون الآية فيها أن الله يأمر عباده بالتعاون فيما بيننا على فعل الطاعات والخيرات، وأن نتعاون فيما بيننا على ترك واجتناب المعاصي والمنكرات. عباد الله، وإن هذه الآية قد احتوَت على فوائد عظيمة ومسائل عديدة، فمن أولاها فيها بيان لفضل الجماعة والاجتماع، إذ أنه لا يمكن تطبيق هذه الآية لرجل معتزل عن مجتمعه أو بعيد عن بني جنسه أو منزو على نفسه. فأنت له أن تتعاون مع غيره، ولهذا حثت الشريعة على فضيلة الخلطة بين الناس، كما قال عليه الصلاة والسلام: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم". فهذه الآية لا يكون تطبيقها إلا وأنت في مجتمع بين الناس، وهذه الآية أيضًا من فوائدها على أن العبادات المتعدية التي يتعدى نفعها للآخرين أفضل وأجل عند الله جل وعلا من العبادات اللازمة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: "أحب العباد إلى الله أنفعهم"، أحب الخلق عند الله جل في علاه من كانت لهم منافع وصلت إلى من بعدهم من الخلق. والتعاون يا عبد الله من أعظم السلوكيات ومن أعظم الطاعات التي يصل منفعتها لمن هم حولك. وأيضًا في هذه الآية فائدة على ضرورة العمل الصالح، إذ أنه لا يتأتى لأحد منا أن يكون معينًا على الخير، معينًا على الطاعة والبر والتقوى، وهو من أبعد الناس عن ذلك. فبأي عقل وبأي دين تستسيغ يا عبد الله لنفسك أن تعين في الخير وأنت من أبعد الناس عن الخير؟ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون؟ وقد سئل الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى عن هذه الآية "وتعاونوا على البر والتقوى" قال رحمه الله تعالى: "هو أن تعمل به وتدعو إليه وتعين فيه"، فلا تأتي منك المعونة في أبواب الخير إلا إذا كنت عاملًا بهذا الخير أولًا. فمن فقه هذه الآية هو أن تعمل يا عبد الله بالصالحات، أن تكون من أهل البر والتقوى، ثم بعد ذلك تنطلق فتعين الخلق على تحقيق هذه المقامات العظيمة. وأيضًا عباد الله، من فوائد هذه الآية دلالة وإشارة إلى أن التعاون هو إظهار لمعنى من معاني الأخوة الإسلامية التي ينبغي أن تظهر في مجتمعات المسلمين. ليست الأخوة الإسلامية يا عبد الله تنحصر بكلمات تلاك بالفم أو اللسان، أو عبارة عن تقوص تؤدى في بعض الأحيان، بل إن حقيقة الأخوة الإسلامية يا عبد الله هو أن تجد نفسك في مجتمع تعين فيه وتعان. فإذا ذلك من صفات أهل الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام: "المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه"، قال الشراح: "أن يعينه بما فيه حفاظ على دمه وماله". عباد الله، إخواني في الله، لقد حرص نبينا عليه الصلاة والسلام على مبدأ التعاون والإعانة والمعونة منذ حياته، بل كان هذا من شأنه قبل بعثته صلوات ربي وسلام عليه. فهذه خديجة رضي الله تعالى عنها تصف لنا حال رسول الله قائلة له: "كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق". قال العلماء: "بمعنى أنك تعين من نزلت به نازلة"، كان هذا من خصاله، كانت هذه من صفاته عليه الصلاة والسلام أنه كان معوانًا لمن نزلت به كربة. فما ظنُّكم عباد الله بعد رسالته عليه الصلاة والسلام؟ وهكذا إخواني في الله، بلغ من اعتناء نبينا عليه الصلاة والسلام بأمر التعاون أنه ندب الأمة وحث أصحابه على هذا الباب. حتى أن الفضائل قد نزلت فيه، أي في هذا الباب باب التعاون والإعانة، إذ أنها من الصدقات العظيمة التي يتقرب بها العبد إلى ربه. قال عليه الصلاة والسلام مبينًا الصدقات: "وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها وترفع له متاعه صدقة"، كونك يا عبد الله تعين رجلًا ما في ارتقاء على مركوبه أو تعينه على حمل متاعه يعد هذا من الصدقات الجليلة. فما ظنُّك يا عبد الله ما لو أعنت أهل الإسلام بما هو أعظم من ذلك؟ فإن الأجر عظيم والثواب كثير، بل إن الجزاء من جنس العمل. وإن العبد متى ما كان في معونة إخوانه وفي إعانة إخوانه فإن الله يكون معه وفي معونته، قال عليه الصلاة والسلام: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". وماذا يريد الواحد منا أكثر من هذا الفضل أن يكون الله معك يرعاك ويتولاك ويعتني بك؟ ما ذاك يا عبد الله إلا إذا كنت معوانًا لإخوانك مادًا لهم يد الخير والمعروف. فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، وإنه عليه الصلاة والسلام لربما انتدب أصحابه وانتدب أمته إلى طرق باب الإعانة للغير متى ما وقعت نكبة أو ألمت بالأمة مصيبة. فهذا سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه كاتب سيده على ثلاث مئة نخلة، يؤديها له جزاء عطبه وأن يكون حرًا لوجه الله، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بدوره طرق باب الإعانة. فقال أصحابه: "أعينوا أخاكم"، قال سلمان: "فأعانوني بالنخل، الرجل بالثلاثين، والرجل بالعشرين، والرجل بالعشرة"، قال: "كل على قدر حاله"، قال: "حتى اجتمع عند النخل". هكذا أراد نبينا من المجتمعات أن يتواسى أصحابها بمبدأ الإعانة والعون والمعونة، بإعانة من وقع منا في كربة أو ألمت به أزمة. وهكذا مثله ما جاء في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام في أحد الأعوام أمر أصحابه أنه من أضحى بأضحية أن يأكل منها لمدة ثلاث أيام فقط، وما زاد عن ثلاث يعطيه لبعض القرى التي أصابها المجاعة وأصابها القحط. فقال عليه الصلاة والسلام مبينًا تلكم العلة: "ذلك عام أصاب الناس فيه جهد، فأردت أن تعينوا"، تربية من رسول الله عليه الصلاة والسلام على ضرورة الإعانة والمعونة في مجتمعات المسلمين. بل إنه عليه الصلاة والسلام حفَّ باب الإعانة حتى على من هم دوننا، من هم تحت أيدينا من الخدم والعمال، فهؤلاء كذلك يُعانون. قال عليه الصلاة والسلام: "إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليكسه مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلب عليه، فإن كلفه فليعنه". يا سبحان الله، إذا كان هذا الخطاب للمسؤول والمدير والأمير، فأن يعينوا من تحت أيديهم من الرعية ومن الخدم والعمال، وأن يعينوهم بقدر الاستطاعة. فإن أهلك وقرابتك يا عبد الله من أولى الناس بالإعانة، أن تعينهم في شؤونهم، تعين زوجك وأولادك وأرحامك وقرابتك يا عبد الله، تعينهم بما تستطيع. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، واشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلزن عباد الله مع هذه الآية العظيمة "وتعاونوا على البر والتقوى" والتي فيها أمر من الله وإن شاء الله بضرورة أن يتخلَّق المسلم بهذا المبدأ، بأن يكون معوانًا لإخوانه ممدودة يده إلى فعل الخيرات وبذل ما يستطيع في منفعة إخوانه. واعلموا رعاكم الله أن هذا المقام ليس حكرًا لأحد، لا لجهة معينة ولا إلى طائفة مخصوصة، كمن يظن أن مبدأ التعاون إنما يكمل عند أرباب الأموال لا، يا عبد الله. وإنما الإعانة يا عبد الله قصدها مفادها أنك تعين بما تقدر عليه، بأي باب من أبواب الخير، قال إمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: "وتعاونوا على البر والتقوى يكون بوجوه، العالم يعين بعلمه، والغني يعين بماله، والشجاع يعين بشجاعته في سبيل الله". الكل يا عبد الله ينظر في نفسه ويجعل من أمره وهديه أن يكون معينًا لإخوانه بما يستطيع، فإن كان بمال فذاك، وإن كان بعلم فذاك، وإن كان بوجاهة ومساعدة ووساطة فذاك. قال عليه الصلاة والسلام: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل"، افعل يا عبد الله وحاول على قدر المستطاع أن تعين إخوانك. وإنني في هذا المقام لأشير عباد الله إلى أن من أعظم الأبواب التي ينبغي أن نتعاون فيها جميعًا الإعانة على نصرة هذا الدين، وذلك ببذل الغالي والرخيص في سبيل إعلاء دين الله جل وعلا. وهذا بحر لا ساحل له، أعني عبد الله في إقامة بيوت الله وتعمير المساجد حسًا ومعنى، أعني عبد الله في تبليغ دين الله نصحًا وتوجيهًا وتعليمًا وإرشادًا. إنهم يلمؤسف أن نرى ملل الكفر وأن نرى أهل البدع والأهواء بشتى طرقهم واختلاف نحلهم أنهم يتعاونون فيما بينهم على الباطل، وأما أهل الإسلام فتقصر أيدينا على نصرة دين الله جل في علاه. ثم قال عليه الصلاة والسلام "ولا تتعاونوا على الإثم والعدوان"، في هذه الآية ينهى ربنا عز وجل عن هذا النوع من أنواع التعاون، إذن ليس العبر يا عبد الله أنت مُديد العون، لكن العبر يا عبد الله فيما هيئة العون، ما الذي ستعين فيه؟ فإن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًا فشر، وقد دلت الأدل الكثيرة على أنه من أعان على معصية، من أعان على مخالفة، من أعان على جريمة، فإنه يكون من أهلها. من أعان عليها من سهل حصولها، من ينسر وقوعها، فإنهم في الإثم سواء، قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث المسعود رضي الله تعالى عنه: "لعن رسول الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه"، هؤلاء بعض ما أكل الربا، لكنهم عونًا في إقامة عقد الربا، فكلهم تشملهم لعنة الله جل في علاه. قال إمام النووي رحمه الله تعالى: "وفي هذا دليل على تحريم إعانة أهل الباطل"، ومثل أيضًا ما جاء عند الترمذي من حديث أنس قال عليه الصلاة والسلام: "لعن في الخمر عشرة، عاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وشاربها وآكل ثمنها". أدخل عشرة في حرم وتجريم شربهم للخمر مع أن بعضهم ما شربها، لكنهم أعانوا عليها، نعم يا عبد الله كل من أعان على معصية فله نصيب من إثمه. بل هكذا يا عبد الله ليس في المعاصي بل حتى في المظالم والاعتداء، قال عليه الصلاة والسلام: "من أعان على باطل، وفي رواية: من أعان على مظلمة أو يعين في ظلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع". فاحذر يا عبد الله أن تكون ظالمًا أو أنك تعين أهل الظلم على أهل الإسلام، فاسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.