خطبة عيد الأضحى المبارك لعام 1433هـ

الخطبة بعنوان خطبة عيد الأضحى المبارك لعام 1433هـ، وكانت بمصلى العيد بالمنصورة الجديدة بالشحر ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الأخوة الإيمانية

يُبرز الخطيب أهمية الأخوة الإيمانية في الإسلام مستشهدًا بخطبة النبي صلى الله عليه وسلم في يوم النحر. يُعد هذا المبدأ من أعظم الروابط في الشريعة الإسلامية.

أهمية احترام الحقوق في المجتمع الإسلامي

يؤكد على أهمية إعطاء الحقوق لأهلها في بناء مجتمع إسلامي متين، ويشدد على ضرورة احترام حقوق المسلمين في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. يشمل ذلك التعامل مع الوالدين والأهل وفق الشريعة الإسلامية.

تطبيق العدل وإعطاء كل ذي حق حقه

يؤكد الخطاب على ضرورة إعطاء كل ذي حق حقه في المجتمع الإسلامي، مشيرًا إلى أهمية التعامل بالعدل مع الجميع. يشدد على ضرورة تطبيق وصية النبي باحترام حقوق الآخرين وتجنب الظلم.

ختام وتأكيد على الصلاة والسلام

المقطع يشير إلى الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى. يُظهر الختام أهمية الصلاة على النبي والتسليم على آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إننا نحمد الله جل وعلا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمده سبحانه وتعالى على ما منح وأعطى وأسدى من نعم وفضائل علينا تترى، نحمده سبحانه وتعالى أن مد في أعمارنا وأطال في آجالنا لكي نحضر مثل هذه المواسم العظيمة والمناسبات الجليلة. فبالأمس هلت علينا الأيام الأولى من العشر ذي الحجة، وما فيها من خير وبركة وفضيلة، ثم أتبعت باليوم التاسع، ألا وهو يوم عرفة، يوم شريف خصه الله جل وعلا بالتقديس والتشريف. ثم ها نحن عباد الله في هذا اليوم، ألا وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، يوم النحر، يوم الحج الأكبر، الذي قال عنه نبينا صلوات ربي وسلام عليه: «ما من أيام أعظم عند الله من يوم النحر». وهذا اليوم، عباد الله -رعاكم الله- إنها مواسم عظيمة ومناسبات جليلة، فهنيئًا هنيئًا لمن عرف قدرها واستغل فضلها والتمس بركتها، فإن ذلك دليل على إيمانه وعلى فلاحه ونجاحه. عباد الله، اعلموا حفظكم الله أن نبينا صلوات ربي وسلام عليه كان يخطب في مثل هذا اليوم الكبير، وأمام محفل عظيم من أصحابه، كان يقوم بين أظهرهم صلوات ربي وسلام عليه خطيبًا لهم ومعلمًا وموجهًا ومربيًا، فكان يقرر في خطبة العيد أهم مسائل الدين. فكان من خطبته صلوات ربي وسلام عليه ما جاء في الصحيحين أنه قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثم قال عليه الصلاة والسلام: أي شهر هذا؟ فقال الصحابة: الله ورسوله أعلم. قال الراوي: فسكت عليه الصلاة والسلام، قال: فضننا أن يسميه بغير اسمه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: أليس ذا الحجة؟ فقلنا: بلى يا رسول الله. ثم قال: أي بلدة هذه؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت عليه الصلاة والسلام، قلنا: فضننا أن يسميه بغير اسمه، فقال: أليست البلدة؟ قلنا: بلى يا رسول الله. ثم قال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت عليه الصلاة والسلام، قالوا: فضننا أن يسميه بغير اسمه، فقال عليه الصلاة والسلام: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». عباد الله، ففي هذه الكلمة العظيمة التي نبه نبينا صلى الله عليه وسلم أصحابه وأمته من بعده على أصل عظيم من أصول الدين، ألا وهو المحافظة على الأخوة الإيمانية، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام». عباد الله، إن الأخوة في الدين والأخوة الإسلامية تعتبر من أعظم الروابط قدسية وقداسة في شريعتنا. ومعنى هذه الرابطة مفادها وفحواها أن تعتقد يا عبد الله، وأن تعرف وأن تعترف بأن كل من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا فإنه أخ لك. فالمسلمون كافة هم إخوة، ليسوا إخوة في الحسب ولا في النسب، وإنما إخوة في هذا الدين، جمعنا ربنا جل وعلا على هذا الصراط المستقيم وعلى هذا المنهج القويم، ديننا واحد، وشريعتنا واحدة، وكتابنا واحد، وقبلتنا واحدة، كما قال جل في علاه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. فالمؤمنون والمسلمون مهما تناءت بهم الديار وتباعدت عنهم الأسفار، فإنهم إخوة في دين الله جل وعلا، لا فرق بين شرقيها ولا غربيها، ولا بين شمالها وجنوبها، ولا بين عربها وعجمها. واعلموا رعاكم الله أن تحقيق هذه الرابطة ما يتأتى إلا بأن تؤدي الحقوق إلى أهلها. ومن أعظم الحقوق التي ينبغي يا عبد الله أن تراعيها مع إخوانك المسلمين ما جاء ذكره في هذا الحديث: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام». فعليك يا عبد الله أن تنكف وأن تنزجر عن دماء المسلمين وعن أعراض المسلمين وعن أموال المسلمين. وللأسف كم نجد من كثير من الناس من لم يبال بهذه الحقوق الشرعية، فتراه تهاون بها فما رفع لها رأسًا وما ألقى لها بالًا. فتجد بعض الناس من لربما يتطاول على دماء المسلمين قتلًا وتنكيلًا وضربًا واعتداءً على أجسادهم وأبدانهم. ومن الناس من قد يتطاول على أموال المسلمين بأخذها بغير وجه حق، سرقة واختلاسًا وغصبًا ونهبًا. وهكذا من الناس من لربما يتطاول على أعراض المسلمين ذمًّا وقدحًا، سبًّا وشتْمًا، غيبة ونميمة، استخفافًا واستحقارًا، ويكأن أعراض المسلمين مباحة يلوغ فيها متى ما شاء وكيف شاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله. اعلموا عباد الله أن من أعظم أهداف هذا الدين بناء مجتمع إسلامي تسوده المحبة والود والاحترام والإخاء. قال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». وقال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا». نعم عباد الله، هكذا يكون حال المسلمين في توادهم وفي تراحمهم. واعلموا حفظكم الله أن تحقيق هذه الرابطة كما ذكر لا تتم إلا بإعطاء كل ذي حق حقه، وإعطاء الحقوق لأهلها. يا عبد الله، لا يتأتى ذلك باجتهاد شخصي منك أو عن طريق أهوائك، وإنما إعطاء الحقوق لأهلها على حسب ما جاء في شريعة رب العالمين. فمثلًا يا عبد الله، معاملة المسلم مع الوالدين لا بد أن تكون محفوفة بالاحترام والإجلال والتعظيم والتوقير. قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. هذا هو الأدب وهكذا التعامل مع الوالدين بكمال الأخلاق وبأحسن الآداب، ولو كان الوالدين ولو كان شيخين كبيرين، ولو كان ضعيفين عاجزين، ولو كان عاطلين، فينبغي أن يؤدى حق كل ذي حق، ولو كان مشركين. قال سبحانه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. مع كفرهم مع شركهم، إلا أنك تؤدي حقهم، وإلا فاعتبر نفسك يا عبد الله عاقًا لوالديك، والعقوق من كبائر الذنوب. وحسبك يا عبد الله زجرًا عن العقوق أن تعلم أن العاق لربما بعقوقه تحبط أعماله وتذهب حسناته. قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا: العاق والمنان والمكذب بالقدر». وهكذا يا عبد الله في تعاملك مع أهلك وزوجك، فإن ذلك يكون تحت منظور شرعي، كما أمر الله جل وعلا أن تتعامل مع الأهل. وإن كثيرًا من الأزواج لربما يتعاملون مع أهاليهم على خلاف ما أمر الله سبحانه وتعالى، إما على حسب هواه أو رغباته أو يتكبر على قوته وعلى بطشه وعلى قيامه على المرأة فيهضم حقها. اعلم رعاك الله أن الله جل وعلا أمر بالبساطة والتبسط، وأمر باللطف والليونة، وأمر بالإحسان والمعروف مع الأزواج. فقال جل في علاه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. بل نبينا عليه الصلاة والسلام بين كيفية علاقة الزوج مع زوجته، قال صلوات ربي وسلام عليه: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فاعلم يا عبد الله أن خيريتك إنما تكمن في تعاملك مع زوجك. ولو افترضنا قصورًا قد وقع من الزوجة، فلا يدعوك ذلك أن تستغل في هضم حقها واستغلال ضعفها. فقد قال عليه الصلاة والسلام: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن خلقن من ضلع أعوج». فمع وجاجتهن، فقد أمر نبينا صلوات ربي وسلام عليه بأن نعطيها حقها، بأن نتواصى بهن خيرًا. وهكذا يا عبد الله في حق التعامل مع الأقارب ومع الأرحام، فإن ذلك يكون تحت منظور شرعي. فإن الشرع قد حث على صلة الأرحام، وذلك بأن تصلهم بما تستطيع من خير ديني أو خير معنوي أو خير مادي، من إعانة أو مساعدة أو التواصل معهم. قال صلوات ربي وسلام عليه: «من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه». من أحب أن يبسط له في رزقه، أن يكثر ماله، وأن يبارك الله في أرزاقه، أو أن ينسأ في أجله بأن يطال في عمره، قال عليه الصلاة والسلام: «فليصل رحمه». وإياك إياك يا عبد الله أن تمنع من صلة الأرحام، فتهاجر وتقاطع أرحامك وأقاربك، بحجة أنهم قطعوك، بحجة أنهم ما جاءوك، بحجة أنهم قد نسوك. يقول عليه الصلاة والسلام: «ليس الواصل بالمكافئ، وإنما الواصل الذي يصل رحمه إذا قطعوه». فهكذا يا عبد الله، دواليك تعطي كل ذي حق حقه، وهكذا ولو حتى مع المخالف بينك وبين أناس مخالفة وخلاف، فعليك يا عبد الله أن تعاملهم بما أمر الله جل وعلا بالعدل والإنصاف. قال جل في علاه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. وهكذا يا عبد الله، التعامل مع ولاة الأمور، وإن وقع منهم قصور، وإن وقع منهم ظلم وجور، فعليك أن تطيعهم فيما ليس فيه معصية، وتقيم حقهم. قال عليه الصلاة والسلام: «ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره الذي يأتي، ولا ينزعن يدا من طاعة». وهكذا يا عبد الله، عليك أن تعطي الحقوق لأهلها ولعامة المسلمين، أنك تعاشرهم وتعاملهم بالمعروف. يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. قال العلماء: أي أن بعضهم يحب بعضًا، وبعضهم ينصر بعضًا. إنما الحب والولاية والنصرة إنما من أجل الإيمان، لا من أجل الدنيا. وللأسف إخواني في الله، كم نرى من كثير من المسلمين لربما يوالي ويناصر ويحب أناسًا من هذه الأمة لا على دينها، وإنما على دنياها. فأصبحت الدنيا هي المعيار في الحب وفي الكره وفي البغض. فكم من الناس قاطعوا وهاجروا وتخاصموا لا من أجل دين الله جل وعلا، وإنما من أجل الدنيا. فيا عبد الله، يا عباد الله، على كل من أراد أن يحقق المجتمع الإسلامي الذي يريده ربنا جل وعلا، فإن من أعظم العوامل في ذلك أن تعطي كل ذي حق حقه. وهكذا النساء، هن على هذا المنوال. فإن المرأة، فإن كانت لها والدان، فتعطيهما حقهما، وإن كانت لها أقارب أرحام، فكذلك. وإن كانت لها زوج، فعليها أن تعطي لزوجها الحق الأعظم. وكيف لا؟ فقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها». وهكذا عباد الله، على المرأة أن تحسن مع أخواتها ومع جيرانها. قال عليه الصلاة والسلام: «يا نساء المؤمنات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو كفرس شاة». أمر ربنا جل وعلا النساء أن يحسن بعضهن إلى بعض، وأن يعدن حق الجيران الذي أمر الله جل وعلا. إذا كانت امرأة، يا عبد الله، ويأمة الله، إذا امرأة دخلت النار في هرة لم تعط حقها، فمنعتها من الأكل حتى ماتت، عذبها ربنا في النار. فكيف بظلم آدمي بعدم إعطاء حقه؟ عباد الله، علينا أن نجعل من هذا اليوم المبارك، من هذا اليوم العظيم، تطبيقًا لوصية نبينا عليه الصلاة والسلام بأن نكف وأن ننزجر عن دماء المسلمين وعن أموال المسلمين وعن أعراض المسلمين. ومن ابتلي بشيء من ذلك، فعليه أن يتحلل منها اليوم قبل أن يأتي يوم لا دينار ولا درهم. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا صالح الأعمال، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.