الخطبة بعنوان الأعمال الفاسدة سبب في الحياة الكاسدة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٥ صفر ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الذنوب والمعاصي تؤدي إلى عقوبات في الدنيا والآخرة وتؤثر على الفرد والمجتمع. تسبب تغيرات وتضررًا في العالم من حولهم وتؤدي إلى زوال النعم والأرزاق.
تغير الذنوب والمعاصي من طبيعة الإنسان ونفسيته وتسبب له الهم والغم. تؤثر على معاملته مع الآخرين وتجعلهم يجفون عنه وتؤدي إلى انقطاع الأرزاق.
التوبة وتصحيح الأعمال هو السبيل للخلاص من عقوبات الذنوب والمعاصي. دعا الخطيب الله أن يوفق من يريد الخير للمسلمين ويصرف عنهم من يريد بهم السوء.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إنه لا يخفى على أحدٍ من أهل الإسلام ما أوعد الله جل وعلا به أهل الذنوب والآثام من عقوباتٍ عظامٍ جسام، فصاحب الذنب أيًا كان ذنبه فهو معرضٌ لعقوبة ربه، إما في برزخه وقبره بأن يسلط الله عليه عذابًا على قدر ذنبه، أو تكون عقوبته يوم القيامة في نار جهنم. ﴿لضى وما أدراك ما لضى لا تذر ولا تبقي أحدا﴾، وهذا كله إذا لم تداركه رحمة أرحم الراحمين أو يشمله شفاعة الشافعين. لكن ليس معنى ذلك أن صاحب المخالفة من كبيرةٍ أو معصيةٍ أو موبقة إنما يكبُنُ عذابُه في الآخرة، بل إنه لربما من شؤم المعصية والمخالفة أن صاحبها يتضرر بها وهو في هذه الحياة الدنيا. قد يسلط الله سبحانه وتعالى أنواعًا من العقوبات على أهل المخالفات من أهل الكبائر والموبقات وأهل الجرائم والحرمات والمحرمات، أن يسلط الله عليهم ما يكون فيه عقوبةً لهم وتعذيبًا عليهم في هذه الدار، شعرُوا بذلك أو لم يشعُرُوا. فها هي أحوالُ الخلق، ها هي أحوالُ الناس قد تغيرت من حالٍ إلى حالٍ أسوأ، وما ذاك إلا بسبب أعمالهم وبسبب ذنوبهم. بل إنه لربما كان من أثر المخالفة ومن أثر المعصية أنها لا تقتصر على أصحابها وإنما تعدت إلى غيرها من العوالم من الحيوانات والكائنات ومن الطيور والحشرات. قال سبحانه جل في علاه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "ما أبقى عليها حيوان"، أي أن الكائنات هي عرضةٌ للهلاك بسبب فساد العباد. وغصَّ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أيضاً أنه قال: "كاد الجعل أن يموت في جُحره بسبب ذنب ابن آدم". ومن هنا كان حقاً على الكائنات والحيوانات أن تفرح بموت العصاة بموت الفجرة، لأن وجود العاصي بمعصيته هو شؤمٌ على الكائنات، فكان من أمرها الفرح بأن يقبض الله أرواح الفجرة. ففي الصحيحين من حديث أبي قتادة قال: قال عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّ الْعَبْدَ الْفَاجِرِ لَيَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْبِلَادُ وَالْعِبَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُ». بل حتى المشاعر المقدسة لربما تأثرت، لربما تضررت بسبب أعمال العباد من معاصيهم وذنوبهم. هذا الحجر الأسود الذي قال فيه نبينا عليه الصلاة والسلام: "نزل الحجر الأسود وهو أشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم". يا سبحان الله، إذا كان الحجر الأسود هو من هو، أنزله الله من الجنة، إذا تأثر وتضرر بسبب أعمال العباد، فما ظنُّك يا عبد الله بأثر المعصية على صاحبها وعلى فاعلها؟ ما الذي ستفعل به عباد الله؟ إن من أعظم العقوبات والتغيرات التي تقع على العاصي بسبب معصيته ما يكون في قلبه من قسوته من شدته من فضاضته ورعونته، حيث قد صار أسودًا، قد صار مسودًا بسبب ذنوبه ومعصيته. قال عليه الصلاة والسلام: "إذا أذنب العبد نُكتَ في قلبه نكتةٌ سوداء، فإن عاد عاد للمعاصي، فإن عاد زادت أي زادت هذه البقع وزادت هذه النكتة السوداء". قال: «كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون»، هذا هو الران يا عبد الله، يغشى القلب بسبب ذنوبك ومعاصيك. فأي حياة ستنعم بها يا عبد الله وأنت تحمل بين جنبيك قلبًا قد أصبح كالقلب الميت، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، ولا يتأثر بمواعظ الله مهما تليت عليه آناء الليل أو أطراف النهار؟ وهكذا يا عبد الله، من التغيرات التي يجدها العبد من جراء معاصيه وذنوبه ما يكون من تغير طبيعته ونفسيته، ما يجده من هم وغم ومن ضيق وكرب. فمع انغماسه بما يسميه بالملذات التي من شأنها على حد زعمه تجعله من أسعد الناس، إلا أنه في واقع حاله يعيش في وحشة ما يعلم بها إلا الله. لربما كانت هذه الوحشة على إثرها أصيب بحالاتٍ نفسية وحالاتٍ عصبية، وابتلي بحالات الكآبة والقلق. وهذا مصداقه في قول ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، قال إمام المفسرين ابن كثير رحمه الله تعالى: "فلا اطمئنان له ولا شراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، مهما تنعم ظاهره، فلبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء". فذل المعصية يعلو أهل الذنوب والمعاصي، يجدونه في الضيق والحرج الذي ينتابهم. بل إن المخالفة والمعصية يا عبد الله ليس فقط محلها في ذات العاصي في قلبه أو في نفسه، بل ربما وصل في تعامله مع غيره. فلربما وجد من الناس جفاءً ورأى منهم صدًا وإعراضًا، وما هذا يا عبد الله إلا بما أدته يداك من ذنوب ومعاصي. روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام في حديث طويل وفيه: «وإن الله إذا أبغض عبدًا دعا جبريل، قال له: يا جبريل إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادى في أهل السماء: إن الله جل وعلا أبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضونه، فتوضع له البغضاء في الأرض». يرى العاصي أن معاملة الناس معه قد تغيرت، ولو كان من أقرب الناس إليه. قال بعض السلف: "إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق خادمي ودابتي". في تغير سلوكهم وفي تغير معاملاتهم، أعرف أن ذلك إنما كان عقوبةً لي بأجل معصيتي وذنبي. ومن السنة، قال عليه الصلاة والسلام: «ما تواد اثنان فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما». قال الإمام المزني رحمه الله تعالى: "إذا وجدت من إخوانك جفاءً فتب إلى الله، فإنك قد أحدثت ذنبًا". وعلى هذا فقس، إذا رأيت يا عبد الله نفرة من أهلك ومن أولادك ومن جيرانك وأرحامك، اعلم إنما كان جفاؤهم عنك لمعصية صدرت منك. أقول قولي هذا وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه. أما بعد، فمما مضى عباد الله نستعرض وإياكم شيئًا من أضرار الذنوب والمعاصي التي يبتلى بها العبد في هذه الدار الدنيا. وكان من ذلك ما يصيب قلبه من هموم وغموم وضيق وكروب، وأيضًا ما يصيب نفسيته من وحشة ومن غربة. وهكذا ما يراه من جفاء الناس عنه، وأيضًا مما يجده العاصي إزاء معصيته وذنبه وخطيئته ما يكون من انقطاع الأرزاق وانعدامها وتقليلها وزوالها. إنما يتأثر الرزق الذي يأتيك بتأثرك في تعاملك مع ربك جل في علاه. وقد جاء في الأثر: "إن الرجل ليحرم الرزق بذنب يصيبه". ولنا عبرة ولنا عظة بأمم سابقة سلب الله عز وجل عنها النعم والأرزاق عندما أعرضت عندما خالفت أمر ربها. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾. أزاح الله عنهم النعم والأرزاق بما كان من إعراضهم بما كان من ذنوبهم وتطاولهم على ربهم جل في علاه. وقد أحسن من قال: "إذا كنت في نعمة فرعها، فإن الذنوب تزيل النعم". الذنوب ممحقة للبركة، مزيلة للأرزاق والنعم. وهكذا يا عبد الله، مما يجده الناس فردًا كان أو جماعات من جراء ذنوبهم ومخالفاتهم ما يكون من شدة الأحوال والأوضاع، من صعوبة في الحياة، من اختفاء للبركات والسلع، ما يكون من ارتفاع الأسعار. كل ذلك يا عبد الله قد يحدث قد يحدث بذنوبنا بمعاصينا ومخالفاتنا. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، فسر الفساد في هذه الآية بفساد أحوال الخلق، بفساد معيشتهم. يحدث هذا الفساد بسبب الذنوب بسبب المعاصي. قال إمام بن كثير رحمه الله تعالى: "ظهر الفساد في البر والبحر، قال: أيبان النقص في الثمار والزروع". وهذا ما نجده في بلادنا وغير بلادنا لمن نظر يمنة ويسرى في ذهاب النخيل وذهاب الحرف وذهاب الزروع. وقال إمام السعدي رحمه الله تعالى: "ظهر الفساد في البر والبحر، قال: أيبان فساد معيشتهم وتقليلها وحلول الآفات فيها وغير ذلك، إنما يكون بما قدمه العباد من أيديهم من ذنوب ومعاصي". قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وارتفاع الأسعار قد يكون بسبب ظلم العباد". عباد الله، إن الأحوال تتغير كثيرًا وكثيرًا، وما ذاك إلا بسبب ذنوبنا ومعاصينا. واسمعوا رعاكم الله إلى هذا الحديث العظيم الذي فيه إيضاح إلى أهم معالم التغيرات التي تعتري الأفراد والمجتمعات إلى حال سيء وإلى حال أسوأ، ما كان ذاك إلا لمخالفات صدرت منهم. روى الإمام الحاكم في مستدركه بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر المهاجرين، خصال خمس أعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشى فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، وما نقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منع القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، وما نقض قوم عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتحروا ما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم». تأملوا عباد الله في هذا الحديث كم من عقوباتٍ معجلة عجلها ربنا عز وجل على أهلها وأصحابها في هذه الدار قبل الآخرة، من أمراضٍ ووباء، ومن منع القطر من السماء، ومن تسلط الخصوم والأعداء، ومن انتشار الجوع والقحط والجفاف، ومن تمزق الأمة إلى فرقٍ ومللٍ وأحزاب. كل ذلك كل ذلك بسبب أعمالنا بسبب ذنوبنا بسبب خطايانا. عباد الله، إنه لا خلاص ولا مخرج ولا خروج من هذه الأزمات ومن هذه العقوبات التي سلطها الله علينا لأحوالنا الفاسدة ولأعمالنا الكاسدة، إلا بما يكون من تصحيح أوضاعنا ومن تحسين أعمالنا ومن إقبالنا على ربنا، بالمسارعة إلى الطاعات والعبادات والحرص على النوافل والسنن والواجبات، والابتعاد والاجتناب عن الذنوب والموبقات وعن الحرمات والمحرمات. متى ما تغيرت أحوالنا إلى أحسن، فإن الله سيجعل أحوالنا إلى أحسن حال. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم من أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم أشغله في نفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا رب العالمين. وقوموا إلى صلاتكم، ورعاكم الله. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الله أكبر.