الخطبة بعنوان عبادة الشكر، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 21 ذو القعدة 1439هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أهمية مقام الشكر لله تعالى على نعمه العديدة وأركانه الثلاثة. يشير إلى أن الشكر يكون بالاعتراف بنعم الله والتحدث بها واستعمالها في طاعة الله.
يشرح أركان الشكر لله تعالى وهي الاعتراف بالنعم والتحدث بها والشكر عليها بالعبادة والطاعة. يبين أهمية الاعتراف بالنعم باطنًا وظاهرًا والاعتقاد بأن النعم من عند الله وحده.
يشرح أهمية الشكر لله وللناس ويحذر من كفر النعمة وجزاء الجاحدين. يبين أن الشكر لله يكون بالاعتراف بنعمه والتحدث بها وتصريفها في مرضاة الله، ويشير إلى أهمية شكر الوالدين والعلماء.
يحث على إقامة الصلاة ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويحمل في طياته دعاءً ورعاية إلهية للمصلين.
ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، لكم هي المقامات العظيمة والأخلاق الحميدة التي حث ربنا عليها العباد، لما فيها من فلاحهم في الدنيا والآخرة. وإن من هذه المقامات العظيمة مقامٌ أمر الله جل وعلا به ونهى عن ضده، وأثنى على أهله، ووصف به خواص خلقه، ووعدهم بأحسن جزائه وأجره، ألا وهو مقام الشكر. نعم، عباد الله، إن مقام الشكر أصبح من المقامات التي قل وجودها في حياة الناس، حتى كادت أن تكون نسياً منسياً. عباد الله، إن الواحد منا لو أعطي عطاء أو أسدي إليه معروفا لكان يجب عليه أن يبذل الشكر والثناء العطر في حق من أعطاه. فما ظنك يا عبد الله بربك، برب الأرض والسماء، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى؟ فنعمه عليك تترى. الله الذي أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون. كم هي النعم، كم هي المنن التي حبان الله جل وعلا بها وآتاكم من كل ما سألتموه؟ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. نعم الله كثيرة وآلاؤه وفيرة، لكن أين الشكر؟ أين نحن من مقام الحمد والشكر لله جل وعلا؟ إن ربك لذو فضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. أكثر الناس لا يشكرون ربهم، لا يشكرون خالقهم. عباد الله، بلغ من عظم مقام الشكر أن الله جل وعلا أمر به، ولا يأمر ربنا إلا بأمر عظيم. قال سبحانه: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَاعْبُدُوهُ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. آيات كثيرة يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى بوجوب بذل الشكر له والتوجه له بالحمد سبحانه وتعالى. عباد الله، لقد كان ألسنة الصالحين من عباد الله وأوليائه العارفين من أنبياء ومرسلين، كانت دائما ما كانت ألسنتهم تلهج بشكر الله جل في علاه. هذا نوح، قال ربنا سبحانه وتعالى في حقه: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. وقال سبحانه في حق داود: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. وهذا لقمان، قال ربنا في حقه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. هذا إبراهيم عليه السلام، قال ربنا في حقه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾. وهذا يوسف عليه السلام، حيث قال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. وهذا سليمان عليه السلام، قال: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾. هكذا كانت ألسنة الصالحين من أنبياء ومرسلين دائما وأبدا تلهج بشكر الله جل في علاه. فحري بنا عباد الله أن نأتسي بهم، وأن نقتدي بهديهم. أولئك الذين هداهم الله، فبهداهم اقتده. عباد الله، وقد بيّن العلماء رحمهم الله أن مقام الشكر شكر الله على نعمه إنما يكون بتوفر ثلاثة أركان، ثلاث صفات، متى ما توفرت فيك يا عبد الله كنت من الشاكرين الحامدين، ومتى ما تخلفت عنك كنت من الجاحدين الناكرين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. وأولى هذه الأركان الذي به يقوم مقام الشكر، أن تعتقد وأن تعترف بنعمة الله باطنا، وذلك بأن تعلم أن ما من نعمة تتقلب بها إلا وهي من عند الله جل وعلا، هو وحده الذي أرادها لك وشاءها لك من بين الخلق أجمعين، هو الذي حباها لك ويسرها لك من بين الخلق كلهم. قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. ربنا جل وعلا هو الذي أسبغ علينا بالنعم، هو وحده لا مالك إلا هو، يفعل ما يشاء جل وعلا. الكون كونه والخلق عبيده، ينعم على من يشاء جل وعلا. وإن العبد متى ما اعترف بأن هذه النعم من عند الله كان ذلك مؤديا إلى معرفة مقدار نفسه ومدى ضعفه وعزه، وأنه محتاج لربه في كل أحواله وكسبه. وكان ذلك مؤديا إلى سرعة الخضوع لربه ومولاه. لكن يحرم من هذا كله من ظن ومن اعتقد أن النعم ليست من عند الله. كمن يعتقد بأن ما به من مال وما به من تجارة وعقار إنما ناله بجده واجتهاده وبعرق جبينه وبشطارته وبحنقته وبفكره وبعقله. أو ظن الظن أن هذه الأموال والنعم إنما ورثها كابر عن كابر، ليس ذلك من فضل الله في شيء. وأناس من جهالة الخلق ظنوا أن النعم والأرزاق إنما تستجلب من الأموات من الميتين من أولياء الله الصالحين، عندما ترتمي عند قبورهم وعلى أضرحتهم، فتهتف بأسمائهم وتستنجد بهم، إذ بهم يغيثونك بمال وولد وبهبة ورزق. وطائفة من الناس من جهلة خلق الله من يظن أن الأرزاق إنما تؤتى من عند السحرة والكهانين والمشعوذين، عن طريق أوراقهم وتلامسهم وتمائمهم، عن طريقهم تأتي السماء بأرزاقها، تأتي البحار بخيراتها. فيا سبحان الله، يا سبحان الله، أين الله جل في علا؟ ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. نعم الله هو الذي بيده جل في علا يعطيها من يشاء، ليست بيد أحد من خلق الله. فهذا الركن الأول من أركان الشكر، أن تعترف بها باطنا بأن تعتقد بأن نعم الله من عنده جل من في علاه وحده. ثانيا، الركن الثاني من أركان الشكر، التحدث بها ظاهرا. لا يقوم مقام الشكر إلا أن تظهر ذلك في جسمك وعلى فلتات لسانك، أن تكون دائما وأبدا شاكرا لله، ذاكرا لله، مظهرا لخلق الله بأن الله جل وعلا هو الذي أنعم وهو الذي أعطى وحبى. إن من العجب أن نجد أناسا من المسلمين لربما أمد الله لهم بأموال وأرزاق وعقار وصحة ونعمى، ثم بعد ذلك إن سئلوا عن أحوالهم، سرعان ما تسخط، سرعان ما تذمر، وأظهر الفاقة وأظهر الحاجة، ويكأن الله ما أغناه، ويكأن الله قد ابتله بالفقر والحاجة، مع أنه في نعمة يدري بها هو بنفسه، وهو أعلم بحاله بأن الله فضله على كثير من خلقه. قال ربنا جل وعلا مبينا هذا الأصل الأصيل من مقام الشكر: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. حدث يا عبد الله بنعمة الله عليك. كان نبينا عليه الصلاة والسلام في دعائه يقول: «اللهم اجعلني لك شكارا، لك ذكارا». ومن دعائه: «اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك». نبينا هو الذي يلهج بشكر الله، وكلنا يعلم حاله من ضعفه ومن شدة طاقته وفخره، ومع ذلك يلهج بشكر الله جل وعلا، ما تصخط وما تذمر. فعلينا عباد الله أن نسرع إلى شكر الله، وأن يظهر ذلك على فلتات ألسنتنا، متى ما سئلنا عن أحوالنا ما نجيب إلا بحمد الله وشكره، سواء أكون في غنى أو في فقر، أو في صحة أو في مرض. لو لم يكن يا عبد الله من نعمة الله عليك سوى جعلك من المسلمين، لكفاها نعمة، لكفاها من قم أن تذهب الأعمار كلها في شكر الله أن جعلك من أمة الإسلام. فما ظنك يا عبد الله بنع، ونعمة الحياة ونعمة الوجود ونعمة الحواس، وغيرها من النعم؟ أشكر؟ أكفر؟ ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. عبوديتك هو شكر لله جل وعلا. ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. أهل العبادة هم أهل شكر لله جل وعلا. نبينا عليه الصلاة والسلام، من الله عليه بالنعم من نعم الأخروية، فكيف كان شكره لربه؟ كان يقوم الليل، يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، تتشقق قدماه من طول القيام لربه. فتقول له عائشة رضي الله تعالى عنها: «ما هذا يا رسول الله؟! أنت قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر». فيقول لها عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبدا شكورا؟ أفلا أكون عبدا شكورا؟». بيان على أن استغلال النعم بالعبادة هو شكر لله وحده. وإنه لمن الأسف، ومما يتقطع له القلب كمدا، أن ناسا من الناس يمد الله لهم بالنعم، يبدو الله لهم بالمنى، يعطيهم من آلائه ويسبغ لهم من خيراته، وبعد ذلك لا طاعة، لا عبادة، لا صلاة، لا زكاة، ولا احترام لشعائر الله. إن ذلك لهو الحرمان. والله المستعان. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، لازلنا في هذا المقام الرفيع، مقام الشكر، مقام أمر الله جل وعلا به ونهى عن ضده، ووعد أهله بحسن جزائه وأجره. وعلمنا عباد الله أن مقام الشكر يقوم على أركان ثلاث: الاعتراف بها باطنة، والتحدث بها ظاهرا، وتصريفها في حق موليها ومعطيها. فمن أدى هذه المقامات الثلاث كان من الشاكرين، كان من الحامدين، ومن تخلف عنه ركن من هذه الأركان كان من الجاحدين الناكرين لنعمة الله عليه. واعلموا عباد الله أن العبد متى ما صبر نفسه على هذا الخلق الكريم، فكان شاكرا لله ليلا ونهارا، صبحا ومساءا، ذاكرا لله شاكرا لأنعمه، فإن الله وعده بالمزيد من خيره، وأن يجعل له من قرة أعين في الدنيا والآخرة. والعكس بالعكس، من كان جاحدا لله، جاحدا لنعمه، ما أقر بها باطنا، وما حدث بها ظاهرا، وما صرفها في حق موليها ومعطيها، فإن الله جل وعلا توعده بعظيم جزائه وأليم عقابه. قال جل في علام: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. قال المفسرون: الكفر هنا هو كفر النعمة، الكفر هنا هو كفر النعمة، من جحد نعمة الله، ومن كفر بأنعام الله، ولم يؤدي شكرها، فهو من الجاحدين لها. توعده ربنا بالعذاب الأليم. وأعظم عذاب يمنه الله ويصيبه للجاحدين، أن الله سبحانه وتعالى يسلب عنهم هذه النعمة، كأن لم تكن مرت عليهم ذي قبل. كم حكى ربنا في كتابه، ونبينا في سنته عن أقوام وعن مجتمعات وعن أفراد حباهم الله بنعم لم تكن إلا لهم، لكنهم جحدوها، فما أدوا شكرها، فسلبت منهم هذه النعمة، كأن لم تغن بالأمس. ما ذكره ربنا عز وجل عن قوم سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾. كفرهم لنعم الله أدى إلى سلب هذه النعم. قصة صاحب الجنتين، والتي ذكرها ربنا في سورة الكهف، كيف اغتر بماله، اغتر بمزرعته، وظن أنها بذكائه تحصل عليها. فلما جحد نعمة الله عليه، جعلها ربنا قاعا صفصفا، فأخذ يقلب كفيه على ما أنفق فيها، وهي خاوية على عروشها. سلب الله منه الخيرات بعدما كان. للجاحدين من الجاحدين لنعم الله: الله، الله، يعبد الله بشكر الله دائما وأبدا. اعلم عظيما، إن عام الله عليك فلا تلاق الله إلا بشكرها، وبإكثار من حمده سبحانه وتعالى. عباد الله، وإن مما ينوه عليه أيضا في مقام الشكر، ومما أرشد إليه شرعنا، هو توجيه الشكر لكل من أزكى إليك معروفا. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». فمن عباد الله من لربما شكر الخلق وما شكر الخالق، ومن الناس من لربما شكر الخالق وما شكر الخلق. والشرع أمرنا بشكر الخالق الذي هو المعطي للنعم، وشكر الخلق الذين هم سبب في جريان النعمة على أيديهم. فشكر الناس إنما يكون لجهتين: شكرنا لله، وشكرنا لكل من أزكى إلينا معروفا. «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». وعلى رأس القائمة قائمة البشر، قائمة الخلق ممن ينبغي أن نخضع لهم جميعا بالشكر والعرفان. من كانوا سببا في وجودك في الحياة الدنيا بعد الله، ألا وهم الوالدان. الوالدان، شكرهما متعين على كل واحد منا. قال سبحانه: ﴿وَاشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. قرن ربنا شكره بشكر الوالدين، لعظيم فعلهما، إذ أنهما السبب في وجودك وبعثك في الحياة الدنيا. وشكرهما يكون بالثناء عليهما، والترضي عنهما، والترحم لهما، وبذكرهما للجميل. وأيضا شكرنا يكون لمن كان سببا في هدايتنا وإخراجنا من الضلالة إلى الهدى، وأعني بهم العلماء، وكل من علمك، وكل من فهمك، وكل من درسك، فجعلك يا عبد الله على صراط مستقيم. وقد أشار ربنا جل وعلا إلى أن العوالم السفلية والعلوية كلها تخضع للعلماء الذين كانوا سببا في هداية البشرية. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى الحيتان في الماء، وحتى النملة في جحرها، ليصلون على معلم الناس الخير». يصلي بمعنى الدعاء والثناء، وهو نوع من أنواع الشكر يبذل لهذه الطائفة من الناس، أثنوا أعمارهم في سبيل الدلالة إلى الخير. وهكذا يا عبد الله، شكرك وشكرنا لكل من أزكى إلينا معروفا، من زوجة، من جار، من قريب، من صاحب، وكل من ساهم في إسعادك وفي تسهير أمورك في الدنيا، فكن له يا عبد الله من الشاكرين. قال عليه الصلاة والسلام: «من صنع إليكم معروفا فكافئوه». «من صنع إليكم معروفا فكافئوه». وأقل المكافأة يا عبد الله، بل الشكر والثناء العطر لكل من كان سببا في جريان الخير على يده لكي يصل إليك. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.