أشراط الساعة الجزء الأول

الخطبة بعنوان أشراط الساعة الجزء الأول، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٦ صفر ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في علامات الساعة وأهميتها

يبدأ الحديث عن علامات الساعة الصغرى وأهميتها في الإيمان، مشيرًا إلى تأثيرها على قوة الإيمان وتأكيد نبوته صلى الله عليه وسلم. يُبرز أهمية الإيمان بهذه العلامات وتأثيرها على اليقين.

علامات الساعة وأماراتها في الأحاديث النبوية

يتناول هذا الفصل العلامات والأمارات التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث النبوية، مثل تشبه المسلمين باليهود والنصارى وانتشار الفساد وظهور الجهل. يُظهر كيف تتحقق هذه العلامات في الواقع.

تحقق علامات الساعة في الواقع المعاصر

يُركز هذا الفصل على علامات الساعة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم مثل اختلال الموازين وظهور الفتن والقتل بين المسلمين. يُظهر كيف تتحقق هذه العلامات في العصر الحالي.

الختام والدعاء

يختتم بالدعاء بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شرَّ الأمور محدثاتُها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، فإن مما تقرَّر علمه واستويقن خبره وأُكِّد فهمه من خلال العقيدة الإسلامية أن الساعة ووقوعها وحصولها خبرها عند الله جل وعلا لا يعلم بعلمها إلا الله جل في علاه، فلا يُشارِكه في ذلك أحدٌ من خلقه، لا ملكٌ مُقرَّب ولا نبيٌ مُرسل. قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾. إلا أن الله جل وعلا مع إخفائه عن وقتها وعن زمن حصولها، إلا أن الله جل وعلا لحكمةٍ أرادها جعل لقيام الساعة علاماتٍ وأمارات مُؤذِنةً لقُرْبِهَا وَلِحُصُولِهَا. قال سبحانه: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، أي جاء علاماتُها وأماراتُها الدَّالَ على قُرْبِها. وقد ذكر العلماء أن أشراط الساعة وأن علامات الساعة تنقسم إلى قسمين: إلى علاماتٍ صغرى وإلى علاماتٍ كبرى، وأن العلامات الصغرى هي منقسمةٌ عندهم إلى أقسامٍ ثلاث: علاماتٍ صغرى قد مضت وانقضت، والقسم الثاني مما هو وقع ولا يزال يقع، والقسم الثالث إلى الآن لم يقع، أي إلى وقتنا هذا. إن الخوض في هذه المسألة والماء التعرُّف على أشراط الساعة وعلى علاماتها لهي من المسائل الشرعية التي يجب على المسلم أن يتعرَّف عليها. لما لها من أحكام، أولاها أن ذلك من التصديق بالغيب، فإن قوة المؤمن إنما تكمن في قوة تصديقه بأخبار الغيب، ومن ذلك أشراط الساعة. ولهذا من أعظم ما اتصف به أهل الإيمان أنهم يؤمنون بالغيب، هُدًا للمتقين الذين يؤمنون بالغيب. والثاني أن في هذه الأشراط دليلٌ من دلائل نبوَّته صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر عليه الصلاة والسلام عن أمور في زمنه وَهَا هِيَا فِي أَزْمَانِنَا تَقَعُ رَأْيَا الْعَيْنِ بَعْدَ مُرُورِ مِئَاتِ السِّنِينَ. وبِهَذَا يَزْدَادُ أَهْلُ الْإِيمَانِ إِيمَانًا، وأهلُ الْيَقِينِ يَقِينًا. والثالث من الأحكام أن نعلم عباد الله أن أمارات الساعة وأشراطها هي في الحقيقة تنبيهات وهكذا محذِّرات وإرهاصات إلى قرب قيام الساعة. ما هي إلا أمار وتحذير لك يا عبد الله تحذِّرك وتنبِّهك على قرب قيام الساعة وعلى زوال الدنيا، فينبغي أخذ الحيطة وذلك بما تبقى من عمرك إذ أن الساعة قريب. واعلموا عباد الله أن في مقام هذا سيكون حديثنا حول أشراط الساعة الصغرى التي مما هي قد وقعت ولا تزال تقع في أزماننا هذا. فمن ذلك إخباره عليه الصلاة والسلام بأدعياء النبوة وأدعياء الرسالة ممن أراد أن يتقمَّص شخصياتهم فادعى كذباً وزوراً أنه منهم، فادعى لنفسه النبوة وادعى لنفسه الرسالة. فبت في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى يُبعَثَ دجَّالون كذَّابون قريبٌ من ثلاثين كلهم يزعُم أنه رسول الله». وجاء كذلك في مسند الإمام أحمد قال عليه الصلاة والسلام: «إن في أمتي دجَّالون وكذَّابون سبعةٌ وعشرون منهم أربع نسوة، منهم أربع نسوة، وأنا خاتم النبيين لا نبيَّ بعدي». ولازال من أمثال هؤلاء الأدعياء ممن يدَّعي النبوة والرسالة يظهر بين الفينة والأخرى هنا وهنالك، أخزاهم الله. إلا أن بعضهم له ظهور له قوة وشوكة، وآخرون هم دونه ليس لهم قوة ولا شوكة. وأيضًا مما أخبر عنه عليه الصلاة والسلام ما حدَّث به عن حالة الضعف والوهن التي تُصاب به الأمة الإسلامية، وأنه على إفر ذلك تكون لُقمَةً سائغة وهدفًا سهلًا لكل عدوٍ طامعٍ فيها. قال عليه الصلاة والسلام: «يُوشِكُ أن تدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمَ من كل أُفُق كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا»، قُلْنَا: يا رسول الله أَفَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لا، أنتم كثير، أنتم كثير، لكنكم غُثاء كغُثاء السيل»، لكنكم غُثاء كغُثاء السيل. وإن هذا الحديث عباد الله ليتنزَّل جليًّا على هذه الأعصار، فها هي الأمة الإسلامية كانت ولا زالت عُرضة لأي استعمار يهجُم على أرضها فيستولي على أراضيها وينتهِب خيراتها ويتلاعب بثرواتها. وأيضا مما أخبر عنه عليه الصلاة والسلام وأنه من علامات الساعة ما يقع من التبعية لأعداء الدين. ثبت في البخاري قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى تأخُذ أمَّتِي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع»، قلنا: يا رسول الله كالفارس والروم؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فمن الناس إلا أولئك»، فمن الناس إلا أولئك. وجاء في لفظ الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جُحر ضبٍ لاتبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله آل يهود والنصارى؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فمن»، فمن. عباد الله، وإن الناظر في مجتمعات المسلمين يعلن بصدق الخبر، إذ يرى عظم التبعية والدنية من هذه الأمة لأعداء الدين، حتى أصبح التشبه بهم في كثيرٍ من أنماط حياتنا وأخلاقنا وسلوكنا. حتى بلغ بهم التشبه التشبه في مأكلهم ومشربهم ولباسهم وزيهم، بل حتى بلغ التشبه في تمشيطة شعورهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأيضاً عباد الله مما أخبر عنه عليه الصلاة والسلام أنه من علامات الساعة، فإذ به يقع ولا يزال يقع ما يكون عليه حال الناس من الفساد والانحراف والانحلال عن الدين وعن الشريعة. ثبت في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم ويظهر الجهل ويُشرب الخمر ويفشو الزنا»، يُشرب الخمر ويفشو الزنا. وإن هذا الحديث عباد الله ليحكي لنا واقعًا ملموسًا نراه في حياتنا اليومية، كيف أن الرذائل وكيف أن المُوبِقات والحُرُمات والمُحرَّمات قد فشت وطمَّت وعمَّت في مجتمعات المسلمين، لا رادع لهم ولا زاجر لهم يتواكأون عليها صباح ومساء، ويكأنها الحلال. قال عليه الصلاة والسلام: «ويُشرب الخمر ويظهر الزنا»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «ويُقبض العلم»، هذا كذلك أمار من أمارات الساعة أن علم النبوة وأن علم الشريعة ينقبض عن هذه الأمة. فترى القليل وأقلَّ القليل هو الذي يُقبل على العلم الشرعي فيتعلم أحكام الدين وأحكام الشريعة، وأما الغالب وأما الغالب من الناس فهم لا يرفعون رأسا بعلم الدين والشريعة، فما تفقه في أمور دينهم وما تعلم أحكام شريعتهم. وأيضا من قبض العلم قال علماء أن يُقبض كذلك العلماء، فلا تجد لهم وجود حسا ولا معنى في مجتمعات المسلمين. وأيضا عباد الله مما يؤيد هذه الأمارة من فشو الفساد والإنحلال والإنحراف في هذه الأمة ما ثبت في مسند الإمام أحمد قال عليه الصلاة والسلام: «إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها في تجارته وكتمان شهادة الحق وشهادة الزور وقطيعة الرحم وظهور القلم». في هذا الحديث أولى بيان لما يقع عليه الناس ميتهاء في باب الحلال والحرام، إذ يفشو بينهم الكذب وشهادة الزور وكتمان شهادة الحق، وهكذا ما يقع بينهم من قطيعة وعقوق. وأما قوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أن من أمارات الساعة تسليم الخاصة، أي أن السلام لا يبذل إلا لمن يعرف، أي أن السلام لا يبذل إلا لمن يعرف. ثبت ذلك في السنن قال عليه الصلاة والسلام: «من أشراط الساعة أن يمر الرجل على المسجد فلا يصلي فيه ركعتين وأن الرجل لا يسلم إلا على من يعرف». وأما قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق أن من أمارات الساعة وظهور القلم، قال العلماء معناه ظهور معرفة الكتابة. وهذا مما يشاهد في هذه الأزمان، إذ أننا نرى أن الحكومات وأن هيئات التعليم لتنطلق وتسعى سعياً حثيثا إلى فتح ما يسمى بمراكز محو الأمية، حيث يساهمون إلى رفع الأمية عن الناس فيعلمونهم القراءة ويعلمونهم الكتابة. حتى أننا نجد في هذه الأزمان أصبح الكثير والكثير من الناس رجالاً ونساءاً صغاراً وكباراً قد أتقنوا القراءة والكتابة، فذلك من أمارات الساعة وظهور القلم، إلا أنه في الوقت نفسه مع علم الشريعة هم في معزل عنه. فالعلم الشرعي قد قبض، أما العلم الدنيوي قد ثبت، وكل ذلك من أمارات الساعة. وأيضاً عباد الله من أمارات الساعة مما أخبر عنها نبينا صلوات ربي وسلام عليه ما جاء في الصحيح قوله صلوات ربي وسلام عليه: «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان». قال العلماء في معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «ويتَقارَب الزمان»، منهم من قال: أي بذهاب بركته وزوال فائدته. ومن أهل العلم من يرى أن النص على ظاهره، وأن الزمان في آخر الزمان يتقارب مدته، إذ تجد أن المدة الزمنية للزمن يتقلص وقتها عما لم يكن من ذي قبل. ويؤيد هذا المعنى ويوضحه ما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث أنس، وفي الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة»، كاحتراق السعفة. وإن من تأمل في مجريات الحياة ليتمالكه العجب من سرعة مرور الشهور والسنوات، وإن كأنها ما مرت عليه إلا لحظات. وما ذاك يا عبد الله إلا تحقيق ومصداق لخبره عليه الصلاة والسلام، وأننا نعيش في أمارة من أمارات الساعة، نسأل الله العفو والعافية. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد، فلا زلنا عباد الله نستعرض مع أهم الأشراط وأهم الأمارات والعلامات التي أخبر عنها نبينا صلى الله عليه وسلم بأنها علامة ودلالة على قرب قيام الساعة. وإن من تأمَّل في تلكم الحديث ونظر إلى واقعنا المعاصر لوجدها قد وقعت رأي العين، فما هو إلا وحي السماء أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. وأيضًا عباد الله مما أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم أنه من أمارات الساعة ما يقع عند الناس من اختلال الموازين واختلاف الموازين، ويخطئون خطأً عظيمًا في تقييس الأمور في الأشخاص وفي الأعمال. إذ أننا نجد في آخر الزمان ومما دلَّت عليه الأدلَّ أنه من علامات الساعة أن ما كان فيه الرفعة يومًا من الأيام إذ به يكون عندهم مهانًا، وما كان له الدناءة فإنه يصل به الأمر أن تكون له العزة ولل والمكانة. وما كان عند الناس قبيحٌ مستهجًا فإنه تأتي عليه الأيام فيكون مرغوبًا فيه مستحسًا. ومن ذلك ما رواه البزار بإسنادٍ صحيح من حديث أنس قال عليه الصلاة والسلام: «من أشراط الساعة الفُحش والتفحش وقطع الرحم وأن يؤتمن الخائن ويخوَّن الأمين»، يؤتمن الخائن ويخوَّن الأمين. وجاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «قبل الساعة سلواتٌ خداعة يُصدَّق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين وينطق فيها الروايبِضة»، قلنا: يا رسول الله ومن الروايبِضة؟ قال عليه الصلاة والسلام: «الرجل التافِه يتكلم في أمر العام». إن هذا الحديث عباد الله ليُصدِّقه الواقع العملي الذي نُعاصره ونُعاشره، إذ أنا نجد أن من كان محلُّه الصدق والأمانة والنصح للناس والأمة يَكُونُ عِنْدَ النَّاسِ مَنْبُوذًا، محلُّه الاستهجان والاستحقار والامتهان، لا يُؤبَهْلَه فضلاً إن سلم من مطعانهم ومن غمزهم وقدحهم فيه. وبالمقابل من كان من أهل الكذب والريبة ومن أهل الفجور والمجون ومن علم بالخيانة والجُبن يَكُونُ عِنْدَ النَّاسِ عَظِيمًا فِي قَوْمِهِ رَفِيعًا بَيْنَ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ. أَلَيْسَ هَذَا الْحَالُ الَّذِي نُعَايِشُهُ وَنُعَاصِرُهُ الْيَوْمَ يَا عِبَادَ اللَّهِ يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى ما جاء في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلاً دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ متى الساعة؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، فقال الرجل: يا رسول الله وكيف إضاعتها؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»، إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. إذا حالت الأمور والمسائل العظام إلى من لا يحسنها ولا يتقنها ولا هو أصلاً من روادها، فخاض فيها في هذه المسائل والأمور العظام فخاض فيها من لا يعرفها فعرف بها وحدث بها من يعرف ومن لا يعرف، حينها ضيعت الأمانة وحينها تأتي الهلكة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وأيضاً عباد الله من أمارات الساعة ومن علاماتها البارزة والتي أكثر نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث عنها ما يكون من ظهور الفتن وانتشارها وتتابعها. ثبت في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن»، وكم هي الفتن التي أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم عن ظهورها وأنها كثيرة وكثيرة جدًا، لكن من أشنعها ومن أعظمها ومن أشدها ما كان فيه إراقة للدماء وإزهاق للأرواح. ثبت في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج»، حتى يكثر الهرج، قلنا: يا رسول الله وما الهرج؟ قال عليه الصلاة والسلام: «القتل»، القتل، القتل، كررها مرتان عليه الصلاة والسلام. وأيضا عباد الله إن هذا القتل الذي أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم عن ظهوره وانتشاره ليس هو موجه إلى أعداء الدين من كافرين وملحدين ومشركين لا، إنما هو مصلط على هذه الأمة بعضها يقتل بعض. ثبت في مسند الإمام أحمد قال من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن بين يدي الساعة الهرج»، إن بين يدي الساعة الهرج، قالوا: يا رسول الله ما الهرج؟ قال عليه الصلاة والسلام: «القتل»، وليس كقتل بعضكم للمشركين، وإنما يقتل بعضكم بعضًا، يقتل الرجل أخاه، يقتل عمه، يقتل جاره، يقتل ابن عمه. قلنا: يا رسول الله ومعنى عقولنا يومئذ ومعنى عقولنا يومئذ؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إنه لتنزع عقول أهل ذاك الزمان، فيخلف له هباء من الناس»، فيخلف له هباء من الناس يحسب أكثرهم أنهم على شيء وهم ليسوا على شيء. وإن الفتنة لتعظم في هذه البلية وفي هذا العمل المشين أنه لا يعلم ما هي الدوافع لهذه المقاتل وللهذه المجازر. ثبت في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده ليأتين على الناس ليأتين على الناس يقتل بعضهم بعضًا، فلا يدر القاتل فيما قتل ولا يدر المقتول على أي شيء قتل»، قلنا: يا رسول الله وكيف ذاك؟ وكيف ذاك؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إنه الهرج»، إنه الهرج. أقول قولي هذا، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.