بين يدي رمضان

الخطبة بعنوان بين يدي رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٢ شعبان ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

استقبال شهر رمضان والتحذير من نواقض الإسلام

يُنبه الخطيب إلى ضرورة استقبال شهر رمضان بالطاعات والقربات، ويحذر من نواقض الإسلام مثل الشرك بالله. يجب على المسلم الحفاظ على صلاته والابتعاد عن الشرك والبدع حتى تقبل أعماله.

أسباب بطلان الأعمال وعدم قبولها

المقطع يبين أسباب رد الأعمال وعدم قبولها، مثل العداوة والشحناء والبغضاء بين المسلمين، وعدم التحلل من حقوق الآخرين. يجب على المسلمين الصلح والتحلل من المظالم ليتقبل الله الأعمال.

التحفيز على العمل الصالح والدعاء

يوصي الخطيب بالسعي لتحليل الذات من المعوقات التي تمنع الانتفاع بالأعمال الصالحة، ويدعو الله أن ينفع بما قيل ويجعلهم من أتباع أحسن الأقوال. يجب على المسلم أن يحرص على الأعمال الصالحة ويبتعد عن المعوقات.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، ها قد أوشك أن يظلنا شهرٌ عظيمٌ مُبارك، شهرٌ لطالما اشتاقت إليه نفوس الصالحين والعارفين، ألا وهو شهر رمضان، هو شهر المغفرة والغفران، وشهرُ البرِّ والإحسان، شهرٌ تُفتَّح فيه أبوابُ الجنان، وتُغلَّق فيه أبوابُ النيران. شهرٌ ميَّزه الله جل وعلا عن باقي الشهور والأزمان بالفضائل والمناقب والعرفان، وكيف لا؟ فربُك يخلُق ما يشاء ويختار. عباد الله، ما هي استعداداتنا لاستِقبال هذا الشهر؟ شهرٌ هذا وزنُه، وهذا مقدارُه، وهذا فِقَلُه عند ربِّ العالمين. إنه من تمعنا وتأمَّل في أحوال الناس إزاء استقبالهم لشهر رمضان لا يرى العجب العُجاب، فكل وعاء بما فيه ينضح. فمن الناس من حصر استقبال رمضان في تكديس الطعام وشراء المواد وشراء ما لذَّ وطاب من المأكولات والمشروبات والتدافُع على الأسواق. ونحن لا نحرِّم على الناس مثل هذا الشراء، لكن يبقى هذا السؤال: أهكذا يكون استقبالنا لرمضان بملء الطعام وملء البطون؟ ومن الناس من أعدَّى العُدَّة في استقبال رمضان في شراء الدشوش وتركيب الصحون ومتابعة القنوات التي تُبثُّ فيها الفوازير والمُسلسلات، وآخر يُتابِع بكل لهف تلكم القنوات التي تُبثُّ المُباريات والدوريات والتصفيات. فما زال هؤلاء وهؤلاء عاكفين على هذا الجهاز في أيام رمضان في ليله ونهاره. أيا عبد الله، أهكذا استقبالُك لرمضان؟ عباد الله، إن الصادق والمُحِب لهذا الشهر يكون استقبالُه وتكون عُدَّته في كل ما يُحِبُّه الله ويرضاه ويتماشى مع مقاصد الشريعة. واعلمُوا عباد الله أن من أعظم ما ينبغي على أهل الإسلام جميعًا أن يعتنوا به في استقبالهم لرمضان، وخاصة ونحن في هذه الأزمان، أن نُسارع إلى رفع كل مانع يمنع من قبول أعمالنا وطاعاتنا من صلاةٍ والصيام، ومن ذكرٍ وقراءةٍ للقرآن. إن بعض الناس عباد الله من يظن أنه مهما عمل من عملٍ صالح فإنه مُسطَّرٌ عند ربِّه محفوظٌ في صحائف أعماله، وهذا عباد الله من الجهل المُبين والغُرور العظيم على ربِّ العالمين. إن أقواما قدموا على الله جل وعلا بأعمالٌ صالحة وأقوالٍ فاضلة فرُدَّت على وجوههم، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. فعلينا عباد الله في هذه الأوقات أن نُسارع، وذلك بالتعرُّف على كل مسألة تعود على أعمالنا بالبطلان، وعلى عباداتنا بالنُقصان. فمن تلكم الأعمال يا عبد الله التي تُؤثِّر على أعمالنا من صلاةٍ وصيام هو أن تتلبَّس بشيءٍ من نواقِض الإسلام. عباد الله، إن شريعة الصيام من أعظم شرائع أهل الإسلام، أناطها الله على رقاب أهل الإيمان، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، فمن كان مؤمناً لزِمه الصيام، ومن خرج عن ربقة الدين والإسلام فلا يُطالَ بشيءٍ من عبوديَّته لله. فمن كان مشركاً أو كان كافراً أو كان مُرتدَّاً فلا حظَّ له من عملٍ ولا من قول. وإنني عباد الله في هذا المقام لأُشير إشاراتٍ سريعة لبعض الأعمال مما فَشَتْ بين الأفراد والمجتمعات، وهي مما تُوجِبُ الرِّدَّة والعياذُ بالله. فمن ذلكم عباد الله الإشراكُ بالله، كما قال ربُّنا جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ولا تَظُنِي عبد الله أن الشرك بالله منحصرٌ في التوجُّه إلى صنمٍ أو وثنٍ، بل إن ضابط الشرك هو ما نفق به نبيُّنا صلى الله عليه وسلم، وهو أن تجعل لله ندَّاً وهو خلقك. فمن جعل لله سبحانه وتعالى ندَّ من شبيهٍ أو من نظير كائناً من كان هذا الندَّ، سواء كان صنمًاً أو وثنًا أو قبرًا أو حجرًا أو ملكًا أو نبيًّا أو صالحًا أو وليًّا، فمن اتَّخَذَ من هذه المعبُودات نُظرًا يتوجَّه إليهم بالعُبودية فقد أشرك بالله سبحانه وتعالى. وها نحن نرى عباد الله هذه الزيارات الشركية التي هي دلالة على الجاهلية الأولى، منها ما قد أقيم قبل رمضان في بعض الأنحاء، ومنها ما يُقام بعد رمضان. هذه الزيارات الشركية التي فيها صرفٌ للطاعات والعبادات لغير الله من طواف ونُذورٍ وقرابين، ومن أدعية واستغاثاتٍ للمقبورين، ومن دُعاءٍ والتجاءٍ وانطراح بين يدي المخلوقين. كل هذا يا عبد الله شِرْكٌ بالله جلّا في علاه، كل ذلك يا عبد الله شِرْكٌ بالله، صاحبه مهما صلَّ ومهما قام فإن الله جل وعلا لن يتقبل منه أبدا. ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركتا ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، بل الله فاعبد، بل الله فاعبد وكن من الشاكرين. عباداتنا طاعاتنا ينبغي أن تكون لله وحده، لا لنبي ولا لولي، فمن صرفها يمنةً أو يسرة فقد حبطت أعماله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأيضاً عباد الله من أعمال الردة كما صرَّح بذلك طوائف من العلماء تركوا الصلاة، تركوا الصلاة. لا يتأتى منك يا عبد الله أنت صوم رمضان وأنت تارِكٌ للصلاة، الصلاة يا عبد الله الصلاة يا عبد الله هي صلةٌ بين العبد وبين رب العالمين. الصلاة هي عمود الدين، الصلاة هي فيصلٌ بين معزكر أهل الإيمان وبين معزكر أهل الشرك والكفران. قال عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». فمن تركها فقد كفر، بل صرَّح جماعة من العلماء إلى أن تارِك الصلاة تارِك الصلاة كفار قد خرجوا من الدين والملة. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾. بل إن ابن حزمٍ رحمه الله تعالى نسب إلى جماعةٍ من الصحابة أنه من ترك فرضًا واحدًا متعمدًا من ترك فرضًا واحدًا متعمدًا حتى يخرج وقته فقد كفر، ليس من أهل الدين. فاحذر يا عبد الله احذر يا عبد الله أن يأتيك شهر الصيام وأنت تارِك للصلاة. إن فرضًا واحدًا عباد الله لك فيلٌ أن يحبِط عنك جميع الأعمال. روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث بُريدة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من ترك صلاة العصر فقد حبِط عملُه». إذا كان فرضٌ واحد كفيلٌ بأن يُحبِط جميع أعمالك من صيامك وقيامك، فما ظنُّك يا عبد الله بعدَّة صلوات؟ أين الذين يسهرون في رمضان يسهرون ذات الليالي الطويلة، لكنهم عن صلاة الفجر هم غافلون، وهكذا عن الظهر، وأحيانًا عن العصر. احرص يا عبد الله احرص يا عبد الله على الحفاظ على الصلوات الخمس في يومك وليلتك حتى تضمن سلامة أعمالك من الخدش والنقصان. وأيضًا عباد الله من الأعمال التي تعود على عباداتنا بالنقصان الإحداث والابتداء، البدعة مذمومةٌ شرعًا مرفوضةٌ طبعًا وعقلًا. إذ أن الدين هو دين الله جل في علاه، لا معقب لحكمه ولا مستدرك لأمره ونهيه. أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ وإن من أعظم ما يبتلى به المبتدعة أن أعمالهم تكون مردود على وجوههم. قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». بل ذهب الطائف من العلماء أن من عقوبة الله سبحانه وتعالى على المبتدع أن جميع أعماله جميع أعماله معرضةٌ للإحباط، سواء التي أحدث فيها أو التي لم يحدث فيها، فكل أعماله مردود على وجهه. قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا يُقْبَلَ مَعَهَا عِبَادَةٌ». فالمبتدع مهما ابتدع في دين الله جل وعلا ثم عمل ما عمل من أعمال صالحة فإنه يخشى على أن ترد على وجهه. واستدل من استدل من العلماء بهذا المذهب على ما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «المدينة حرم، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى فيها محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا». قال العلماء في قوله عليه الصلاة والسلام الصرف والعدل، أي الفريض والنافلة. من آوى محدثا أو أحدث فيها حدثا، أي ابتدع وابتكر في دين الله ما ليس منه، فإن الله جل وعلا لا يقبل منه فريضة ولا نافلة. فاحذر يا عبد الله وأنت على مقدم هذا الشهر العظيم أن تتعبد الله سبحانه وتعالى بالبدع والمحدثات. فإن رمضان ليس فيه تلكم الأذكار والأوراد رمضان التي نسمعها هنا وهنالك في بيوت الله. رمضان ليس فيه الجهر بالنية بصوت جماعي، رمضان ليس فيه ترانيم، ليس فيه ترحيب رمضان، ليس فيه زيارات ولا مزارات ولا ختامات ولا موالد. فاحرص يا عبد الله أن يكون صيامك على منهاج النبوة، سر يا عبد الله كما سار نبيك صلى الله عليه وسلم في صيامه في ليله ونهاره. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. فمما مضى عباد الله علمنا ما نحن عليه قادمون من استقبال ضيفٍ غالٍ على النفوس، لكنه ضيف ليس كسائر الأضياف، بل ضيفٌ أتى بجوائز ومناقب بمغفرة الذنوب والعتق من النيران، وذلك لمن أعطى هذا الشهر حقه وثقله من الإعظام والإجلال. وعلمنا عباد الله أن نحن في فسحةٍ من أوقاتنا قبل مقدم هذا الشهر بأن نتخلَّص من كل مانع يمنع من قبول صيامنا وقيامنا وسائر أعمالنا وطاعاتنا. فلا تظن يا عبد الله أن ما من عمل سيُقبل عند الله، بل أنك إذا تلبَّست بشيءٍ من الموانع فإن أعمالك من صيامك وصلاتك وقيامك تردُّ على وجهك. فكان مما ذُكر أنك يا عبد الله احذر من أن تتلبَّس بشيءٍ من الشركيات أو بشيءٍ من نواقض الإسلام. وللأسف عباد الله كم هي النواقض التي يدخل فيها المرء ويخرج في يومه وليلته. وكان من ذلك صرف الطاعات والعبادات لغير الله سبحانه وتعالى، كأن تصرف ذلك لملك أو تصرف لنبي أو تصرف لولي، فإن العبودية لا تكون إلا لله جلَّا في علاه. وعلمنا أيضا أن منصور الردَّة ما صرَّح بها طوائف من علماء تركُ الصلاة، بل حتى أنه يُخشى على أن من ترك فرضًا واحدًا متعمِّدًا أن يدخُل في سِلْكِ المُرْتَدِّين المارِقين الخارجين عن الدين عن الملَّة والدين. وعلمنا كذلك عباد الله أن من أسباب ردِّ الأعمال الإحداث بإقامة البدع والمُحدثات، وخاصة في هذا الشهر المفضل. وأيضًا عباد الله مما ينبغي أن يُعلم أن مما تُردُّ به الأعمال الشحناء والعداوة والبغضاء، هذه الظاهرة المُشينة، وهذا المسلك المُنحر في الأهوج الأعوج. للأسف كم دبَّ بين مُجتمعات المُسلمين فشى وطغى. ما بالنا عباد الله ما يمر علينا يومٌ من الأيام ولا ساعة من ساعات الليل أو النهار إلا وسمعنا أن فلانًا تقاطع مع أهله وجيرانه، وذاك تخاصم مع إخوانه وأحبابه، وذاك قد تقاطع مع زملائه وأصدقائه. عباد الله، هذه الظاهرة ظاهرة العداوة والشحناء والبغضاء لو أنها وقعت وقعت مع وجود الأسى والندم لهان الأمر. لكن مما يحُز في النفس أن نرى هذه الظاهرة الدنية وقعت بين المُتخاصمين وكلهم وكلهم ارتياح وكلهم اطمئنانٌ وانشراح. اعلم يا عبد الله لكم جرَّت هذه الظاهرة الويلات والويلات على أهلها وعلى من تمادى بها. ومما يهمُّنا في هذا المقام أن نعلم أن القطيعة والعدوان من أعظم الأسباب التي تُحبَط بها الأعمال. وأن الله جلَّ وعلا لا يقبل عملاً صالحاً من متخاصمين ومن متشاحنين. روى إمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «تُفتح أبواب الجنَّة يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفِر الله لكل عبدٍ لا يُشركُ بالله شيئاً، إلا رجُلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيُقال: انظروا هذين حتى يصطلِحا، انظروا هذين حتى يصطلِحا، انظروا هذين حتى يصطلِحا». كرَّرها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام، أي انتظروا هؤلاء لا تُقبل منهم أعمال، لا من صلاةٍ ولا من صيام، ولا من قراءةٍ للقرآن، ولا من قيام إلى متى يا رب؟ حتى يصطلِحا، حتى يسود بينهم الصلح ويعود بينهم المودة والوئام. فإذا سارت الأمور على ما أراد الله حينها تُقبل الأعمال وتُرفع الطاعات والعبادات. وإذا كانت قطيعتك وإذا كانت عداوتك مع والديك مع أبيك وأمك، فاعلم يا عبد الله أن الأمر أعظم وأنه أشدُّ وأنكى. روى الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثةٌ لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً، العاق والمنان والمكذِّبُ بالقدر». أول من بدأ بهم نبينا العاق الذي قطع علاقته مع أبيه ومع أمه. احذر يا عبد الله، فلنحذر عباد الله من العداوة ومن الشحناء والبغضاء، ولتمدُد يدك يا عبد الله، وعلى كل متخاصم أن يمُدَّ يده إلى من تخاصم معه. حتى لا يدخُل عليك هذا الشهر إلا بصفاء القلوب واجتماع الأنفس والأرواح، فحين ذلك تُقبل من الأعمال. فإن ذلك من شِيَم النُّبلاء، وما يُلقَّاه إلا الذين صبروا، ولا يُلقَّاه إلا ذو حَظٍ عظيم. وأيضًا عباد الله من الموانع التي تمنع من قُبُول الأعمال أن تتحلَّل يا عبد الله، وأن تُسارع إلى تحليل نفسك من كل حق من حقوق المسلمين قد تلبَّست به. فمن تلبَّس بدماء المسلمين أو بأموال المسلمين أو بأعراض المسلمين فعليه أن يتحلَّل منها فيستحلَّ من أهلها، ويطلب منهم العفو والمسامحة على ما بذلته نفسه من الاعتداء والعدوان على الحقوق. فإن حقوق المسلمين أعظم ما تكون في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. قال عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه». وقال عليه الصلاة والسلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا». فاعلم يا عبد الله يا من امتدَّت يده على دماء المسلمين على أبدانهم على أجسادهم على أرواحهم على أنفسهم فلتتحلَّل منها اليوم. واعلم يا عبد الله يا من امتدَّت يده على أموال المسلمين غصبًا ونهبًا وسرقةً واختلاسًا وتكسيرًا وتدميرًا وتخريبًا، عليك يا عبد الله أن تتحلَّل منها الآن. واعلم يا عبد الله يا من امتدَّت لسانُك تلوك في أعراض المسلمين والمسلمات طعنًا وغمزًا وكذبًا وبهتانًا وتدليسًا وزورًا، عليك أن تتحلَّل منها اليوم. قال عليه الصلاة والسلام: «من كانت لأخيه مظلمة عنده من مالٍ أو عِرْض، فليتحلَّل منها اليوم، قبل أن لا يكون لا دينارٌ ولا درهم، من كان عنده عملٌ صالح أخذَ على قدر مظلمته». هكذا يقول نبيُّك عليه الصلاة والسلام، تحلَّل يا عبد الله، وإلا كانت تحلُّ اليوم القيامة، من كان عنده عملٌ صالح أخذ منه على قدر مظلمته. ويؤيد هذا ويوضِّحه ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «أتدرون من المفلس؟» قلنا: يا رسول الله، المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال عليه الصلاة والسلام: «المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، قد يكون هذا شأنه، ويكون هذا حاله، من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، إلا أنه ضرب هذا وسفك دم هذا وشتم هذا وقذف هذا وأخذ مال هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذت من سيئاتهم الغرماء، فيوضى على ظهره فيطرح في النار». ولا حول ولا قوة إلا بالله. عباد الله، إن من عظيم إنعام الله علينا أن مد بأعمارنا لكي نحضر مثل هذه المواسم العظيمة. فما علينا عباد الله إلا أن نسارع أن نحلل أنفسنا من كل مانع ومن كل حاجز يمنع عنا الانتفاع بأعمالنا وطاعاتنا. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله.