الدرس في مكفرات الذنوب 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الخطيب الحديث مؤكداً أن شهر رمضان فرصة عظيمة للتوبة النصوح والمبادرة بالطاعات قبل فوات الأوان. يحذر من الاغترار بالأماني الكاذبة والتسويف مستشهداً بأقوال السلف الصالح، مبيناً أن علامة الصادق في توبته الانقطاع عن الشهوات والخوف من النار.
يبيّن المتحدث أن التوبة الصادقة لا تقتصر على الكبائر والفواحش فقط، بل تشمل ترك الواجبات والتفريط في الطاعات وإيذاء الخلق وسوء استغلال الوقت. يؤكد أن حسن الظن بالله يستلزم حسن العمل، وأن التوبة الصادقة هي أعظم المكفرات للذنوب.
يسرد الخطيب أعظم أسباب محو السيئات ومنها الإكثار من الاستغفار اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، والأعمال الصالحة التي تذهب السيئات، واتباع السيئة الحسنة، والدعاء بالمغفرة خاصة في ليلة القدر. يذكر أن التوبة الصادقة قد تجعل العبد أفضل مما كان قبل الذنب.
يختتم المتحدث بنصح المسلمين بالإكثار من التوبة والاستغفار وعمل الصالحات، مذكراً بقاعدة أن الحسنات تمحو السيئات. ويختم الخطبة بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله: إن رمضان فرصة عظيمة للتوبة لمن صدق مع الله عز وجل. واحذر أن تفرط في التوبة في هذا الشهر المبارك، فإن لم تتوب في هذا الشهر الفضيل فمتى ستتوب؟ ولقد جاء عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له»، أي: لم يتعرض لأسباب المغفرة، لم يتب من ذنوبه التي اقترفها والتي وقع فيها. ولذلك دعا ربنا عز وجل عباده المؤمنين إلى التوبة إليه عز وجل، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين في سنته أن الله عز وجل يفرح بتوبة عبده إذا تاب وأخلص وصدق في توبته. وهكذا الله عز وجل يحب التوابين، والآيات في هذا كثيرة جدًا. فاحذر أخي المسلم من الاغترار بنفسك، ومن التسويف، ومن كذلك التعلق بمغفرة الله سبحانه وتعالى دون العمل بأسباب تلكم المغفرة، ومنها التوبة إلى الله سبحانه وتعالى. قال يحيى بن معاذ رضي الله تعالى عنه في كلمات رائعات يذكر فيها المفرط، وهكذا المغرور بما عنده من أعمال يظن أنها سبب في مغفرة ذنوبه، يقول رحمه الله: «من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب، التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة، وتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة، وانتظار زرع الجنة ببذر النار، وطلب دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عمل، والتمني على الله عز وجل مع الإفراط». قال: «ومن أحب الجنة انقطع عن الشهوات، ومن خاف النار انصرف عن السيئات». فهذه علامة الصادق في توبته إلى الله عز وجل، وعدم اغتراره، وعدم كذلك تسويفه؛ أنه يعمل للجنة ويحذر من أسباب النار. فمن أحب الجنة انقطع عن الشهوات، انقطع عن الذنوب، انقطع عن المعاصي، ومن خاف النار انصرف عن السيئات، أي: ذَا، أي: مال عنها وبعد عنها. فهذه علامة الصادق في توبته. وهكذا يقول الحسن البصري عليه رحمة الله: «إن أقوامًا ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة، يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي، وكذب». قال: «وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل». وهذا حال كثير من الناس، إذا نصح في ترك معصية أو في ترك ذنب من الذنوب أشار إلى قلبه وقال لك: الله غفور رحيم، فاتكل على مغفرة الله عز وجل وتعلق بذلك وتمنى على الله الأماني، ففاجأه الأجل وهو بغير توبة، وهو بغير توبة. يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي، ثم قال: لو أحسن الظن لأحسن العمل. وهذه أيضًا من العلامات؛ الذي يقول لك: إني أحسن الظن بربي، لوجدت عمله موافقًا لحسن ظنه، وذلك بالإقبال على الله وترك المعاصي والمخالفات، وترك المعاصي والمخالفات. ينبغي على الإنسان أن لا يغتر بمغفرة الله عز وجل، وأن يكون المؤمن في هذه الدنيا بين الخوف والرجاء، لا يغلب أحدهما على الآخر. نعم، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾. نعم، فالله سبحانه وتعالى غفور رحيم، وكذلك شديد العقاب، فلا تغلب أحدهما على الآخر، بل ادعُ الله عز وجل أن يغفر ذنوبك، وأرجُ رحمة الله، وخف عذاب الله، وخف عذاب الله، وخف عذاب الله سبحانه وتعالى. وبعض الناس لما تتكلم عن التوبة يتوجه ذهنه إلى فعل الفواحش والموبقات، وكذلك المعاصي الظاهرة، وإلى غير ذلك. وهذا قصور في الفهم، وهذا قصور في الفهم. فالمعاصي والذنوب لا تقتصر على فعل الفواحش فحسب، بل هناك معاصٍ تتعلق بترك الواجبات أو بالتفريط في جنب الله سبحانه وتعالى. فاسأل نفسك: كم ضيعت من واجبات؟ كم فاتتك من صلوات أو من تكبيرات؟ كم فاتتك من سنن ونوافل ومستحبات؟ كم فرطت في استغلال وقتك؟ كم ضاع عليك من الوقت؟ كم أخرجت كلمة جرحت بها أما أو أبا أو جارًا أو أخًا أو أحد أرحامك؟ كل ذلك يدخل في معنى المعاصي، في معنى المعاصي. فينبغي عليك أن تستحضر هذا المعنى العام، لا يتبادر ذهنك عند سماع التوبة أن هذا خاص بالزناة وخاص بالقمارين وتاركي الصلاة وإلى غير ذلك. نعم، هذا يشملهم، هذا لكن كذلك: كم وقعت في تفريط؟ وكم وقعت في مخالفات؟ وكم وقعت في كذلك ترك واجبات وإلى غير ذلك؟ فتسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لك جميع ذنوبك، صغيرها أو صغير... نعم، صغيرها وكبيرها، قديمها وحديثها. كذلك يعني: قديمها وحديثها، وإلى غير ذلك. فتسأل الله سبحانه وتعالى أن يتوب عليك من جميع الذنوب والسيئات، من جميع الذنوب والسيئات. ولذلك ذكر أهل العلم أن التوبة من أعظم أسباب محو السيئات. فهناك أسباب كثيرة تمحى بها السيئة، لكن أعظم هذه المكفرات هي التوبة، التوبة الصادقة التي تصدر من المؤمن. فهذا من أعظم أسباب تكفير السيئات. وهناك أسباب أخرى، منها الاستغفار، وهو طلب المغفرة، وهو طلب المغفرة. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستغفر في المجلس الواحد أكثر من مئة مرة، وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستغفر في المجلس الواحد أكثر من مئة مرة. فالاستغفار كذلك من أعظم أسباب محو السيئات. كذلك من أسباب تكفير الذنوب والسيئات الإكثار من الأعمال الصالحة. فقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. إن الحسنات يذهبن السيئات. فإن أكثرت من الحسنات فهي بإذن الله كفيلة في أن تمحو ما صدر منك من سيئات. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها»، أي: أن الحسنة تمحو السيئة. وهذا من علامة التوفيق، توفيق الله عز وجل للعبد أن ييسر له عمل الحسنات، وأن يتبع السيئة بالحسنة، أن يتبع السيئة بالحسنة. هكذا أكثر أخي المسلم، لاسيما في هذه الليالي الفاضلة وفي هذه الأوقات المباركة، أكثر من عمل الصالحات: من الصلوات، من كذلك قراءة القرآن، من التسبيح والتهليل والتحميد، من الصدقات، من الإحسان إلى الخلق واليتامى والمساكين والمحتاجين والمعوزين. كل ذلك من عمل الصالحات التي هي كفيلة في محو السيئات، في محو السيئات. فهذه كذلك من الأسباب العظيمة التي تمحو السيئات. وما أكثر سيئات العباد، ما أكثر سيئاتنا أيها الإخوة! ولذلك جاء في حديث عائشة لما قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: «أرأيت إن وافقت ليلة القدر»، وفي رواية: «إن علمت ليلة القدر فما أقول فيها؟» قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». تدعو الله عز وجل أن يعفو عنك وأن يغفر لك وأن يتجاوز عن سيئاتك، فهو دعاء عظيم وهو عبادة عظيمة. فأكثر من مثل هذا الدعاء. ولربما العبد إذا تاب من سيئاته رجع أفضل وأفضل مما كان عليه من قبل. ولكن الخسران المبين لما يصر المسلم على الذنب والمعصية. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «الذي يضر صاحبه هو ما لم يحصل منه توبة»، يعني: الذنب الذي يضر صاحبه هو ما لم يحصل منه توبة. قال: «فأما ما حصل منه توبة فقد يكون صاحبه بعد التوبة أفضل منه قبل الخطيئة، أفضل منه قبل الخطيئة»، يعني: قبل أن يرتكب الذنب ثم أذنب ثم تاب، ربما يرجع بعد توبته أفضل مما كان قبل أن يعمل الخطيئة أو المعصية، الخطيئة أو المعصية. فمن تاب تاب الله عليه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. فأكثروا من التوبة والاستغفار، وأكثروا من عمل الصالحات، فإن الحسنات يذهبن السيئات. نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.