الدرس في شرح كتاب الصلاة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 19، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع رأي الشيخ ابن السعدي القائل بوجوب صلاة الجماعة فرض عين على الرجال في الصلوات الخمس حضراً وسفراً، مستدلاً بحديث الوعيد بحرق بيوت المتخلفين وآية صلاة الخوف التي تثبت الوجوب في حال الخوف فمن باب أولى في الأمن، مع التنبيه إلى الخلاف في المسألة بين أهل العلم.
يسرد المقطع أدلة الوجوب من القرآن كقوله تعالى ﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ بصيغة الجمع، ومن السنة كحديث أبي هريرة في هم النبي بتحريق بيوت المتخلفين، وحديث الأعمى ابن أم مكتوم الذي لم يرخص له في ترك الجماعة، مبيناً حكم المسافر الذي تجب عليه الجماعة إذا وجد رفقة ويسقط عنه إذا كان وحده.
يذكر المقطع المذهب الشافعي القائل بأن صلاة الجماعة للصلوات الخمس فرض كفاية، حيث تسقط عن المتخلفين إذا أقيمت في المساجد، مستدلين بالأحاديث الواردة في الباب مع اختلاف في دلالتها على الوجوب العيني.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه "منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين"، باب صلاة الجماعة والإمامة، وجمع بينهما لأن الجماعة لا تكون إلا بإمامة، والمراد بالإمامة من يؤم المصلين، فهذا لها أحكام. قال: وهي فرض عين للصلوات الخمس على الرجال حضراً وسفراً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً يأم الناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» متفق عليه. هذه مسألة خلافية بين أهل العلم، وهو حكم صلاة الجماعة، فذكر المؤلف هاهنا قولاً من أقوال عدة في المسألة. فالقول الأول ما ذكره المؤلف، وهو أن صلاة الجماعة فرض عين، ومعنى فرض عين يعني على كل من تجب عليه صلاة الجماعة من الذكور. ودليلهم من القرآن: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ ﴾، قالوا: هذه الآية في صلاة الخوف عند الحراسة والرباط في مواقع الجهاد في سبيل الله، ومع هذا أمر الله عز وجل المؤمنين أن يصلوا جماعة، فإذا وجبت أو إذا أمر المؤمن بصلاة الجماعة في هذه الحال، حال الخوف والمرابطة، ففي غيرها من باب أولى في حال الأمن والأمان والإقامة ونحو ذلك، هذا وجه الشاهد. واستدلوا أيضاً بقول الله عز وجل: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾، فقوله: ﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ قالوا: فيه إشارة إلى أن الصلاة تؤدى جماعة، لأنه ما قال: واركع مع الراكع بالإفراد، إنما قال: واركعوا مع الراكعين بالجمع، ففيه إشارة إلى هذا المعنى، معنى الوجوب. وهذا أيضاً استدلال آخر. واستدلوا بعدة أحاديث، منها هذا الحديث، وهو حديث أبي هريرة في الصحيحين: «لقد هممت أن آمر بالصلاة» إلى آخر ما ذكر. ووجه الشاهد من هذا الحديث: كون النبي صلى الله عليه وسلم عزم على إحراق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة، يدل ذلك على عظيم هذا الفعل وأنه واجب، وهو حضور الجماعة، وأن التخلف عنه محرم لأنه جاء فيه هذا الوعيد، وإن لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم فلعله لم يفعله لوجود النساء في البيوت والأطفال، والنساء والأطفال لا تجب عليهم صلاة الجماعة، بل وردت رواية: «لولا النساء والصبيان» لكنها ضعيفة، لكن قد يحتمل أنه لم يفعل ذلك وإنما هم لسبب آخر، فكونه عليه الصلاة والسلام يهم بهذا الفعل فيه هذا المعنى. واستدلوا أيضاً بحديث الأعمى، وجاءت رواية أنه ابن أم مكتوم، وهو في صحيح مسلم، لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، وإني أخاف الهوام وغير ذلك، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر، ثم دعاه وقال له: هل تسمع النداء؟ يعني: هل تسمع الأذان؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: «فأجب»، يعني لم يرخص له طالما أنه يسمع النداء. طيب، هذا أعمى وعنده من هذه الصعوبة في الوصول إلى المسجد، ومع هذا لم يرخص له بالتخلف عن صلاة الجماعة، هذا يدل على وجوبها. ففي الحقيقة هذه الأدلة أدلة قوية جداً في هذه المسألة، وهذا مذهب الحنابلة، والحنفية يرون وجوب ذلك. أما قوله: على الرجال حضراً وسفراً، فالحضر لا إشكال فيه، أما السفر ففيه تفصيل: فإن كان المسافر عنده جماعة من الناس فهنا يصلي جماعة ولا يتعمد الإفراد، والدليل على ذلك حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء عنده ومع بعض أصحابه وقد جاءته رجلان يريدان السفر، هكذا جاء في الحديث، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا خرجتما فأذنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما أكبركما» متفق عليه. إذن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهذين الرجلين وهما في سفر أن يصلي جماعة، هذا يدل على هذا المعنى. لكن إذا كنت مثلاً مسافراً وما عندك رفقة، أو لست نازلاً في مكان تستطيع أن تصلي فيه جماعة، فهنا يمكن أن نقول: هذا ليس بواجب عليه، لأن المسافر يرخص له ما لا يرخص للمقيم، فقد رخص له أن يقصر الصلاة الرباعية وأن يترك النوافل ونحو ذلك تخفيفاً عليه، وهكذا في صلاة الجماعة إذا لم يوجد من يصلي معه فلا نوجب عليه صلاة الجماعة، والله تعالى أعلم. وأما القول الثاني في المسألة: أن صلاة الجماعة صلوات الخمس فرض كفاية، بمعنى: إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، وهذا مذهب الشافعية في الصحيح عنهم، والشافعية يرون أن صلاة الجماعة فرض كفاية، يعني: طالما أنها تقام في المساجد فمن تخلف عنها فقد ترك الأفضل. واستدلوا بهذا الحديث الذي ذكره المؤلف