الدرس في شرح كتاب الحج من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع حدود الحرم المدني بين جبلي عير وثور، ويبين أن أحكامه كحرم مكة من تحريم الصيد والاختلاف. كما يوضح فضل زيارة المسجد النبوي وآدابها كالتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجد قباء بأجر عمرة.
يستحب زيارة مسجد قباء أسبوعيًا اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وزيارة البقيع وشهداء أحد للسلام عليهم. كما يبين جواز قتل خمس دواب ضارة في الحل والحرم لضررها.
يقسم الكلاب إلى ثلاثة أنواع: الكلب العقور فيجب قتله، والكلب الأسود الخالص يباح قتله، والكلاب الأخرى يحرم قتلها إلا إذا آذت ولا يمكن دفعها إلا بالقتل. ويؤكد التدرج في الدفع بالأدنى قبل القتل.
أعلن المحاضر انتهاء شرح كتاب الحج، وأشار إلى أن الدرس القادم سيتناول باب الهدي والأضحية والعقيقة. وختم الجلسة بالاكتفاء بما ذُكر والتوكل على الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه "منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين": قال: وقال -أي النبي صلى الله عليه وسلم-: "المدينة حرام ما بين عير إلى ثور"، رواه مسلم. أراد بهذا أن يبين أن الحرم المدني له حدود، وله حرم، أحكامه كأحكام الحرم المكي. فما في الدنيا إلا حرمان: الحرم المكي، والحرم المدني. فمن الخطأ أن يقال في بيت المقدس: إنه ثالث الحرمين. ما في هناك حرم في بيت المقدس. الحرم هو حرم مكي وحرم مدني. والحرم، كما قلنا، هي حدود حدها الشرع في مكة وفي المدينة، وهي علامات الآن وضعت تبين هذه الحدود. فالمدينة أيضًا لها حرم، وهي كما ذكر في هذا الحديث: ما بين عير إلى ثور، وهما جبلان مشهوران في المدينة: جبل اسمه عير، وجبل اسمه ثور. وجعلت الآن علامات تجد هذا حدود الحرم المدني. فهذا الحدود، كل ما تقدم من أحكام للحرم المكي فهي داخلة فيه. فمثلا ما مر معنا في حديث أبي هريرة: أنه كذلك لا ينفر صيدها -أي صيد الحرم المكي-، وحرم المدني أيضًا، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد. وهكذا غيرها من تلك الأحكام التي مرت معنا. مع أن المدينة ليست بنسك من أنساك الحج، فمن حج ولم يزر المسجد النبوي فلا حرج عليه، لكن يستحب ذلك لفضل المسجد النبوي. فإن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن الصلاة فيه بألف صلاة. الصلاة في أيش؟ في الحرم المدني. أما الحرم المكي فالصلاة فيه بمئة ألف صلاة. فلا شك أن هذا فضل. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"، فذكر منها مسجده، وهو المسجد النبوي. فاستحب العلماء للمعتمر أو للحاج أن يزور مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لفضله، ولتضاعف الصلاة فيه. ويكون تبعًا هناك بعض الأحكام المشروعة في زيارة المسجد النبوي. فمن تلك الأمور المشروعة: كذلك السلام عليه تبعًا، السلام على قبره تبعًا. فلا بأس أن يسلم على قبر النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو بجوار المسجد. وهكذا من تلك الأحكام المشروعة: أن يذهب إلى قباء ويصلي فيها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من تطهر في بيته ثم خرج إلى قباء فصلى فيه كان ذلك كأجر حجة"، وجاء: "كان له كأجر عمرة". ليس الحج، كأجر عمرة. والحديث صحيح، أخرجه ابن ماجة. ومسجد قباء لفضله كان النبي صلى الله عليه وسلم يزوره كل أسبوع ويصلي فيه. كل أسبوع يذهب يوم السبت ويصلي في مسجد قباء، وهو المسجد الذي قال الله عز وجل عنه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا﴾. ومما يشرع أيضًا في زيارة المدينة: زيارة أهل البقيع من موتى الصحابة رضي الله تعالى عنهم وغيرهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزورهم ويسلم عليهم، فهذا أيضًا مما يشرع. ومما يشرع أيضًا الزيارة: كذلك شهداء أحد. لا بأس بالذهاب إلى أحد للسلام على حمزة رضي الله تعالى عنه ومن مات معه في تلك الغزوة العظيمة، غزوة أحد، وهي قريبة من المدينة. فهذا مما يشرع في زيارة المدينة. أما أن يشد الرحل إلى القبر أو إلى شيء من هذه المساجد فهذا غير مشروع. ولذلك قال العلماء: لا تقول: سأزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قل: سأزور مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأننا أمرنا بشد الرحال إليه، أما القبر فلم نؤمر بشد الرحل إليه، بل منعنا من ذلك. وقد يقول قائل: كيف لا نقول ذلك ونحن نذهب ونزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ نقول: زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم تبعًا لا ابتداءً. تبعًا لا ابتداءً. فابتداء أننا نزور مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك استحب العلماء لمن ذهب إلى المدينة أن يذهب أولاً إلى المسجد ويصلي فيه، ثم يذهب لزيارة القبر. أما أن يبتدئ بزيارة القبر فهذا خلاف المشروع، هذا خلاف المشروع. قال: وقال: "خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحل والحرم". وذكر هذا الحديث ليبين أنه كما منع من صيد الحرم ومن قتل صيده أو تنفيره، فهناك من الدواب ما يجب قتلها، سواء كان في الحل أو في الحرم، لأنها ضارة. وهي خمس ذكرها في هذا الحديث: ومنها الغراب والحدأة. الغراب الذي يأتي أسود، معروف، يكون أسود. والحدأة يكون لونها أقرب إلى اللون البني، يعني ليست سوداء، وإنما تأتي غبرًا هكذا، وهي في الشراسة وفي الخطف أشد من الغراب، أشد من الغراب. وهذا موجود عندنا: الغراب الذي يأتي أسود أبقع تمامًا، والحدأة تكون أضخم وأكبر، وجناحها أيضًا كبيرة، وأيضًا المشهورة بخطف الأمتعة، تخطف معك صيد، معك شيء، ربما تأتي وتأخذه منك وترتفع به. فهذا تسمى الحدأة. فهذا لا بأس أن تقتل، ولو في الحرم، ولو في الحرم. قال: والعقرب. العقرب لكونه مضرًا ومؤذيًا ولاذغًا، يلدغ فيؤذي، فأمرنا بقتله. وكذلك الفأرة؛ لأنها كذلك تؤذي وتفسد الطعام وكذلك الأمتعة ونحو ذلك. والكلب العقور. الكلب العقور يعني الكلب الذي يعقر، بمعنى يضر بأخذه للحيوانات، للأغنام، يعني المتوحش الذي يأكل الأغنام، يأكل الدجاج، يأكل الأرانب، يأكل ممتلكات الناس، صار يعني متوحشًا مثل الأسد. طيب، فهذا أيضًا الكلب يقتل، ولو في الحرم، ولو في الحرم. وتحديد الكلب هنا بالعقور، مفهوم المخالفة أنه إذا لم يكن عقورًا فلا يقتل. إذا لم يكن عقورًا فلا يقتل، لا في الحل ولا في الحرم، ولا في الحرم. فمثلا في هذه الأيام يشتكي بعض الناس من بعض الكلاب، ربما تأكل الأغنام أو تريد أن تهجم على الأطفال. هذا وجد، كم من كلب عقر طفلًا لكون الطفل لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، فربما نهش الطفل. فمثل هذا لا شك أنه كلب عقور، فهذا يقتل، هذا يقتل لضرره، لضرره. وهنا الشارح قسم الكلاب إلى ثلاثة أقسام: عقور: فهذا يجب قتله لأن مضرته واضحة وظاهرة. كلب أسود: فهذا أبيح لنا قتله، وأنه شيطان. طيب، فهذا يباح قتله ولا يجب، لكن يباح، من قتله فلا شيء عليه. هذا الكلب الأسود الخالص الذي ما فيه لون آخر. طيب، فهذا جاء أنه يقتل كما صح في ذلك الحديث. وهناك كلاب ليست بهذين الوصفين، ليست عقورة ولا سوداء. فهنا يحرم قتلها إلا إذا آذت، إلا إذا آذت. آذت بمعنى كما تقدم، يعني ولو لم يكن عقورًا. يعني مثلا هذا الكلب يوسخ الأماكن، يبول في مكان طريق الناس، أو يبول في مداخل المساجد، أو مداخل البيوت، أو نحو ذلك. فإذا لم يتم دفعه إلا بقتله فيجوز. يعني ما يستطاع أن يذهب به مكان آخر، أو أن يطرد من هذا المكان، كل ما طرد جاء، كل ما طرد جاء، فهذا لا بأس من قتله لأذيته. ومثل ذلك الهرة. الهرة إذا كانت مؤذية، وكلما أخذت مكانًا بعيدًا رجعت، فتتغوط في الفرش، وتبول في يعني الغرف ونحو ذلك. فأولاً تدفع بالأدنى، تدفع بالأدنى، كأن مثلا يعني تأخذ مكانًا بعيدًا ونحو ذلك. فإذا ذهبت، الحمد لله. إذا ما ذهبت وتعب أهل البيت في يعني أخذها، فحينئذ يجوز قتلها لأذاها، يجوز قتلها لأذاها. وهكذا الكلب، وهكذا الكلب. ففرق بين الأذى وبين الضرر بمعنى العقر. فالعقر هذا فيه ذهاب أنفس وذهاب مال. أما الأذى ففيه التأفف والمضرة من حيث ما يكون منها من أوساخ أو من نجاسات أو من أغذار أو نحو ذلك. فهذا لا بأس، يجوز قتلها حينئذ. والقتل آخر الحل، آخر الحل. لكن أولاً يتدرج معها بما هو أدنى، مثل الصائل، مثل الصائل الذي يهجم عليك من البشر، فأنت تدافعه بالأدنى فالأدنى. فإذا لم يندفع فلا بأس من قتله، أو من ضربه، أو نحو ذلك. وهذا مثله، وهذا مثله. وبهذا نكون قد انتهينا من كتاب الحج. وفي الدرس القادم إن شاء الله نبدأ في باب الهدي والأضحية والعقيقة، إن شاء الله تعالى. نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.