الدرس في كتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بها 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول هذا المحور فضائل صدقة التطوع التي تجبر نقص الزكاة الواجبة وتوسع في المصارف كبناء المساجد وإفطار الصائمين. كما يبين آدابها ويستدل بأحاديث نبوية تحث على الصدقة من كسب طيب وأن الله يتقبلها بيمينه ويربيها لصاحبها.
يشرح المحور كيف يربي الله الصدقة ويكثرها كما يربي الإنسان فلوه حتى تصير مثل الجبل. ويذكر أحاديث في أن الصدقة تطفئ غضب الرب وتقي ميتة السوء ولا تنقص المال بل تنميه وتزكيه بدعاء الملكين للمنفق.
يستعرض المحور فضل الصدقة من خلال قصة الشاة مع عائشة رضي الله عنها مبيناً أن ما يُنفق يبقى لصاحبه يوم القيامة. ويختم بآداب المعطي وحديث أبي هريرة في أفضل الصدقة ما يُعطى والصحيح شحيح يخشى الفقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً وغاركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله في كتابه "مختصر منهاج القاصدين": "فصل في صدقة التطوع وفضلها وآدابها". وهذا من رحمة الله عز وجل بهذه الأمة؛ إذ فرض عليهم فرائض، وشرع لهم سنناً ومستحبات. فمن فوائد هذه السنن والمستحبات: جبر النقص الحاصل في الفريضة، فجعل نوافل للزكوات. فنوافل الصلوات تجبر النقص الحاصل في الفريضة، وهكذا مستحبات الصدقة تجبر النقص الحاصل في الزكاة. وهكذا بالنسبة لزكاة التطوع أو صدقة التطوع فيها فائدة أخرى، وهي أن مصارف الزكاة الواجبة محصورة محدودة، لا يجوز أن يخرج عنها، بخلاف صدقة التطوع فإنها أوسع في المصارف من الزكاة الواجبة. فمثلاً: الزكاة الواجبة لا يجوز أن تبني بها مسجداً، أو أن تفطر بها الصائمين؛ لأن هذه الأشياء ليست من مصارفها. ولكن صدقة التطوع تستطيع أن تفعل هذه الأعمال: تفطر الصائمين، هذه من صدقة التطوع، تبني مسجداً لله عز وجل، وما يحتاج من كماليات كالأفرشة أو التكييف أو الإنارة أو نحو ذلك، هذا كله يدخل من باب صدقة التطوع، لكن ما تستطيع في الزكاة أن تصرفها في هذه المصارف. فإذن هذه فائدة أخرى من فوائد صدقة التطوع. ولذلك جاء في فضلها الأحاديث الكثيرة. وهناك فائدة أخرى أيضاً في صدقة التطوع، وهو سد حاجات المسلمين. فلو قلنا لذوي الأموال: عليكم الزكاة وليس عليكم صدقة مستحبة، لأخرجوا الأموال الواجبة وأمسكوا أموالهم من أن تصرف في الصدقات المستحبة. لكن لو إنسان عنده أموال كثيرة، عنده ملايين، زكاته مثلاً مئة مليون، وهو عنده ربما مليارات أو أكثر من ذلك، وهو يريد الخير، يريد أن ينفق في سبيل الله، فنقول له: ما أخرجته زيادة على الزكاة الواجبة فهو زكاة مستحبة، زكاة التطوع، تنال أجرها وتظهر بفضلها مما جاء في الأحاديث الكثيرة في فضلها. فهذا أيضاً فائدة ثالثة من فوائد مشروعية صدقة التطوع والحث عليها، وهو التيسير على المسلمين. التيسير على المسلمين. فلذلك جاء في فضلها الأحاديث الكثيرة. قال: "وأما فضائل الصدقة فهي كثيرة مشهورة". منها ما روى البخاري من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟» وهذا من أساليب التعليم أن تطرح المسألة بصيغة السؤال حتى تعلق في الأذهان. فالنبي عليه الصلاة والسلام سأل الصحابة هذا السؤال: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟» لا شك أن كل إنسان ماله أحب إليه من أي مال. فماذا كان جواب الصحابة؟ قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه. فقال عليه الصلاة والسلام: «فإن ماله ما قدم، يعني ما أنفق وما تصدق به، وما لوارثه ما أخر». وهذا فيه حث واضح على صدقة التطوع. قال: وفي الصحيحين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل». ومعنى الحديث: من تصدق بعدل تمرة، يعني بمثل تمرة، ولو كان شيئاً يسيراً، وكما جاء في الحديث الآخر: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، لا تستصغر من أمور الخير شيئاً، ومن أمور الصدقات شيئاً، ولو كان شيئاً يسيراً، شيئاً قليلاً. فقال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «من تصدق بعدل تمرة»، يعني بمثل تمرة، بما يعادل ثمنها أو ما يعادل قيمتها، «من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب»، يعني من مال حلال، لا حرام فيه ولا شبهة، «فإن الله يتقبلها بيمينه»، يعظم ربنا عز وجل هذه الصدقة ويضاعف أجرها سبحانه وتعالى، ولذلك قال: «يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها»، يعني ينميها له ويكثرها له، «كما يربي أحدكم فلوه»، والفلو هو المهر من الحصان، بضم الميم، والمهر يعني ولد الحصان الصغير، ولد الحصان الصغير. وهذه اللفظة جاءت فيها لغتان: بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو "فلو"، وجاءت فيها لغة أخرى وهو كسر الفاء وسكون اللام وتخفيف الواو "فِلْو"، فيجوز هذا وهذا. فالشخص إذا رزق بمثل هذا الحيوان الصغير فإنه يعتني بتربيته، يعتني بتربيته حتى يكبر وينمو. فالله عز وجل يربي هذه الصدقة ويكثرها كما يربي أحدكم فلوه. وفي رواية: «أو فصيله»، والفصيل هو ابن الناقة الصغير الذي يفصل من رضاعة أمه، من رضاعة أمه. قال العلماء: لماذا لم يقل: كما يربي أحدكم ولده؟ أيضاً الإنسان يعتني بتربية ولده. لماذا قال فلو ولم يقل فلو ولم يقل ولده؟ قال العلماء: لأن الولد أحياناً تربيه ولا تنتفع به، صح، يكون عاقاً عاصياً متمرداً، يدخل عليك الشرور والبلايا والمحن والفتن، لا تنتفع منه. فناسب أن لا يذكر الولد هاهنا. وأما هذه الحيوانات فالغالب، الغالب أنه ينتفع بها إذا لم تمت. فلذلك ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام هنا. قال: «كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل». انظر: تمرة تتصدق بها، يكثرها لك ربك سبحانه وتعالى ويربيها حتى تكون مثل الجبل. فلا تستهين بشيء من أمور الخير ومن أمور الصدقات. قال: وفي حديث آخر: «إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتقي ميتة السوء». وهذا الحديث رواه الترمذي وحسنه العلامة الألباني كما في صحيح الترمذي، جاء من حديث ابن مسعود، وجاء من حديث ابن عباس، وأيضاً ذكره العلامة الألباني في الصحيحة. فقوله: «إن الصدقة لتطفئ غضب الرب»، من أسباب رضا الله عز وجل عنك وعدم سخطه عليك: الصدقة، الصدقة. وهكذا «تقي ميتة السوء»، يعني تمنع من ميتة السوء، أن تموت على معصية، أن تموت ميتة لا تغبط عليها، وإنما الصدقة تكون سبباً لحسن الخاتمة، لحسن الخاتمة. قال: وفي حديث آخر: «تصدقوا، فإن الصدقة فكاككم من النار». وهذا الحديث رواه أبو نعيم في الحلية، وضعفه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة. قال: وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما يخرج أحد شيئاً، وما يخرج أحد شيئاً من الصدقة حتى يفك عنه لحيي سبعين شيطاناً». وهذا الحديث رواه أحمد والحاكم، وضعفه العلامة الألباني كما في الضعيفة. قال: وروي أن راهباً تعبد في صومعة ستين سنة. قوله "رويا" كأن هذا من أخبار بني إسرائيل. قال: أن راهباً تعبد في صومعة ستين سنة، ثم نزل يوماً ومعه رغيف، يعني خبز، فعرضت لهم رأة، يعني تعرضت له في طريق، فتكشفت له، يعني فتنته، فوقع عليها، أي زنى بها. فأدركه الموت وعلى تلك الحال، يعني جاءته مقدمات الموت، وجاء سائل فأعطاه الرغيف ومات، يعني وهو لا يزال ينازع سكرات الموت، وكان الرغيف معه تصدق به على هذا، على هذا السائل، فمات بعد ذلك. قال: فجئ بعمل ستين سنة فوضع في كفة، وخطيئته في كفة، فرجحت كفة عمله، حتى جئ بالرغيف فوضع مع عمله، فرجح بكفة خطيئته. وهذا الله أعلم هو من أشبه ما يكون من أخبار بني إسرائيل. قال: وفي أفراد مسلم، يعني مما تفرد به مسلم عن البخاري، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما نقصت صدقة من مال». وهذا فيه رفع للوهم الذي قد يتوهمه، قد يتوهمه المتصدق بماله، أن ماله ينقص عندما يخرج منه. أبداً، بل كلما أخرجت صدقة من مالك كلما كثر وزاد مالك من حيث لا تحتسب، من حيث لا تحتسب. فما نقصت صدقة من مال. فالصدقة تنمي المال وتزكيه، كما قال الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، وتزكيهم بها. وهذا مجرب: كلما أمسك الإنسان كلما نقص ماله، وربما أتلف. ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وينزل ملكان، يقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً. هكذا قال عليه الصلاة والسلام. فالمال يبقى ويزيد ويتكاثر كلما أكثرت من الصدقة، وينقص ويتلف وتذهب بركته كلما أمسكت هذا المال. قال: وروي عن عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بقي منها؟» يعني: وزعوا، ذبحوها ووزعوا صدقة من هذه الشاة، وزعوا صدقة من هذه الشاة. فسألها النبي عليه الصلاة والسلام: «ما بقي منها؟» ماذا أبقيتم لنا من هذه الشاة نأكله؟ فماذا كان جواب عائشة؟ قالت: «ما بقي منها إلا كتفها»، ما بقي إلا الكتف فقط، وباقي هذه الشاة كله أخرج صدقة. فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «بقي كلها إلا كتفها»، بقي كلها إلا كتفها. لأن الذي أخرجته هو الذي يبقى، الذي تنفقه هو الذي يبقى لك ذخراً يوم القيامة، وأما الذي تأكله وتنفقه في هذه الدنيا فإنه يذهب ولا يبقى. هذا لشك أن فيه حثاً أكيداً على الصدقة. قال: «وأما آدابها»، يعني آداب الصدقة، فنحو ما تقدم في الزكاة، وقد أخذنا هذا من آداب المعطي والمعطى، المعطي والمعطى، فأغنى ذلك عن الإعادة. قال: واختلفوا: أيما أفضل للفقير أن يأخذ من الزكاة أو من الصدقة؟ وذلك عند المشاحة، ومع المشاحة، يعني يسد حاجته إما بالزكاة وإما بالصدقة، يعني صدقة التطوع. فأيهما أفضل أن يأخذ؟ قال: فقال قوم: من الزكاة أفضل. وقال آخرون: من الصدقة أفضل. والأمر في هذا واسع، والله تعالى أعلم، سواء أخذ من الزكاة أو أخذ من الصدقة. قال: «وَأَمَّا أَفْضَلُ»، يعني ما هو أفضل ما تتصدق به، وأي حال أفضل حال تتصدق فيها. قال: «وَأَمَّا أَفْضَلُ أَفْضَلُ الصَّدَقَةَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ». صحيح: يعني ما تعاني من مرض، لأن المريض ربما، المريض ربما ينفق لأنه يقول: لك أنا الآن شارفت على ماذا؟ شارفت على الموت، فإذا لا أحتاج إلى هذا المال سيأخذه ورثتي، إذن أقدمه أمام وجهي. لكن لما تكون صحيحاً تكون عندك مشاريع ما شاء الله، لا، هذا المال أنا أتدبره وأبيع المشروع كذا وأذهب كذا وأفعل كذا، فتشح بمالك وتبخل بالمال. لكن عندما تكون مريضاً سرعان ما تنفق. لذلك قال: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ». ومعنى شحيح: معك مال قليل، ما معك مال كثير، تتوكل على الله وتعلق قلبك بالله، وتعطي من هذا المال لمن يستحق، ولمن هو أدنى منك حالاً. فهذه أفضل الصدقة. ولذلك قال: «تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمَلُ الْغِنَى». الشحيح يخشى الفقر لأن ما عندك مال، وتأمل الغنى، ترجو أن الله عز وجل يخلفك خيراً بما أنفقت من هذا المال القليل. قال: «وَلَا تُمْهِلْ»، يعني لا تؤخر الصدقة، «حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ»، يعني حتى إذا ظهرت علامات الموت ومقدمات الموت، فهذا معنى قوله: «وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ»، يعني تتصدق من هذا المال أنك تعلم أنك راحل من هذه الدنيا عن قريب. لا، ليست هذه أفضل الصدقة. أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح وشحيح، يعني معك المال القليل، تتصدق بهذا المال وأنت ربما تخشى الفقر، ولكنك تأمل الغنى، وتعلق قلبك بالله عز وجل. هذه أفضل الصدقة. والكلام يطول في ذكر حديث الصدقة والحث عليها، ولكن حسبنا ما ذكر المؤلف هاهنا من الأحاديث الصحيحة. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يجعل علمنا هذا حجة لنا لا علينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر