الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يعلن المحاضر عن الشروع في دراسة كتاب أعلام السنة المنشورة للشيخ حافظ الحكمي، مقدماً ترجمة مختصرة للمؤلف الذي توفي شاباً بعد أن خلف تراثاً واسعاً. يستعرض مقدمة الكتاب التي استهلها المؤلف بتعظيم الله وإثبات التوحيد والنبوة والثناء على الصحابة والتابعين.
يبرر المؤلف مدح كتابه بأنه حث على النفع الشرعي لا كبراً، مستشهداً بيوسف عليه السلام. يوضح أن الكتاب يركز على أصول التوحيد وقواعد الدين مع إيراد الأدلة والاقتصار على مذهب أهل السنة.
تقتضي الشريعة بيان الحق مع تفصيل الباطل وتحذير الناس منه، لكن المؤلف اقتصر على بيان الحق للاختصار وسلامة الفطرة. اعتمد أسلوب السؤال والجواب اقتداءً بالمنهج النبوي وسمّى الكتاب أعلام السنة المنشورة.
أعلن المحاضر انتهاء مقدمة المؤلف، مبيناً أن الدرس القادم سيبدأ بشرح أول سؤال من الرسالة. وختم الجلسة بالبسملة والدعاء.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فكما هو معلوم قبل شهر رمضان، بفضل الله عز وجل وتوفيقه وإعانته، انتهينا من كتاب "نعم التقسيم والتقعيد لكتاب التوحيد". وبما أننا قد انتهينا من ذلكم الكتاب، سنشرع إن شاء الله تعالى في هذه الفترة في كتاب جديد من كتب أهل العلم لما يتعلق بالاعتقاد بالتوحيد، وهو كتاب "إعلام" أو "أعلام السنة المنشورة في اعتقاد الطائفة المنصورة". وهذا الكتاب عبارة عن سؤال وجواب في مسائل تتعلق باعتقاد أهل السنة والجماعة، وقد أورد فيه المؤلف وهو الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله تعالى، أودع فيه مئتي سؤال وجواب. وقد اعتنى العلماء بهذا المؤلف، فقاموا بشرحه، وقاموا كذلك ببيان معانيه وكذلك أحكامه. ومن أنفس تلك الشروح شرح الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز بن عثمان سندي حفظه الله تعالى، وهو من العلماء المعاصرين. فإن شاء الله تعالى بمثل هذا الوقت بعد صلاة العصر نتدارس وإياكم هذا الكتاب، ونستفيد من شرح الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي حفظه الله تعالى. أولاً: ترجمة مختصرة عن المؤلف، وهو حافظ بن أحمد حكمي رحمه الله تعالى. فهذا الشيخ من مواليد اثنين وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، فتقريباً منذ أن ولد قرابة المئة سنة، مئة سنة وهو يزيد. وتوفي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة وألف، وهو من العلماء الذين لم يعمروا، فمات شاباً، توفي وعمره خمسة وثلاثون سنة، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. ومع قصر عمره فقد حاز علماً جماً، وحصل خيراً عظيماً في فنون العلم، رحمه الله تعالى، فقد بلغ عند أهل العلم شأناً عظيماً، فصنف المصنفات النافعة في شتى الفنون الشرعية: ألف في الاعتقاد، وفي الفقه وأصوله، وفي السيرة، وفي المصطلح، وفي الحديث، وفي الآداب، وفي الرقائق، وغيرها من فنون العلم. بل ألف نثراً وشعراً، فكان يجيد الشعر، رحمه الله تعالى. وهذه الرسالة التي بين أيدينا هي إحدى تلك المصنفات، وقد قيل إنه صنف وألف هذا الكتاب وعمره ثلاثة وعشرون عاماً، يعني وهو شاب صغير، رحمه الله تعالى. وقد ألف من الرسائل ما هو قبل هذا السن، ألف من الرسائل وهو قبل هذا السن. وأما هذا الكتاب فكما تقدم تضمن مئتي سؤال وجواب في الاعتقاد، وهي رسالة شاملة جمعت مسائل الاعتقاد، وأيضاً تناولت إن لم نقل كل أبوابها فجميعها، أو فأغلب أبوابها، أغلب أبوابها. قال الشيخ حافظ رحمه الله تعالى في مقدمته: «بسم الله الرحمن الرحيم. مقدمة: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده، ثم أنتم تمترون. وهو الله في السماوات وفي الأرض، يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. بل له ما في السماوات والأرض، كل له قانتون. بديع السماوات والأرض، وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون. لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون. وعلى التابعين لهم بإحسان الذين لا ينحرفون عن السنة ولا يعدلون، بل إياها يقتفون وبها يتمسكون، وعليها يوالون ويعادون، وعندها يقفون، وعنها يذبون ويناضلون، وعلى جميع من سلك سبيلهم وقف أثرهم إلى يوم يبعثون». هذا يسميه العلماء براعة الاستهلال. فاستهل المؤلف رحمه الله تعالى كتابه بهذه المقدمة الماتعة النافعة التي بين فيها مراده من تأليف هذه الرسالة، وهو تحقيق التوحيد وبيان العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مسلم أن يعتقدها. فبدأ هذه المقدمة بتعظيم الله والثناء عليه سبحانه وتعالى بأنه المستحق للعبادة لأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي يقنط له كل شيء، والذي أبدع السماوات والأرض، فمن هذه أوصافه فهو المعبود بحق سبحانه وتعالى. وبين ضلال وزيغ أهل الشرك والكفر الذين أشركوا بالله، فسبح الله عز وجل ونزهه عما يقولون وعما يشركون. ثم ثنى بالإقرار بالشهادة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وأن الله عز وجل بعثه بالهدى ودين الحق. وهذه العقيدة التي يجب على كل مسلم أن يعتقدها وأن يدين الله عز وجل بها، وأن الله عز وجل ما أرسل رسله ولا أنزل كتبه إلا من أجل إظهار دينه وتوحيده وإفراده بالعبادة سبحانه وتعالى، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره من خالف هذه العقيدة الصحيحة. ثم بعد ذلك وبعد أن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا على أصحابه ومن تبعهم ممن أخذوا بهذه العقيدة، الذين قضوا بالحق وبه يعدلون، وهكذا على التابعين الذين لم يحرفوا عن السنة وعن العقيدة الصحيحة وما عدلوا عنها، بل اقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في اعتقادهم وفي سلوكهم وفي موالاتهم ومعاداتهم، فوالوا أهل التوحيد وعادوا أهل الشرك، ودافعوا عن هذه العقيدة، دافعوا عنها وذبوا عنها وناضلوا من أجلها، فقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الدفاع عن هذه العقيدة الصافية النقية حتى أوصلوها إلينا غضة طرية. فهذه مقدمة نافعة، وفيها من براعة الاستهلال. ثم قال رحمه الله تعالى: «أما بعد، فهذا مختصر جليل نافع عظيم الفائدة، جم المنافع». قد يقول قائل: الآن المؤلف يمدح نفسه، يمدح مؤلفه ويصفه بأنه جليل وأنه نافع وأنه عظيم الفائدة وأنه جم المنافع. والجواب على ذلك: أن مدح العبد لنفسه أو لعمله ينقسم عند أهل العلم إلى قسمين. القسم الأول: المدح الذي يصحبه الفخر والعجب والكبر ونحو ذلك من تلك الأمراض التي تفتك بقبول الأعمال، فهذا هو المدح المذموم. أما المدح الثاني أو النوع الثاني من أنواع المدح: إذا كان هذا المدح لتحقيق مصلحة شرعية، وأراد المؤلف من هذا المدح لمؤلفه أن يحث طلاب العلم على الاستفادة منه لأنه حوى المعتقد الصحيح والمنهج القويم، فلا شك أن مقصده من مثل هذه العبارات هو الحث والترغيب، ترغيب الطلاب في الإقبال على هذا الكتاب، لا لكونه ألفه، وإنما لما في هذا الكتاب من العلم النافع والاعتقاد الصحيح ونحو ذلك من هذه المقاصد الجليلة. وهذا النوع جاء في القرآن والسنة، ولذلك حمل أهل العلم قوله سبحانه وتعالى عن يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. هل يوسف مدح نفسه؟ نعم مدح نفسه، ولكن هذا من المدح المحمود، لأن يوسف أراد بهذا عليه السلام أن يحفظ خزائن الأرض وأن ينفع الناس في تدبيره وفي سياسة هذه الخزائن، لما أعطاه الله عز وجل من المؤهلات للقيام بهذه المهمة العظيمة، ألا وهو العلم والأمانة. فقوله: ﴿حَفِيظٌ﴾ أي لما استودعتني عليه، و﴿عَلِيمٌ﴾ أي عليم بما يصلح هذا المال أو تلك الخزائن. فلم يقل ذلك على سبيل حب الملك أو حب الرئاسة أو من أجل غرض من أغراض الدنيا، وإنما قال ذلك من أجل أن ينفع الناس وأن يحفظ تلك الخزائن. ثم قال المؤلف: «يشتمل على قواعد الدين، ويتضمن أصول التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأنزلت به الكتب، لا نجاة لمن بغيره يدين، ويدل ويرشد إلى سلوك المحجة البيضاء ومنهج الحق المستبين». فبينا محتوى هذا الكتاب، وأنه لا يتحدث عن أمور الصلاة أو الطهارة أو الأخلاق أو الآداب، وإنما يتحدث عن العقيدة وعن التوحيد، فهو يشتمل على قواعد الدين ويتضمن أصول التوحيد. ولا شك أن هذا التوحيد لا نجاة لمن بغيره يدين، من لم يعمل بهذه القواعد وهذه الأصول فإنه يكون والعياذ بالله من أهل الهلاك ومن أهل النار. نعم، فمن لم يحقق العقيدة الصحيحة ومن لم يحقق التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى فلا نجاة له، وسيأتي في هذه الرسالة ما يدل على ذلك. قال: «شرحت فيه أمور الإيمان وخصاله، وما يزيل جميعه أو ينافي كماله». يعني بعض هذه التي بينّها، من لم يعمل بها ومن لم يعتقدها ذهب جميع إيمانه، فصار من الكافرين. وبعض ما في هذه الرسالة من لم يعمل بها أو يعتقدها فيذهب ماذا؟ كمال إيمانه، كمال إيمانه. فهناك أعمال تزيل جميع التوحيد، وهناك أعمال تزيل بعض التوحيد ولا تخرج صاحبها من الملة، وهذا سيأتي بيانه إن شاء الله في هذه الرسالة. قال: «وذكرت فيه كل مسألة مصعوبة بدليلها»، يعني من القرآن أو من السنة، وهذا هو العلم، وهذا ما امتاز به هذا الكتاب، ليس مجرد جواب بدون التدليل عليه وبدون ذكر أدلته من الكتاب والسنة، بل يجيب على السؤال ويذكر دليله. قال: «ليتضح أمرها وتتجلّى حقيقتها، ويبين سبيلها، حتى يأخذ المسلم عقيدته عن علم وبرهان، عن علم وبرهان». قال: «واقتصرت فيه على مذهب أهل السنة والاتباع، وأهملت أقوال أهل الأهواء والابتداع، إذ هي لا تذكر إلا للرد عليها وإرسال سهام السنة عليها، وقد تصدّى لكشف عوارها الأئمة الأجلة، وصنفوا في ردها وإبعادها المصنفات المستقلة». يريد بهذا أنه لا يتوسع في الجواب، إنما يقتصر على بيان الجواب الصحيح دون ذكر أقوال المخالفين بعقيدة أهل السنة، كمثلاً الجهمية والمعتزلة والرافضة والأشاعرة والماتريدية ومن نحوهم ممن ضل في مسائل في باب الاعتقاد. وأفادنا المؤلف بهذا أن تأليف أهل العلم في العقيدة على قسمين: القسم الأول: من يقتصر على بيان عقيدة أهل السنة دون التطرق لأقوال المخالفين، وهذا ما نحا أو هذا ما مشى عليه المؤلف في هذه الرسالة. ومن أهل العلم من يذكر اعتقاد أهل السنة ويذكر أقوال المخالفين لا لتقريرها وإنما للرد عليها، وهذا تجده في المطولات من مؤلفات أهل العلم، كمؤلفات شيخ الإسلام -وكأنه يعني يشير إلى كتب شيخ الإسلام ابن تيمية- فقد رد على جميع الطوائف من المعتزلة ومن الماتريدية والأشاعرة والجهمية والرافضة والصوفية، فله المؤلفات الكثيرة والرسائل كذلك المتعددة في الرد على المخالفين لأهل السنة والجماعة في العقيدة. قال: «مع أن الضد يعرف بضده، ويخرج بتعريف ضابطه وحده». ويريد بهذا أنه لا يغفل طالب العلم عن القسم الثاني من أقسام المؤلفات، وهو المؤلفات التي تذكر أقوال المخالفين والرد عليها. لا يقول قائل مثلاً: أنا لا أقرر إلا عقيدة أهل السنة، أما الأقوال الباطلة أو الأشياء التي تخالف عقيدة أهل السنة فلا ينفع أو لا يفيد أن نذكرها أو أن نرد عليها أو غير ذلك، فهذا منهج غير صحيح، هذا منهج غير صحيح. يقال: نعم بعض المؤلفات اكتفت ببيان عقيدة أهل السنة، وهذا لمن سلمت فطرته، لمن سلمت فطرته وابتعد عن شبه المخالفين، فهذا نقرر له، نقرر له عقيدة أهل السنة وكفى. نعم، ولنا أن نبين له في بعض المواضع أقوال المخالفين من أجل أن يحذرها، من أجل أن يحذرها. فليس لنا أن نقول كما يقول بعضهم: نحن نقرر الحق وتقرير الحق كاف في رد الباطل. لا، هذا ليس بصحيح، بل من مقاصد الشريعة ومن حكم إنزال القرآن أن يستبين الباطل، أن يستبين الباطل حتى يحذر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾، أي لتظهر طريق المجرمين المبطلين الكافرين المشركين المنحرفين ونحو ذلك ونحو ذلك. فلا نقف عند بيان الحق أو عند بيان الحق فحسب، بل لا بد من بيان الحق بتأصيله، ولا بد أيضاً من الرد على الباطل وبيان الباطل وبيان عواره على التفصيل أيضاً، وبهذا يحفظ الدين. وهذا معنى قول المؤلف ها هنا: «وصنفوا في ردها وإبعادها المصنفات المستقلة، مع أن الضد يعرف بضده ويخرج بتعريف ضابطه وحده». بمعنى أن هذه الكتب، كتب الردود على المخالف، لا يستغنى عنها، لا يستغنى عنها، فلا يعرف التوحيد إلا إذا عرف الشرك، ولا تعرف السنة إلا إذا عرفت البدعة. وكما قال القائل: «وبضدها تتبين الأشياء». وكما قال صاحب القصيدة اليتيمة: «الوجه مثل الصبح مبيض، والشعر مثل الليل مسود، ضداني لما استجمعا حسنا، والضد يظهر حسنه الضد». فانظر الآن: الوجه إذا كان أبيض والشعر إذا كان أسود، هذا غاية جمال الإنسان، صح. لكن إذا كان وجهه أسود وشعره أبيض، هذا شيب، هذا يعني شكله يعني الناس يتعجبون، يعني ربما يعني يكون صورته غير حسنة، أو العكس: عنده مثلاً وجه أسود نعم وشعر أسود، كله أسود، أو وجه أبيض وشعر أبيض، كله أبيض، هذا لشك أنه خلاف الحسن. ومثله الليل والنهار: لولا بياض النهار لما عرف سواد الليل، لما عرف سواد الليل. والأمر كما قال القائل أيضاً: «عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه، ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه». فإذا لا بد مع بيان الحق من بيان الباطل، وهذا فيمن يعني تعرض عليه مثل هذه الشبه ويخاف عليه من الوقوع في الشر، فهنا لا بد من بيان الحق له. وتعرفون حديث حذيفة بن اليمان في المسلم، لما قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، مخافة أن يدركني. يعني ليس يسأل عن الشر من أجل أن يعمل بالشر حاشاه، وإنما يسأل عن الشر من أجل أن يجتنبه ويبتعد عنه. وهكذا أهل السنة لما يؤلفون في العقيدة يبينون شبه المخالفين، وما أكثر في هذا الزمان، وما أكثر في هذا الزمان. لكن المؤلف في هذا المصنف اقتصر على بيان الحق لأنه رسالة مختصرة، ولم يتطرق لشبه المخالفين والرد عليها، هذا معنى كلامه. قال: «فإذا طلعت الشمس لم يفتقر النهار إلى استدلال، إذا طلعت الشمس هل واحد يقول جاء النهار أو ما جاء النهار؟ خلاص الشمس هذا دليل، الشمس هذه دليل، نعم. وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل». نعم. قال: «وإذا استبان الحق واتضح فما بعده إلا الضلال». يعني من عرف الحق بدلائله تبين له الضلال، وكما قال الله عز وجل: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾. فما ثمة إلا أمران: إما حق وإما باطل، إما هدى وإما ضلال. فمن اتضح له الحق تبين له الباطل وتبين له الضلال. هذا معنى كلامه، ولذلك اقتصر على بيان الحق لأن المؤلف هنا يخاطب من سلمت فطرته، من سلمت فطرته من طلاب العلم. قال: «ورتبته على طريقة السؤال ليستيقظ الطالب وينتبه، ثم أردفه بالجواب الذي يتضح الأمر به ولا يشتبه». وهذه مسلك نبوي، وكذلك أسلوب من أساليب التعليم النبوي، سلكه نبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، منها على سبيل المثال: سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟» هذا العلم، هذا العلم طرحه النبي صلى الله عليه وسلم على صورة السؤال، ما باشر معاذاً بقوله: يا معاذ اعلم أن حق الله على العباد يعبده ولا يشرك به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً. لا، ما ابتدأه بالجواب، وإنما عرض عليه هذا العلم على صورة ماذا؟ السؤال. وهذا أسلوب من أساليب التعليم، لأن فيه كما ذكر المؤلف: ليستيقظ الطالب وينتبه، لما تسأل يركز الطالب وينتبه ويتشوق للجواب، إذا لم يكن عنده جواب، إذا لم يكن عنده جواب تشوق الطالب للجواب، فهذا التشوق يجعله منتبهاً، يجعله كذلك متشوقاً لهذا الجواب. وكذلك لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب عن أعظم آية في القرآن، عن أعظم آية في القرآن. وهكذا لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة عن أسعد الناس بشفاعته. وهكذا لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة عن الشجرة التي تشبه المسلم. كل هذا من هذا الباب، وهو عرض العلم على صورة السؤال. فنحا المؤلف في هذه الرسالة هذا المنحى، وعرض هذه العقيدة على صورة السؤال أولاً ثم الجواب. قال: «وسميته أعلام السنة المنشورة، والأعلام من العلم وهو الشيء المرتفع، الشيء المرتفع، فالسنة ظاهرة، هذا من ظهور السنة، السنة ظاهرة، وكذلك منشورة مبثوثة بين الأنام، وهذه السنة فيها اعتقاد الطائفة الناجية المنصورة، كما جاء في الحديث، وكما سيختم هذه الرسالة بالسؤال عن هذه الطائفة الناجية والمنصورة». قال: «والله أسأل أن يجعله ابتغاء وجهه الأعلى، وأن ينفعنا بما علمنا ويعلمنا ما ينفعنا، نعمة منه وفضلاً، إنه على كل شيء قدير، وبعباده لطيف خبير، وإليه المرجع والمصير، وهو مولانا فنعم المولى ونعم النصير». وبهذا انتهت مقدمة المؤلف رحمه الله تعالى، وسيشرع فيما بعد في أول سؤال من هذه الرسالة، فنأخذ ذلك إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى.