الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 220، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع أصول أهل السنة والجماعة في صاحب الكبيرة: الذنوب عظيمة وتُنقص الإيمان لكن لا تكفر، وصاحب الكبيرة مؤمن في الدنيا، وفي الآخرة أمره تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وإن عذب فلا يخلد في النار. ويبين أن المؤلف بدأ جوابه بآيات الحساب والميزان لأن مصير العصاة يُحدَّد بعد وزن الأعمال.
يستعرض المؤلف أدلة القرآن والسنة على وقوع الحساب والميزان يوم القيامة، مبيناً أن مصير الناس يتحدد بوزن أعمالهم؛ فمن ثقلت موازينه فهو من المفلحين، ومن خفت فهو من الخاسرين. ويوضح الفرق بين الحساب اليسير للمؤمن الذي يُمرر عليه أعماله مروراً، والحساب العسير للكافر والفاسق الذي يُناقش في كل صغيرة وكبيرة.
يشرح المقطع تفاوت أحوال الناس في يوم القيامة من حيث الظل والميزان والصراط والحساب، ويربط ذلك بتفاوتهم في الطاعة والمعصية في الدنيا، مبيناً أصناف المؤمنين الثلاثة: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات. ويؤكد أن المنهج الصحيح في فهم النصوص هو فهم السلف الصالح، وأن الانحراف سببه مخالفة هذا الفهم.
أشار الشيخ إلى أن تفصيل طبقات العصاة من أهل التوحيد سيتم في الدرس القادم، ثم ختم الدرس الحالي لانتهاء الوقت.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. وبعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الرابع والتسعون بعد المئة: ما حكم من مات من الموحدين مصرا على كبيرة؟ انتقل المؤلف رحمه الله إلى الكلام عن حكم من مات من عصاة الموحدين، أو بعبارة أخرى: حكم مرتكب الكبيرة. وقبل الشروع في جواب المؤلف، حتى نفهم مراده، نحب أن نذكر بعض القواعد التي تتعلق بهذا السؤال. فمعتقد أهل السنة والجماعة في هذه المسألة تتلخص في أربعة أمور: الأمر الأول: يعتقد أهل السنة والجماعة أن الذنوب والكبائر عموما ذات خطر عظيم، وصاحبها قد نقص إيمانه وتوحيده، فالمعاصي بريد الكفر، فلا يستهان بها، ولا يتكل العبد فيها على رحمة الله أو على مشيئة الله، لأن أمرها خطير في الدنيا وكذلك في الآخرة. الأمر الثاني: من معتقد أهل السنة والجماعة في هذا الباب أن صاحب الكبيرة لا يكفر في الدنيا، خلافا لمن خالف في هذا من أهل البدع كالأخوارج والمعتزلة. وأدلة على ذلك كثيرة، منها آية القصاص، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فسماه أخا. وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، سماهم مؤمنين. وقد تقدم معنا الشيء الكثير في ذلك. المسألة الثالثة: أنه في الآخرة، إن مات صاحب الكبيرة مصرا عليها فهو تحت المشيئة، تحت مشيئة الله عز وجل، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وعفى عنه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، والذي هو دون ذلك الكبائر فما دونها، الكبائر فما دونها. مع ملاحظة أنه لا بد من دخول طائفة من العصاة النار، لا يعفى عن كل صاحب كبيرة، فلا بد من دخول طائفة من العصاة النار. وهذا أيضا ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة. أما بالنظر إلى كل فرد، فإن كل واحد من هؤلاء العصاة يجوز في حقه العفو، ويجوز في حقه كذلك العقاب. الأمر الرابع: أنه إن دخل النار صاحب الكبيرة فلا يخلد فيها، بل مآله إلى الجنة قطعا، طالما أنه من أهل التوحيد، خلافا للخوارج والمعتزلة الذين يوجبون النار على صاحب الكبيرة خالدا مخلدا فيها. فإذا فهمت هذه الأمور الأربعة، فما سيأتي ستفهمه بإذن الله سبحانه وتعالى. والمؤلف هاهنا رحمه الله تعالى بدأ جوابه بذكر الآيات التي فيها الحساب وفيها الميزان. والسبب في ذلك: لماذا ابتدأ سؤاله بهذا؟ ابتدأ سؤاله بهذا الأمر لأن من يأتي يوم القيامة من العصاة على أقسام، سيذكرهم المؤلف على أقسام. فمن هذه الأقسام من تترجح سيئاته على حسناته، وهؤلاء هم الذين يدخلون النار. إذن لا يدخلون النار إلا بعد الحساب والميزان. فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، ومن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. فهؤلاء القسم الأول الذي سيذكره المؤلف هم الذين رجحت حسناتهم على سيئاتهم. إذن لازلنا في أمر الحساب والميزان. فهناك قوم تترجح حسناتهم على سيئاتهم، فهؤلاء هم أهل السعادة. وهناك قوم تترجح سيئاتهم على حسناتهم، فهؤلاء هم أهل الشقاوة. وهناك قوم تستوي حسناتهم وسيئاتهم. إذن جميع الأقسام التي سيذكرها المؤلف لا يتحدد مصيرهم إلا بعد الحساب والميزان. فناسب هنا أن يذكر المؤلف أولا آيات وأدلة الحساب والميزان. فذكر عدة أدلة، قال المؤلف: "الجواب: قال الله عز وجل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾". أي أن الإنسان أي شيء يعمله من خير أو من شر فإنه يكتب إما له وإما عليه، ويوزن يوم القيامة. فمن خلال ذلك الوزن يتبين حال الإنسان من أي الأقسام هو. وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، هؤلاء أهل السعادة من رجحت حسناتهم على سيئاتهم. ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾، هؤلاء أهل الشقاوة الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾، أي كل ما عملت في هذه الدنيا فإن العبد يحاسب عليه يوم القيامة، وتوزن تلك الأعمال في كفتي الميزان. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. كل نفس ستوفى بما عملت، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. لا يزاد في ميزانك أو في كتابك شيئا لم تعمله، ولا ينقص من حسابك أو في ميزانك شيئا عملته. بل كل ما عملته فيوم القيامة يحصى عليك وتجده في كتابك ويوزن في ميزان أعمالك. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾، أشتاتا يعني متفرقين في الأحكام، فهذا من أهل الجنة، وهذا من أهل النار، وهذا من أهل الأعراف. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ يعني طوائف مختلفة وأصناف مختلفة ﴿لِيَرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾. كل واحد يرى عمله، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، ولو شيء يسير من العمل ستراه، سواء كان من الخير أو من الشر. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وغير ذلك من الآيات. فإذا عرفنا مناسبة ذكر المؤلف لهذه الآيات في أول هذا الجواب، قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذب». فقالت له عائشة رضي الله عنها: أليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: «بلى، وإنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب عذب». معنى العرض: أن المؤمن كما تقدم معنا لا يدقق في أعماله، يعني في حسابه، وإنما يمرر مرورا، فهذا هو الحساب اليسير. وأما الكافر أو الفاسق فإنه يحاسب حسابا عسيرا، فيناقش في كل صغيرة وكبيرة عملها. وهذا أيضا فيه إثبات الحساب وكذلك المؤاخذة بالأعمال والمناقشة والمحاسبة فيها. قال: وقد قدمنا من النصوص في الحشر وأحوال الموقف والميزان ونشر الصحف والعرض والحساب والصراط والشفاعات وغيرها ما يعلم به تفاوت مراتب الناس. هذا مر معنا في الإيمان باليوم الآخر، مر معنا كل هذه المسائل التي تكون في يوم القيامة، وعرفنا تفاوت الناس، سواء كان في الموقف، فمنهم من ينجى من عرصات يوم القيامة، سبع يظلهم الله في ظله، صاحب الصدقة هي تتاتي صدقته تظله، ونحو ذلك مما مر معنا. وهكذا في الميزان، فمنهم من تثقل موازينه، ومنهم من تخف موازينه، فالناس في ذلك الموقف يتفاوتون ويتباينون. نعم، وغير ذلك المرور على الصراط وتطاير الصحف والحساب ونحو ذلك. قال: وتباينوا أحوالهم في الآخرة بحسب تفاوتهم في الدار الدنيا في طاعة ربهم. نعم، فمن كان مطيعا لله بعيدا عن معصيته فهذا في أعلى الدرجات، ومن كان بين بين يعني عنده من الحسنات وعنده من السيئات فهذا يكون بحسب أعماله الصالحة. نعم، قال: وضدها من سابق ومقتصد وظالم لنفسه، وتقدم معنا تفسير ذلك ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾. فالظالم لنفسه هو المرتكب للذنوب والمعاصي وهو مؤمن. هذه الآية في حق المؤمنين جميعا، لكن يتفاوت المؤمنون في قربهم من الله وفي طاعتهم لرب العالمين. فمنهم الظالم لنفسه الذي أكثر من الذنوب والمعاصي. والمقتصد هو الذي أتى بالواجبات وترك المحرمات ولم يزد على ذلك، لم يكن مسابقا ومسارعا في المستحبات وفي كذلك السنن وغير ذلك. وأما السابق بالخيرات فهو الذي أتى بالواجبات وترك المحرمات وأكثر من فعل المستحبات. قال: إذا عرفت هذا، فاعلم أن الذي أثبتته الآيات القرآنية والسنن النبوية، ودرج عليه السلف الصالح والصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أئمة التفسير والحديث والسنة، أن العصاة من أهل التوحيد على ثلاث طبقات. وهنا في قول المؤلف رحمه الله: "ودرج عليه السلف الصالح"، هذا ما يتميز به أهل السنة عن غيرهم من أهل البدع، وهو أن فهمهم لآيات القرآن ولأحاديث السنة بفهم السلف الصالح، بفهم السلف الصالح. فما جاء عن السلف الصالح، وصدر السلف الصالح، وأصل السلف الصالح هم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فما جاء عن الصحابة من تفسير لآيات القرآن وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام فهو فهم السلف الصالح الذي ينبغي أن يصار إليه، وأن يعض عليه بالنواجذ، ويجتنب فهم الخلف الذي لم يكن على فهم سلف الأمة، بل هو فهم مستحدث لم يسبق إليه هذا المفسر أو هذا الشارح والفهم لآيات القرآن أو لأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. فلتكن هذه قاعدة في جميع أمورك، في أمور العقائد، في أمور العبادات، في أمور الأخلاق، في أمور كذلك السير والمنهج والطريق الذي تصل به إلى الله. فلا طريق للمسلم إلى الوصول إلى مرضاة الله إلا بما كان عليه سلف الأمة. فانظر إلى كلام المؤلف: "ودرج عليه السلف الصالح والصدر الأول من الصحابة". فلو تتبعت أقوال أهل البدع والأهواء، لتجد أن أقوالهم مخالفة لفهم السلف الصالح، سواء كان الخوارج أو الشيعة أو المعتزلة أو الصوفية أو غيرهم من بدع الضلال، وكذلك الفرق العصرية أصحاب التكفير والتفجير ونحو ذلك. فهؤلاء لو نظرت في أصل بدعتهم لرأيت أن سببها ترك فهم السلف الصالح، وأنهم أتوا بقواعد وأتوا كذلك بأمور لم يكن عليها سلف الأمة. وقوله: "أن العصاة من أهل التوحيد على ثلاث طبقات"، هذا ما سنأخذه إن شاء الله تعالى في الدرس القادم. لانتهاء الوقت نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.