باب المراقبة من رياض الصالحين 1

باب المراقبة من رياض الصالحين 1

الدرس في باب المراقبة من رياض الصالحين 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى المراقبة ودرجاتها في رياض الصالحين

يشرح الإمام النووي مفهوم المراقبة بأنها عبادة الله كأنك تراه مع العلم بأنه يراك، مبيناً مرتبتيها: المشاهدة والمراقبة، وضارباً مثلاً بالعامل الذي يحسن عمله عند شعوره بمراقبة صاحب العمل، مستدلاً بآيات تؤكد علم الله بكل شيء.

تفسير المراقبة في قيام الليل والسجود

يفسر قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ مبيناً أن القيام أشرف بتلاوة القرآن والسجود أشرف بهيئة الذل، وأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، مستدلاً بقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾.

تفصيل المعية الإلهية العامة والخاصة

يوضح أن معية الله للعباد ليست مكانية بل معية علم وإحاطة ونصر، مميزاً بين المعية العامة التي تشمل جميع المخلوقات بالعلم، والمعية الخاصة بالنصر والتأييد للمتقين والأنبياء، مستدلاً بآيات علو الله على عرشه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين": "باب المراقبة". قال الله تعالى: ﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾ [الشعراء: 218-219]، وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ [الحديد: 4]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ [آل عمران: 5]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ [الفجر: 14]، وقال تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19]، والآيات في الباب كثيرة معلومة. بعدما انتهى المؤلف رحمه الله من باب الصدق، فذكر باب المراقبة. ومعنى المراقبة يشمل معنيين اثنين: المعنى الأول أن تراقب الله عز وجل فتعبد الله سبحانه وتعالى كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فأنت تعبد الله عز وجل على أمرين اثنين وعلى مرتبتين اثنتين: المرتبة الأولى مرتبة المشاهدة، أي كأن الله يراك. وإذا استشعرت هذا لا شك أنك ستحسن العمل وستحسن العبادة. رُبِتَ ولله المثل الأعلى: لو استأجرت أجيراً على أن يعمل لك في هذا اليوم بخمسة آلاف، ثم أتيت بهذا العامل وغبت عنه، ذهبت عنه. إذا كان هذا العامل لا يخاف الله ولا يراقب الله فإنه سيقصر في عمله؛ لأنه لا يخاف الله ولا يخاف صاحب العمل؛ لأن صاحب العمل غائب عنه. لكن إذا كان صاحب العمل يراه، يراه صاحب العمل، وهذا العامل يرى صاحب العمل، فلا شك أنه سيعمل بجد واجتهاد وأمانة؛ لأنه مراقب. وهكذا العبد في أعماله في هذه الدنيا: إذا لم يستشعر أن الله عز وجل يراه وهو مشهد، وهي درجة المشاهدة، فإن الله يراك، وهذه مرتبة المراقبة. فإذا استشعرت أن الله عز وجل يراقبك ويعلم كل أعمالك، فلا شك أن هذا الإنسان سيحسن العمل. ولذلك الإحسان من أعظم أركان الدين، من أعظم أركان الدين؛ لأن به إحسان الإسلام وإحسان الإيمان وإحسان الإحسان. فإذا هذه هي المراقبة: المراقبة أن تراقب الله عز وجل في جميع أعماله، وأن كذلك تعلم أن الله رقيب عليك، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ﴾ [الأحزاب: 52]، وكل هنا من ألفاظ العموم، من ألفاظ العموم. إذن مراقبتك لله أن تعلم أن الله تعالى يعلم كل ما تقوم به من أقوال وأفعال واعتقادات ونحو ذلك. ثم استدل المؤلف رحمه الله بعدة آيات: الآية الأولى قوله تعالى: ﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾. ذكر هنا القيام والسجود، القيام والسجود. فمعنى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ أي من الليل، حين تقوم من الليل. فلما يقوم الإنسان في مكان خال لا يطلع عليه أحد، فالله عز وجل يراه، حتى لو كان في أعظم ظلمة. إذا كنت في مكان لا ترى أصبعك ولا ترى شيئاً حولك، فإن الله سبحانه وتعالى يراك، فإن الله سبحانه وتعالى يراك. فهذا هو معنى قوله: ﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ أي في الليل، في الليل، ﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾ أي وأنت تتقلب في الذين يسجدون لله في هذه الساعة، في هذه الساعة. ولما ذكر الرب سبحانه وتعالى في هذه الآية القيام والسجود من أعمال الصلاة؟ ذكر القيام والسجود لأن القيام في الصلاة والسجود كذلك من أعظم الأعمال في الصلاة، من أعظم الأعمال في الصلاة. ولما هنا ذكر القيام أولاً ثم ذكر السجود؟ قال المفسرون: لأن القيام في الصلاة أشرف من السجود بذكره؛ فإن القيام فيه تلاوة القرآن، وتلاوة القرآن من أفضل وأعظم الذكر، من أفضل وأعظم الذكر. فالقيام من حيث ذكر الله عز وجل هو أشرف من السجود، والسجود أفضل من القيام بهيئته، بهيئته؛ لأن الإنسان لما يسجد يضع أشرف عضو وأعلى عضو في جسده في الأرض ذلاً وخشوعاً لله سبحانه وتعالى. فإذن: القيام أشرف من السجود في ذكر الله عز وجل، والسجود أشرف من القيام بهيئته؛ لأن هيئة السجود من الهيئات التي فيها معنى الذل والخضوع والخشوع لله سبحانه وتعالى. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما يصح في مسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا فيه من الدعاء»، فحث عليه الصلاة والسلام على الدعاء: «فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم». ولذلك جاء تحريم قراءة القرآن في السجود؛ لأن هذا الموضع موضع ذل واستكانة، فيكثر فيه الساجد من الدعاء، من الدعاء. وأما القيام فهو موضع وقراءة وذكر، وأعظم الذكر القرآن، فصار القيام أشرف من السجود من هذه الحيثية، من هذه الحيثية. فإذن هذا هو معنى الآية، ففيها أن الله عز وجل يراك ولو كنت في ظلمة شديدة، ولو كنت في أحلك الظلم، فالله سبحانه وتعالى يراك ويطلع على أعمالك، ويطلع على أعمالك. هذا هو معنى هذه الآية. ثم ذكر الآية الأخرى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾. وهو الضمير هنا يعود على الله عز وجل، أي أن الله سبحانه وتعالى معكم أينما كنتم، سواء كنتم في البر أو في البحر أو في الجو أو في ظلمة أو في ضياء أو في أي حال، فهو معكم سبحانه وتعالى. وهذا يدل على كمال حاطته وعلمه وقدرته وسلطانه وتدبيره سبحانه وتعالى. وليس معنى ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ أنه سبحانه وتعالى في نفس المكان الذي نحن فيه، فالله سبحانه وتعالى فوق كل شيء، وهو سبحانه وتعالى بائن من خلقه سبحانه وتعالى. فالله عز وجل كما وصف نفسه بقوله: ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ﴾ [طه: 5]، والعرش في السماء فوق السماوات جميعاً، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ ﴾ [الملك: 16]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ [الأنعام: 18]، وقال: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَىٰ ﴾ [الأعلى: 1]، إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أنه سبحانه وتعالى فوق كل شيء. وعلوه سبحانه وتعالى لا ينافي علمه وقربه من عباده، فهو ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وهو السميع البصير، وهو قريب من عباده بعلمه وإحاطته وسلطانه وتدبيره وتأييده ونصره، وإلى غير ذلك من تلك المعاني العظيمة التي تبين لنا كمال ربنا سبحانه وتعالى. إذا كان الكرسي الذي هو موضع قدمي الرب سبحانه وتعالى محيطاً بالسماوات والأرض كلها، فالله سبحانه وتعالى فوق عرشه، فالعرش أعظم، أعظم. كما جاء: «إن السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض». هذا بالنسبة للسماوات والأرضين السبع بالنسبة للكرسي الذي هو موضع قدمي الرب سبحانه وتعالى كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، فكيف بالعرش الذي استوى عليه الرب سبحانه وتعالى؟ ولذلك أيضاً جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة». فَالخالق سبحانه وتعالى عظيم، لا يحيطون به شيئاً علماً، سبحانه وتعالى. والمراد بالمعية هنا كما تقدم: معية العلم والاطلاع والإحاطة، ونحو ذلك من هذه المعاني. والله عز وجل يقول: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ﴾ [المجادلة: 7]، أينما كانوا، أينما كانوا. طيب، هذه هي المعية العامة، وهناك تأتي معية خاصة بمعنى النصر والتأييد والإعانة، وهذا في مثل قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128]، وكقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ ﴾ [محمد: 35]، هذه معية أيضاً خاصة. وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: 40]، هذه أيضاً معية خاصة. وقول الله سبحانه وتعالى في النبيين الكريمين موسى وهارون: ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ [طه: 46]، هذه أيضاً معية خاصة. طيب، لانتهاء الوقت نكتفي بهذا، وبقية الآيات إن شاء الله نأخذها في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلى وأعلم. ترجمة نانسي قنقر.