أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 3

أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 3

الدرس في أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حد الساحر وأقوال الصحابة في قتل السحرة

يشرح المقطع حديث جندب الموقوف عن حد الساحر ضربة بالسيف، ويفصل أثر عمر بن الخطاب في البخاري ومسند أحمد حول أمره بقتل السحرة، مبيناً الفرق في اللفظ بين الروايتين. كما يذكر أثر حفصة رضي الله عنها في قتل جارية سحرتها، وإجماع ثلاثة من الصحابة على قتل الساحر.

استدلال المؤلف بآثار الصحابة على وجوب قتل الساحر

يستعرض المؤلف ثلاثة آثار صحيحة عن الصحابة (جندب بن كعب، عمر بن الخطاب، حفصة) تدل على أن حد الساحر القتل، موضحاً أن جندب قتل ساحراً تلاعب بالسيف أمام الوالي. ويبين أن عمر أمر عماله بقتل كل ساحر وساحرة، وأن حفصة أمرت بقتل جارية سحرتها، مع التنبيه إلى أن تنفيذ القتل لا يكون إلا بإذن ولي الأمر درءاً للفتنة.

استتابة الساحر واستثناءات أهل العلم في حد السحرة

اختلف العلماء في استتابة الساحر لإسقاط حد القتل، فذهب الشافعي وابن تيمية للاستتابة قياساً على المشرك، بينما رأى الجمهور عدم الاستتابة لعظم فساد السحرة واحتمال كذب توبتهم مستدلين بترك الصحابة لاستتابتهم. ويُذكر أن الشيخ ابن باز استثنى من جاء طواعية تائباً قبل اكتشاف أمره، والأصل إقامة الحد على السحرة على أن يُكمل في جلسات قادمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد" في باب ما جاء في السحر: "وعن جندب مرفوعاً: حد الساحر ضربة بالسيف". رواه الترمذي، وقال: الصحيح أنه موقوف. والفرق بين المرفوع والموقوف: أن المرفوع ينسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الموقوف فإنه يضاف إلى الصحابي رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وكما ذكر الإمام الترمذي رحمه الله أن هذا الحديث موقوف على جندب، موقوف على جندب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وسيأتي بيان أو زيادة بيان لهذا الأثر. قال: "وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر". وصح عن حفصة أنها أمرت. وقوله: "في صحيح البخاري" هو أثر عن بجالة بن عبدة، ولكن الذي في صحيح البخاري دون ذكر "اقتلوا كل ساحر وساحرة"، ولكن جاء هذا في مسند الإمام أحمد في مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وسبب العزو إلى صحيح البخاري لأن هذا الأثر جاء في البخاري وفي مسند الإمام أحمد بلفظ مشترك، يعني جاء لفظ في صحيح البخاري وكذلك في مسند الإمام أحمد في نفس الأثر، لكن زاد الإمام أحمد: "وأن اقتلوا كل ساحر وساحرة، كل ساحر وساحرة". هذا هو الفرق بين الأثرين. واللفظ المشترك الذي جاء في البخاري ومسند الإمام أحمد هو قول عمر: "قال: فأتان كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس". هذا الذي في صحيح البخاري، هذا الذي في صحيح البخاري دون ذكر "واقتلوا كل ساحر وساحرة". وجاء في مسند الإمام أحمد هذا الجزء الموجود في صحيح البخاري: "وفرّقوا بين كل ذي محرم من المجوس، وأنهوهم عن الزمزمة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر، فقتلنا ثلاث سواحر". وفي لفظ: "أن اقتلوا كل ساحر وساحرة". فينبغي التنبيه على هذا، فإطلاق العزو إلى صحيح البخاري بهذا اللفظ ليس بصحيح. قال: "وصح عن حفصة رضي الله عنها أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت". وكذلك صح عن جندب. قال أحمد: "عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم". ذكر المؤلف هذه الآثار الثلاثة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ليستدل بها على حكم من أحكام السحرة، ألا وهو أن الساحر يقتل. قد مر معنا أن حكم الساحر أنه كافر، وهذا الحكم أن حكمه كذلك القتل، حكمه كذلك القتل لهذه الآثار الصحيحة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فالأثر الأول عن جندب، والمراد بجندب هنا ليس جندب عبد الله البجلي الصحابي المشهور، فذاك آخر وهذا آخر. فجندب المراد به هنا جندب الخير ابن كعب الأزدي، الأزدي، وليس جندب بن عبد الله البجلي. وقوله: "حد الساحر ضربة بالسيف" جاء بلفظين: "ضربة" و"ضربه". "حد الساحر ضربة بالسيف" وجاء لفظ: "حد الساحر ضربه بالسيف"، وكلا اللفظتين يحتملهما المعنى وهما صحيحان. وقصة هذا الحديث: أن ساحراً كان يلعب عند الوليد بن عقبة، فكان يأخذ سيفه فيذبح نفسه، هذا الساحر يذبح نفسه ولا يضره هذا الذبح، فمن يشاهده يرى أنه يذبح نفسه. فقام جندب إلى السيف فأخذه فضرب عنقه، ثم قرأ: ﴿أَفَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. وفي لفظ: فقال: "إن كان صادقاً فليحيي نفسه". وهذا الأثر كما تقدم عند الإمام أحمد وهو أثر صحيح. وأما الأثر الآخر: "أن يقتلوا كل ساحر وساحرة، فقتلنا ثلاثة سواحر"، هذا عند الإمام أحمد كما تقدم معنا، وهو أيضاً أثر صحيح. ويستفاد من هذا الأثر أن قتل الساحر لا يكون إلا بإذن ولي الأمر، وليس لكل أحد أن يقتل الساحر، لأن عمر كان أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فكتب إلى عماله: "أن اقتلوا كل ساحر وساحرة". ولذلك حمل أهل العلم هذه الآثار الواردة عن الصحابة في قتل السحرة على أنهم فعلوا ذلك بإذن من ولي الأمر، لأن المسألة إذا تُركت هكذا عَمَّت الفوضى في المجتمع، فكل واحد يدعي أن فلاناً ساحر فيقتله، فلربما تنتشر الفوضى وكثرة القتل ونحو ذلك. فلا بد من مراعاة هذا الجانب، وهو أن هذا الأمر يكون لولي الأمر أو لمن أذن له ولي الأمر، لمن أذن له ولي الأمر أو لمن استأذن من ولي الأمر فأذن له، فله أن يفعل ذلك، فله أن يفعل ذلك. وقوله في الأثر الأخير وهو أثر حفصة رضي الله عنها بنت عمر: أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت، فقتلت هذه الساحرة. وكما ذكر المؤلف أن قتل السحرة ورد عن ثلاثة من الصحابة، من هم هؤلاء الثلاثة؟ جندب، وعمر، وابنته حفصة، وابنته حفصة رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، عن الصحابة أجمعين. إذن وجه الشاهد من هذه الآثار الثلاثة: أن من أحكام الساحر أنه يقتل، أنه يقتل. وهنا مسألة مهمة كذلك تكلم عليها أهل العلم: وهي هل يستتاب الساحر لإسقاط الحد عنه؟ عرفنا أن فلاناً ساحر، فلو جاء وقال: "أنا تبت إلى الله، أنا تبت إلى الله"، أو ثبت عنه السحر فقيل له: "تب من هذا الفعل"، فقال: "تبت إلى الله"، فهل يسقط عنه حد القتل؟ هل يسقط عنه حد القتل؟ هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم على قولين اثنين: القول الأول: أنه نعم يستتاب، وهذا قول الإمام الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية. ودليلهم على الاستتابة: أن الشرع قبل الاستتابة من المشرك، فالمشرك يستتاب، فقالوا: السحر ليس بأعظم من الشرك، ليس بأعظم من الشرك. هكذا عللوا، هكذا عللوا. والقول الثاني: وهو قول الجمهور أنه لا يستتاب وإن تاب، فهذا بينه وبين الله، أما الحكم الشرعي وهو القتل فلا بد أن يقام عليه. وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، والمشهور في مذهب أحمد، واختار هذا القول من المعاصرين العلامة ابن باز، وكذلك العلامة ابن عثيمين عليهما رحمة الله. واستدلوا على عدم الاستتابة بفعل الصحابة، قالوا: لأن الصحابة لم يستتيبوا السحرة، لم يستتيبوا السحرة الذين قتلوهم، ولم يثبت ذلك عن أحد من الصحابة. ويعني الاستتابة قالوا: لأن السحرة شرهم عظيم، وتوبتهم لا يُدْرَى عن صدقها، لربما يخاف من السيف فيقول: "أنا تبت"، وهو كاذب في ذلك، وهو كاذب في ذلك. وردوا على من قال بالاستتابة بأن القياس على المشرك ليس بصحيح. لماذا؟ قالوا: لأن الساحر أكثر فساداً وتشويهاً من المشرك، من المشرك. بل الساحر لربما يأتي بالشرك ويأتي كذلك بالفساد في الأرض، بخلاف من يشرك ويقتصر هذا الشرك على نفسه، فهذا شره أقل ممن يشرك ويفسد في الأرض، ويفسد في الأرض بوصول الضرر إلى المجتمع وإلى الأسر وإلى الأفراد، وإلى الأفراد. وهذا هو القول الأقرب والله تعالى أعلم، إلا في حال استثناها العلام ابن باز، فلا بأس أن يؤخذ بها. وهذه الحالة: إذا كان هذا الساحر جاء طوعاً إلى ولي الأمر، ولا يُدْرَى به أحد أنه ساحر، ولا يخاف أن يكتشف فيقام عليه الحد لظهور أمره، وإنما تفكر في نفسه فرأى أنه في أمر عظيم، فأتى طوعاً إلى ولي الأمر وأعلن توبته. فقال هنا: يمكن أن نقول أنه يستتاب ولا يقام عليه الحد، لأنه جاء طوعاً وظهر منه الخير، فهذا تقبل توبته في الظاهر، وكذلك لا يقام عليه حد القتل. هذه الحالة التي استثناها بعض أهل العلم كالشيخ ابن باز. إلا فالأصل أن الحد يقام على هؤلاء السحرة. طيب، نكتفي اليوم بهذا، ونكمل إن شاء الله في دروس قادمة. إلى هنا والله تعالى.