المحاضرة بعنوان النصائح الذهبية لطلاب الدورة العلمية، والتي كانت ضمن الدورة العلمية الثانية والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الثلاثاء 6 ذو القعدة 1445هـ الموافق 14 مايو 2024م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد الدرس أن الإخلاص هو أساس طلب العلم، محذراً من دوافع الرياء والسمعة التي تفسد العمل، مستشهداً بآيات وأقوال السلف كسفيان الثوري. كما ينبه إلى خطورة طلب الرياسة والشهرة، مستدلاً بحديث أبي هريرة في أول من تسعر بهم النار وقول الإمام الشاطبي عن حب السلطة.
يشرح المقطع أن القلب هو وعاء العلم، فإذا صلح قبل العلم ونفع به، وإذا فسد بالمعاصي حال دون وصول نور العلم، مستشهداً بنصيحة الإمام مالك والشافعي. ويؤكد أن مجاهدة النفس لتطهير القلب شرط أساسي لاستفادة طالب العلم.
يذكر الدرس أن المعاصي والشهوات والذنوب والملذات تفسد القلب، محذراً طالب العلم من الغيبة والنميمة وعقوق الوالدين والتقصير في الصلاة. ويختم بالتأكيد على ضرورة مراقبة القلب واجتناب هذه المفسدات لحفظ نور العلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مزيدا إلى يوم الدين. أما بعد، فإن طالب العلم في سيره العلمي يحتاج إلى نصائح وتوجيهات، وإلى كذلك منشطات ومثبتات تكون عونا له في سيره إلى الله سبحانه وتعالى. وفي هذا المقام، وبمناسبة هذه الدورة العلمية المكثفة المباركة، وفي هذا الوقت الذي خصص للكلمات العامة فيما يراه المتكلم من أهمية ما يحتاجه الطلاب، أحببت أن أدلي بدلوي، وأن أشارك بهذه الكلمة ببعض النصائح والتوجيهات التي، والله، أنا أول من يحتاج إليها، فهي نصائح لي أولا ثم لإخواني طلبة العلم. أول هذه النصائح: أنصح نفسي وإياكم، إخواني في الله، بالإخلاص في طلب العلم، فإن العلم من أجل وأفضل العبادات والقربات، وقد أمر الله عز وجل في كتابه الكريم بأن نخلص له العبادة، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾. وإن طلب العلم من أعظم العبادات التي يدخلها ما يعكر صفو الإخلاص، فإن طلب العلم من أسباب ظهور الطالب، وكذلك من أسباب مدح الناس له والثناء عليه، وكذلك طلب العلم سبب للرفعة، ولربما للوجاهة والرئاسة ونحو ذلك، مما يعكر صفو الإخلاص. فإذا لم يكن عند طالب العلم الإخلاص لله سبحانه وتعالى، وقع في شيء من هذه الشوائب التي تعكر صفو الإخلاص. ولذلك كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يعتنون بهذا الجانب عناية كبيرة، فهذا سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول: «ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي»، كان دائما يجاهد نفسه في تصحيح النية وفي تجديدها. فأعظم ما ينبغي أن نجاهد به أنفسنا تجديد نياتنا، والله عز وجل يقول: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾. فإذا شعرت من نفسك أن الإخلاص بدأ يختل عندك، فجاهد نفسك، ولتكن نيتك في طلب العلم أن ترفع الجهل عن نفسك، لتكن نيتك في طلب العلم أن تعبد الله عز وجل على بصيرة، لتكن نيتك في طلب العلم أن تنال جنة الله سبحانه وتعالى، فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». لتكن نيتك في طلب العلم أن تسلك طريق الجنة، وأن تبتغي بعلمك وجه الله سبحانه وتعالى، لتكن نيتك في العلم أن تنال فضله، وأن تنفع أهلك وأهل مجتمعك، فترفع الجهل عن نفسك ثم ترفع الجهل عن غيرك، وهذا من أعظم مقاصد طلب العلم التي لا ينبغي لطالب العلم أن يغفل عنها. وهكذا لا بد أن تشعر بشيء مما يخل بهذا الإخلاص، لكن جاهد نفسك، فإذا علم الله منك الصدق وفقك إلى الإخلاص، وأبعد عنك كل ما يخدشه من الرياء أو السمعة أو حب الرئاسة. ولذلك يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: «آخر الأشياء نزول، آخر الأشياء نزول من قلوب الصالحين حب السلطة والتصدر، هذا آخر ما يخرج من الأمور المحرمة من قلوب الصالحين». فجاهد نفسك، احذر أن تقصد من طلبك للعلم الرئاسة أو التصدر، أو أن يقال إنك عالم، إنك طالب علم مبرز، إنك حافظ، إنك قارئ، إنك صالح. قد علمتم حديث أبي هريرة في أول من تسعر بهم النار في صحيح مسلم، وذكر منهم رجلا تعلم العلم وعلمه، ما تعلم فقط، بل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فيؤتى به يوم القيامة فيعرف بهذه النعمة فيعرفها، ثم يقال له: ماذا عملت بها؟ قال: يا رب، علمت فيك وتعلمت. فيقال له: كذبت، وإنما تعلمت ليقال: عالم، وقد قيل. ثم يؤمر به فيؤخذ، والعياذ بالله، إلى النار. هذا الحديث كان يغشى على أبي هريرة إذا حدث به، لما فيه من التخويف والترهيب لطلاب العلم ممن لربما يطمع في هذا الأمر، وهو أن يقال: من أجل الشهرة، من أجل ثناء الناس. فاحذر، يا طالب العلم، من هذه الدخائل، وأخلص النية لله سبحانه وتعالى، وجاهد نفسك كما جاهد سلفك الصالح أنفسهم. يقول الدارقطني رحمه الله تعالى: «طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون لله، فأبى أن لا يكون إلا لله»، بمعنى أن في أول الأمر لربما يكون الطالب عنده شيء من هذه الدخائل ومن هذه الأمراض، لكن مع تعمقه في العلم، ومع كذلك معرفة الله عز وجل بأسمائه وصفاته وعظمته وجلاله، فيذهب الله عز وجل عنه ما قد يجد من هذه الأمراض. وهكذا من تلك النصائح التي أحببت أن أذكر بها نفسي أولا ثم أذكر بها إخواني: أن نعتني، يا طلاب العلم، بصلاح القلوب، فإن القلب هو وعاء العلم، القلب هو وعاء العلم. فإذا كان القلب مهيئا صالحا، قبل هذا العلم وحفظ هذا العلم وانتفع بهذا العلم، أما إذا كان القلب فاسدا مظلما، فأنى له أن ينتفع بهذا العلم. ومصداق ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله». إذا صلح هذا القلب يصلح الجسد كله، لأن هذا القلب يصير نقيا طاهرا مستقبلا للهدى وللعلم ولكل خير، وإذا فسدت فسد الجسد كله. وبماذا يفسد القلب؟ يفسد القلب بأمرين اثنين، سيأتي بيانها إن شاء الله. فاعتني، يا طالب العلم، بصلاح قلبك، واعلم أن هذا العلم نور، ولا يمكن أن يدخل هذا النور إلى قلب مظلم. ولذلك لما جاء الإمام الشافعي إلى الإمام مالك، ورأى الإمام مالك من نباهة الإمام الشافعي وذكائه وحرصه على العلم ونبوغه، قال له: «أرى الله قد قذف في قلبك نورا، فلا تطفئه بظلمة المعصية، لا تطفئ هذا النور بظلمة المعصية». وهكذا لما جاء الإمام الشافعي إلى وكيع، وشكا إليه سوء حفظه، فنصحه وكيع رحمه الله تعالى بترك المعاصي، فأنشد الإمام الشافعي هذه الأبيات: «شكوت إلى وكيع سوء حفظي * فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور * ونور الله لا يؤتاه عاص» هذا علم نور، فإذا عصيت الله عز وجل ذهب هذا النور من القلب، لأن القلب يكون مظلما بالمعاصي. وبماذا يفسد القلب؟ يفسد بأمرين اثنين لا ثالث لهما: الأمر الأول: بالمعاصي والشهوات والذنوب والملذات. فاحذر، يا طالب العلم، من هذه الذنوب، احذر من الغيبة، من النميمة، من عقوق الوالدين، من التقصير في الصلاة،