الخطبة بعنوان الأعمال بالخواتيم فأحسنوا الختام، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 24 رمضان 1447هـ الموافق 13 مارس 2026م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تؤكد الخطبة أن أواخر رمضان أفضل من أوائلها مستشهدة بأحاديث ليلة القدر في السبع الأواخر. وتحث المسلمين على مضاعفة الاجتهاد في العبادة والطاعات في الأيام المتبقية قبل فوات الأوان.
يحث الخطيب على مضاعفة العمل الصالح في الأيام الأخيرة مستشهداً بتشبيه ابن الجوزي للخيل التي تسرع عند خط النهاية. ويؤكد على التوبة النصوح والإقبال على الله مع بيان وجوب زكاة الفطر وطهرتها للصائم.
يدعو الخطيب إلى إخراج زكاة الفطر من أحب المال اقتداءً بالآية الكريمة، ويبين سنة التكبير في ليلة العيد ويومها. ويؤكد وجوب حضور صلاة العيد كشعيرة عظيمة أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم حتى للنساء والحيض.
يختتم المتحدث بالدعاء بالمغفرة والرحمة والتوبة سائلاً الله الهدى والتقى والعفاف والغنى. ثم يصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه ويختم بالحمد لله رب العالمين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن جمعتكم هذه هي آخر جمعة في شهركم، ألا فاعلموا أن الوقت لا يزال فيه فرصة، وأن العمر لا يزال فيه بقية، ألا فجدوا واجتهدوا في الأعمال الصالحة فيما بقي في شهركم، فإن هذه الأيام هي أفضل وهي أجمل أيام هذا الشهر. فإن هناك قاعدةً مضطردة عند أهل العلم دلت عليها الأدلة الشرعية، وهي أن الأوقات الفاضلة آخرها أفضل من أولها. ألا ترى أخي المسلم أن يوم الجمعة أفضله آخر ساعة منه، إذ فيه دعوة مستجابة؟ ألا تعلم أخي المسلم أن العشر الأول من ذي الحجة التي هي أفضل أيام الدنيا أفضلها آخرها، أفضلها يوم عرفة ويوم النحر؟ ألا تعلم أخي المسلم أن يوم عرفة آخره أفضله؟ وهكذا في هذا الشهر المبارك، فإن آخره أفضل من أوله. ومما يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في السبع الأواخر من رمضان، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر». وهكذا ما جاء في حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «والله إني لأعلم أي ليلة هي»، يعني ليلة القدر، قال: «هي الليلة التي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقيامها، وهي ليلة سبع وعشرين». فأبي بن كعب أخبر بما وقع في تلك السنة من هذه الليلة، وكانت في سبع وعشرين. أيها المسلمون، عباد الله، إن الفرصة لا تزال أمامنا، فالجنة لا تزال أبوابها مفتحة، والنار لا تزال أبوابها مغلقة، والشياطين لا تزال مصفدة، والمنادي لا يزال ينادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. فلا نجعل يا عباد الله هذه الأيام أيام فتور وكسل، وأيام ضياع وقلة همة، بل ينبغي علينا معاشر المسلمين أن تكون أيامنا المقبلة أكثر اجتهادًا وأكثر سباقًا ومسارعة إلى الطاعات والخيرات. يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «إن الخيل إذا شارفت إلى نهاية المضمار بذلت قصارى جهدها لتفوز بالسباق، فلا تكن الخيل أفطن منك، لا تكن الخيل أفطن منك. الخيل إذا سابقت لربما في أول السباق تمشي مشيًا معتدلًا، فإذا قاربت وشارفت على نهاية السباق أسرعت وبذلت قصارى جهدها حتى تفوز بالسباق». وهكذا ينبغي لطالب سباق الآخرة أن يكون نهاية سيره وسرعة سيره في آخر السباق، ألا وهي هذه الأيام المقبلة. ويقول ابن الجوزي عليه رحمة الله: «أسفًا أسفًا لمن إذا ربح العاملون خسر، وإذا أطلق المقيدون أسر». يتأسف على من إذا ربح الرابحون وعمل العاملون وتسابق المتسابقون كان في خمول وكان في كسل وفتور. وهكذا يقول رحمه الله تعالى: «الأيام والليالي الفاضلة لا يصلح أن يغفل عنها، فإذا لم يربح التاجر في موسم الربح فمتى يربح التاجر؟ إذا جاء موسم التجارة وتحركت الأسواق وهو في فتور وفي كسل وفي عدم تجارة في هذا الموسم، فمتى سيربح إذا انتهى الموسم؟ فإذا فعل ذلك ضحك عليه الناس أجمعون. من أتى ببضاعته بعد انتهاء موسم التجارة فإنه معاب عند جميع الناس». هذه في تجارة الدنيا، فكيف بتجارة الآخرة؟ أيها المسلمون، عباد الله، ألا فلنقبل أيها المسلمون على الجد والاجتهاد فيما بقي في هذا الشهر المبارك، فإنما الأعمال بالخواتيم، فأحسنوا الختام. وإن العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات. أيها المسلمون، عباد الله، من كان منا محسنًا فليزدد في إحسانه، وليشكر ربه على توفيقه له وامتنانه، ومن كان منا مسيئًا فليتب من عصيانه، وليرجع إلى ربه بالتوبة والإقبال عليه. أيها المسلمون، عباد الله، إن الحياة فرص، ولا نزال في وقت المهلة وفي وقت الفرصة، فلا نضيع أغلى وأثمن هذه الفرص وهي هذه الأيام المقبلة. نسارع أيها المسلمون إلى التوبة والإلحاح على الله عز وجل أن يتقبل صيامنا، وأن يتقبل قيامنا، وأن يغفر لنا، وأن يعتق رقابنا من النار. لنكثر من الدعاء، ولنصدق في التوبة النصوح. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، اعلموا أن الله عز وجل في ختام شهركم شرع لكم أعمالا صالحة يزداد بها إيمان، وتكمل بها عباداتكم، وتتقربون بها إلى ربكم. ألا وإن من هذه العبادات زكاة الفطر. هذه الزكاة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على كل مسلم، كما جاء في حديث ابن عمر في الصحيحين: «فرض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على الذكر والأنثى والصغير والكبير والحر والعبد من المسلمين». فهي طهرة للصائم من اللغو والرفث، فهي كالمتممة لصيامه، وهي كالسنن الرواتب للصلوات المفروضة التي يكمل بها نقص الفرائض. ألا فطيبوا أنفسكم بإخراجها، وأخرجوها من أطيب أموالكم، فإن الله عز وجل... وإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما شرعها في السنة مرة، وعلى كل مسلم صاع واحد، فما أقلها وما أعظم أجرها! ألا فلنخرجها طيبة ونفيسة، فإن القاعدة عند أهل العلم أن الصدقة كلما كانت أنفع للمحتاجين وكانت أنفس كانت أعظم أجرًا وفضلًا. فأخرجوها من أحب ما تملكون، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وهكذا من هذه الأعمال الصالحة التي ختم بها هذا الشهر ذكر الله سبحانه وتعالى بالتكبير، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فمن شكر الله عز وجل في ختام هذه العبادة أن نذكره وأن نكبره وأن لا نغفل عن ذكره وشكره، فقد أتم علينا الصيام ووفقنا للعبادة في هذا الشهر من القيام والإحسان وقراءة القرآن، فوجب على المسلم أن يشكر الله سبحانه وتعالى على ما أنعم به عليه من إتمام هذه العبادة. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيحين: «للصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره». فإذا أنعم الله عز وجل على عبده بإتمام الصيام فرح المسلم بها، هذه النعمة التي هي أعظم من نعم كثيرة من نعم هذه الدنيا. فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى المصلى كان يكبر: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». وهكذا كان الصحابة، كابن عمر وأبي هريرة وغيرهما، كانوا يكبرون عند خروجهم لصلاة عيد الفطر، فإذا أتى الإمام قطعوا التكبير. أيها المسلمون، عباد الله، وإن من الأعمال التي شرعت في ختام هذا الشهر صلاة العيد واجتماع المسلمين في صعيد واحد يكبرون الله ويصلون شكرًا لله سبحانه وتعالى، ويستمعون لخطبة العيد وما يلقى عليهم، فتجتمع الأرواح وتجتمع القلوب وتجتمع الأجساد، فيكون بين المسلمين من المحبة ومن التلاقي ومن المودة ومن التهنئة بهذه العيد المباركة. ألا فاحرصوا يا عباد الله على أداء هذه الصلاة، فإنها من شعائر هذا الدين، ومما حث عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، حتى أمر الحيض وكذلك العواتق أن يخرجن لشهود هذا الخير، بل أمر من لم يكن لها جلباب أن تلبسها أختها جلبابها، ليدل ذلك على تأكيد الحضور وشهود هذا الخير. فلا نتهاوى ولا نتكاسل عن حضور هذه الصلاة، فإنها من شعائر هذا الدين، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. فاحمدوا الله عز وجل أيها المسلمون إذ جعل لكم هذه المواسم وهذه العبادات وهذه الطاعات لتزكو نفوسكم وتتطهر قلوبكم وتتقربوا إلى ربكم سبحانه وتعالى. فلله الحمد أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وما بكم من نعمة فمن الله، وإن أعداءكم ليحسدونكم على هذه النعم التي أنعم الله عز وجل بها عليكم. ألا فاحمدوا الله عز وجل، وتقربوا إلى ربكم في هذه الأيام الفاضلة، وتحروا ليلة القدر فيها، فإنها من أفضل ليالي تلك الليلة المباركة. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لكل خير. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وطاعاتنا. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.