مختارات من فتاوى اللجنة الدائمة 4

الدرس في مختارات من فتاوى اللجنة الدائمة 4، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الرد على منكري أحاديث فضل رمضان وتوضيح حكمها

السائل يستفسر عن صحة قول خطيب مسجد بأن بعض الأحاديث المنسوبة للنبي في فضل رمضان كاذبة، واللجنة الدائمة تجيب بأن الحديث المذكور ضعيف وليس مكذوبا. وأن فضائل رمضان ثابتة في أحاديث أخرى صحيحة.

حكم الصيام وفضائله وفوائده

يناقش المقطع حكم الصيام وفضائله، ويوضح أن الصيام يهذب النفس ويساعد على التغلب على الشهوات. كما أن له فوائد صحية واجتماعية وأخلاقية، ويجيب على أسئلة حول صيام ثلاثة أيام بدلاً من شهر رمضان ورؤية هلال رمضان.

طريقة إثبات دخول شهر رمضان وعدد الشهود المطلوب

تثبت رؤية هلال رمضان بشهادة مسلم عدل واحد، ويتم التحقق من شهادته من قبل القضاة. ثم تعلن الهيئة القضائية قرارها بذلك بعد التأكد من صحة الرؤية، ودلت الأدلة على أن شهادة رجل واحد تكفي لدخول الشهر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وبعد. فنقرأ في بعض فتاوى الصيام من فتاوى اللجنة الدائمة في البحوث العلمية والإفتاء. يقول السائل: بعض خطباء المساجد بهذه المنطقة ألقى خطبة، من ضمنها حديث سلمان الذي ذكر فيه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبهم في آخر يوم من شعبان... إلى آخره. وقد اعترض عليه بعض الإخوان علنا أمام الجمهور بقوله: بأن حديث سلمان من الموضوعات، وكذلك قوله: «من أشبع صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة»، وقوله: «ومن خفف عن مملوكه غفر الله له واعتقه من النار». قال أخونا: إن هذه الكلمات كذب على الرسول، ومن كذب على الرسول فليتبوأ مقعده من النار... إلى آخره. آمل من سماحتكم الفتوى عن صحة قوله من عدمه، حفظكم الله. أجابت اللجنة: الجواب: حديث سلمان رواه ابن خزيمة في صحيحه، فقال: باب في فضائل شهر رمضان، إن صح الخبر... ثم قال: حدثنا علي بن حجر السعدي، قال: حدثنا يوسف بن زياد، قال: حدثني همام بن يحيى، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان، فقال: «أيها الناس، قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء». قال: قلنا: ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم، فقال: «يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة، أو شربة ماء، أو مدقة لبن». وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وأخره عتق من النار، من خفف عن مملوكه غفر الله له، واعتقه من النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار، ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة». وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف لسوء حفظه، وفي سنده أيضا يوسف بن زياد البصري، وهو منكر الحديث، وفيه أيضا همام بن يحيى بن دينار العدوي، قال فيه ابن حجر في التقريب: ثقة، ربما وهم. وعلى هذا فالحديث بهذا السند ليس بمكذوب، لكنه ضعيف. ومع ذلك فضائل شهر رمضان كثيرة ثابتة في الأحاديث الصحيحة. وبالله التوفيق. يعني هذا الحديث الذي ربما يتناقله كثير من الخطباء والوعاظ في ذكر الفضائل هذه المذكورة، فالحديث هذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، هو ضعيف كما سمعتم. وفضائل الصيام كثيرة في الصحيحين، والسنن، وغيرهما، وفي ذلك غنى عن الضعيف. فلسنا بحاجة إلى الأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، لأن أحاديث فضائل الأعمال كثيرة. يقول السائل: هل المسلم حين يصوم يثبت قدرته على التغلب على الحاجات والأهواء؟ فكيف ذلك؟ وكيف يرى المسلم الدنيا على حقيقتها؟ أجابت اللجنة: فرض سبحانه صيام شهر رمضان لمصلحة عباده، لتهذيب نفوسهم، والارتقاء بهم إلى الكمال البشري. وفي الصيام الامتناع عن المفطرات من المطعم والمشرب وغيرهما، وهذا يمرن النفس على خلاف هواها، ويعينها على التغلب على شهواتها الممنوعة في الصيام، ويهذبها إلى الأخذ بالأخلاق الفاضلة. وإذا قوي علم العبد بدينه، وما أعده الله لعباده المؤمنين في الآخرة، وتمسك بدينه، عرف حقارة الدنيا ومنزلتها عند الله، وأنها لا تزن عنده سبحانه جناح بعوضة، كما جاء ذلك في الحديث الشريف الذي رواه الترمذي وابن ماجة. وإنما تعظم قيمتها في حق من عمرها بطاعة الله، واتخذها مطية للآخرة. وبالله التوفيق. وهذا واضح، الصيام مدرسة لتهذيب النفس، ولكبح شهواتها، وغير ذلك حكم كثيرة، وفوائد عظيمة: فوائد صحية، فوائد أخلاقية، فوائد اجتماعية، فوائد كثيرة من جوانب كثيرة. لذا صام الصيام المشروع، وحقق التقوى لله جل وعلا، فإنه يستفيد هذه الفضائل. وكذلك من الفضائل الصحية: أن من الناس من إذا صام استفاد من صيامه، كم من الأمراض التي كان يعاني منها قبل الصيام، فإذا لما صام خفت تلك الآلام، وذهبت تلك الآلام. وهي تدلنا على أن فضل الصيام لم يتصر على الفضائل الأخروية، بل حتى على الفضائل الدنيوية. الصيام فيه تنظيم الأوقات، الصيام فيه التمهل، فيه التريث، ضبط النفس، والشيء الكثير. يقول السائل: هل يمكن أن يصوم المرء ثلاثة أيام ليلا ونهارا في رمضان، وتكون بدل ثلاثين يوما؟ أجابت اللجنة: لا يجوز ذلك، ولا قال به أحد من أهل العلم؛ لأن الليل ليس محلا للصيام، ومن فعله يعتبر مخالفا للشرع المطهر، وآتي بما لم يشرعه الله، ومفطرا في رمضان بغير عذر. ولأن الله سبحانه أوجب على المكلفين من المسلمين صوم رمضان كله، فلا يجوز صوم بعضه عنه. وبالله التوفيق. يقول السائل: كيف تتم رؤية هلال رمضان في المملكة العربية السعودية، مع شرح الطريقة التي تتم بها الرؤية، وما يترتب عليها من إعلان؟ وما هي الجهة التي تعلن ذلك؟ أجابت اللجنة: نظرا لما يترتب على معرفة أول يوم من شهر شعبان من أهمية بالنسبة لشهر رمضان المبارك، فإن وزارة العدل تقوم في شهر رجب من كل عام بالتعميم على المحاكم بأن على القضاة أن يؤكدوا على الناس تحري رؤية هلال شهر شعبان. وفي أواخر شهر شعبان تجتمع الهيئة القضائية العليا بوزارة العدل للإطلاع على ما ورد من القضاة من شهادات برؤية هلال شهر شعبان. وبعد دراسة ذلك تصدر الهيئة القضائية قرارا بما ثبت لديها شرعا عن أول يوم من شهر شعبان. وبناء على ذلك تعين الليلة التي يجري فيها تحري رؤية هلال رمضان من أيام الأسبوع، وهي ليلة الثلاثين من شعبان. ومن ثم يتم التعميم على القضاة بذلك. وفي ليلة الثلاثين من شعبان يكون القضاة على أهبة الاستعداد لاستقبال من يحضر إليهم شاهدا برؤية هلال رمضان. وبعد ضبط شهادته، والتثبت من عدالته، ومناقشته في شهادته: كيف رأى الهلال؟ وفي أي مكان رآه؟ وكم من الزمن بينه وبين الشمس؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي يقصد منها التحقق من صحة إمكان رؤيته. بعد ذلك يبرق القاضي بشهادة الرؤية إلى وزارة العدل. وفي نفس الليلة تكون الهيئة القضائية منعقدة في مقر وزارة العدل للاطلاع على ما قد يرد من القضاة حول ذلك. وعندما يثبت لدى الهيئة دخول الشهر تعلن قرارا بذلك تثبت بموجبه دخول شهر رمضان المبارك. وبعد اعتماد ذلك القرار من المقام السامي يتم التعميم على القضاة، وإبلاغ المواطنين بواسطة الإذاعة والصحافة والتلفزيون. ويكفي في ثبوت رؤية هلال رمضان أن يشهد بدخوله مسلم عدل، لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه». رواه أبو داود والدارقطني. وأما بالنسبة لخبر الإذاعة أو البرقيات بثبوت الهلال دخولا أو خروجا، فنظرا إلى أنهما منسوبان إلى الدولة، ولا يمكن أن يجرؤ أحد أن يختلق خبرا بذلك أو يغيره بزيادة أو نقص مؤثرة، لا سيما وقد جرت العادة من المسؤولين عنهما منذ كان استخدامها كوسيلة إعلام بتحري الدقة التامة في النقل، فلا يظهر مانع يحول دون قبول خبرهما، وإن لم يكن متولي النقل معروفا معرفة تزكيه. وأما التليفون فيحتاج إلى مزيد تحقيق وتأكد عن شخص نقل الخبر وحاله من حيث العدالة والتحري في نقل الأخبار؛ لأن التليفون ليس شأنه كشأن الإذاعة أو اللاسلكي لكون استخدامه عاما. وبالله التوفيق. يقول السائل: ما هي الطريقة التي يثبت بها أول كل شهر قمري؟ أجابت اللجنة: دلت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم على أن الهلال ما تراءاه ثقة بعد غروب الشمس في ليلة الثلاثين من شعبان، أو ثقات ليلة الثلاثين من رمضان، فإن الرؤية تكون معتبرة، ويعرف بها أول الشهر من غير حاجة إلى اعتبار المدة التي يمكثها القمر بعد غروب الشمس، سواء كانت عشرين دقيقة أم أقل أو أكثر؛ لأنه ليس هناك في الأحاديث الصحيحة ما يدل على التحديد بدقائق معينة لغروب القمر بعد غروب الشمس. وقد وافق مجلس هيئة كبار العلماء بمملكة على ما ذكرنا. يعني يكون دخول شهر رمضان برؤية الهلال، فمتى رؤية الهلال دخل شهر رمضان ويثبت، ولو برؤية واحد، ولو برؤية واحد. لكن في هلال شوال الراجح أنه لا بد من شهادة رجلين، لا بد من شهادة رجلين في خروج شهر رمضان. أما في دخوله فدلت الأدلة على أنه يكتفى بشهادة رجل واحد. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك علينا محمدا وعلى آله وصحبه جميعا.