فضل الجهاد في سبيل الله

الخطبة بعنوان فضل الجهاد في سبيل الله، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٢ رجب ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

منزلة الجهاد في الإسلام وفضائله

يستعرض الخطيب مكانة الجهاد كذروة سنام الدين مستنداً إلى آيات وأحاديث تأمر به وتحذر من التقصير. ويبين فضائله كالصفقة الرابحة مع الله وحياة الشهداء عند ربهم.

فضل الجهاد وأحكامه ومراتبه

يوضح المقطع أن الجهاد من أفضل الأعمال بعد الصلاة وبر الوالدين، وشرع لنصرة المظلومين وإعلاء كلمة الله لا للإكراه. ويذكر مراتب الجهاد الأربع والفرق بين وجوب الكفاية والعين مع شرط إذن الوالدين ووجوب راية ولي الأمر.

أهمية الإعداد المعنوي والمادي للجهاد

يشدد الخطيب على وجوب استعداد الأمة بالإعداد المعنوي القائم على الإيمان والتقوى وترك المعاصي، والإعداد المادي المشروع تحت ولاية شرعية. ويؤكد أن النصر مرهون بالإخلاص والوحدة وتجنب التنازع مستشهداً بهزائم سابقة ومترحماً على علماء ومجاهدين استشهدوا.

ختام الخطبة بالدعاء والشهادة

يختتم المتحدث بالصلاة على النبي وآله وصحبه، ثم يرفع صوته بالتكبير والشهادتين تأكيداً على التوحيد والرسالة. ويختتم الخطبة بدعاء ختامي جامع.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، أحمده تعالى، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله: روى الترمذي في جامعه من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه فيما أوصاه به عليه الصلاة والسلام، والوصايا له ولأمته، وما دله عليه وأخبره به، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟» قال معاذ: بلى يا رسول الله. قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله». فالجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وذروة الشيء أي أعلاه. وهذا يدل على منزلة الجهاد في سبيل الله جل وعلا في دين الله، حتى عده بعض العلماء ركنًا سادسًا من أركان الإسلام، وذلك لما تكاثرت وتضافرت النصوص به بالأمر به، والتحذير والوعيد من الإخلال والتقصير فيه، وبيان فضائله وثماره. فأما من كتاب الله جل وعلا، فيقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. وقال جل وعلا: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. والآيات كثيرة في الأمر بالجهاد. وكذلك حذَّر الله تبارك وتعالى من التقصير والتفريط والإخلال في هذا الأمر العظيم، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. وكذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالجهاد في سبيل الله، ففي الصحيحين من حديثي عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال عليه الصلاة والسلام: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونية، وإذا استنفرتم فانفروا». وفي الصحيحين من حديثي أبي إبراهيم عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام، وكان قد خطبهم عليه الصلاة والسلام، وهكذا حاله في الجهاد كما أخبر الصحابة: لا يقوم حتى تميل الشمس، فيقوم عليه الصلاة والسلام خطيبًا، فخطبهم فقال عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف». ثم دعا عليه الصلاة والسلام بقوله: «اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم». وفي حديث مسلم رحمه الله تعالى عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يغزو أو يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق». من لم يغزو أو يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق. هكذا يحذر صلى الله عليه وآله وسلم. وكذلك في حديث أبي داود عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذُلًّا لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم». وقال عليه الصلاة والسلام: «ستداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها». قالوا: من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم منكم، وليلقين في قلوبكم الوهن». قال: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه، والحديث في الصحيحة للعلامة الألباني رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «ما ترك قوم الجهاد إلا أوشك الله جل وعلا أن يعاقبهم». وفي لفظ: «إلا ذل». وكل هذا يدلنا على منزلة الجهاد في دين الله تبارك وتعالى، وخطر التقصير والتقاعس والإخلال به. وأما فضائله فهي كثيرة، فمن فضائل الجهاد في سبيل الله أنه التجارة مع الله تبارك وتعالى الرابحة التي لا خسارة معها. قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وكذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وكذلك أخبر الله تبارك وتعالى بأن الذين قتلوا في سبيله إنما هم أحياء عنده جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وكذلك بيّن النبي عليه الصلاة والسلام فضل الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رجلًا سأل: أي الأعمال أحب إلى الله تبارك وتعالى؟ فقال: «الصلاة على وقتها». قال: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين سئل عليه الصلاة والسلام عن أفضل الأعمال، قال: «إيمان بالله ورسوله، وجهاد في سبيله». وفي حديث أبي هريرة زاد: «وحج مبرور». والحج المبرور والجهاد في سبيل الله. إنما شرع الجهاد عباد الله لا كما يقول أعداء الإسلام: أن الإسلام أو إن الإسلام إنما انتشر بقوة السيف وبالإكراه. لا والله، إنما انتشر الإسلام لما تضمنه من المعاني العظيمة والمحاسن الكريمة، وإلا فلا إكراه في الدين، كما قال جل وعلا: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. بل كان عليه الصلاة والسلام إذا بعث أمراءه كان ينهاهم عن الاعتداء، كان أول ما يأمرهم بالدعوة للإسلام، فإن قبلوا فالحمد لله، وإن لم يقبلوا بقوا على دينهم ودفعوا الجزية كما أمر الله تبارك وتعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. فلا إكراه في الدين، إنما هو الدخول في الإسلام أو إعطاء الجزية. وإنما شرع الجهاد في سبيل الله إعلانًا لكلمة الله، لتكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى. شرع الجهاد لاسترجاع المظالم إلى أهلها، لنصرة المظلومين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، كما قال جل وعلا: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾. فشرع الجهاد لأجل هذه المحاسن العظيمة وهذه المبادئ السامية. والجهاد جنسه فرض عين، جنس الجهاد فرض عين على كل أحد، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، لأن الجهاد في سبيل الله يكون بالقول، ويكون بالقلب، ويكون بالمال، ويكون بالنفس. مراتب الجهاد أربع مراتب: جهاد بالقول وبالحجة والبيان والبرهان، وجهاد بالقلب، وجهاد بالأموال، وجهاد بالنفس. ومن يُعذر عن هذه الأربع؟ من هذا الذي لا يستطيع أن يجاهد في سبيل الله بقوله؟ ومن هذا الذي لا يستطيع أن يجاهد في سبيل الله بقلبه؟ فما من أحد إلا وهو يستطيع. وهذا معنى أن جنس الجهاد فرض عين، لأنه على مراتب أربع، لا بد من استطاعة إحداها. وأما حيث الجهاد فهو فرض كفاية، كما قال تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. بين الله تبارك وتعالى أنه وعد القاعدين عن الجهاد غير أولي الضرر الحسنى مع من جاهد، لأن الجهاد في هذا الوقت فرض كفاية، فكلا وعد الله الحسنى. وكذلك قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. وقد يتعين الجهاد فيكون جهادًا عينيًا على كل أحد في حالات، ومنها: إذا داهم العدو أهل الإسلام في بلادهم، فصار الجهاد فرض عين، صار الجهاد فرض عين على كل أحد، لأن أعداء الإسلام إذا تُركوا أخذوا أموال المسلمين، وهتكوا الأعراض، وأفسدوا في أرض الله تبارك وتعالى، فلا بد من مقاومتهم والثبات لهم وعدم الفرار. قال جل وعلا: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. والجهاد الكفائي يشترط فيه إذن الوالدين، لحديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين: حين جاء رجل يستأذنه في الجهاد، فقال: «أحي والدك؟» قال: نعم. قال: «ففيهما فجاهد». وفي حديث آخر عند أهل السنن: جاء رجل يستأذنه في الجهاد، فقال: «أحي والدك؟» قال: نعم. قال: «ارجع إليهما». وفي لفظ: أن له أمًا، قال: «الزمها، فإن الجنة تحت قدميها». وهذا في الجهاد الكفائي. وأما جهاد العين فلا يشترط فيه إذن الوالدين، ولكنه يستحب أن يأخذ الإذن من والديه. هكذا قرر العلماء رحمهم الله تعالى. والجهاد عباد الله لا بد أن يكون تحت ولاية أمر المسلمين، وتحت راية الإسلام، تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا تحت راية عصبية، ولا حزبية، ولا قبلية، ولا طائفية، وإنما تحت راية ولي أمر المسلمين. وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، سطروه في كتبهم: قد ذكروا الإمام أحمد رحمه الله في كتاب أصول السنة، ذكره الإمام الطحاوي في الطحاوية، ذكره علي بن حسن بن خلف البربهاري رحمه الله، ذكره الصابوني في عقيدته، ذكره ابن قدامة المقدسي في لمعته. سطر أهل الإسلام هذا الأصل عند أهل السنة والجماعة: أن الجهاد في سبيل الله يكون تحت الأمر، وإن كان فاجرًا. قالوا: إن كانوا فجارًا، والجهاد والحج ماضيان. وإن كان في الحج ضعف، عند أبي داود، إلا أن هذا أصل عند أهل الإسلام. خالَف فيه الخوارج، وخالَف فيه الروافض. فالخوارج لا يجاهدون مع ولي الأمر الفاسق الذي ربما يسرق أو يشرب الخمر أو غير ذلك من هذه المحرمات، لا يرون الجهاد معه. وخالَف فيه الروافض الذين لا يرون الجهاد إلا مع الإمام الأعظم كما يزعمون. أما أهل السنة والجماعة فيرون الجهاد في سبيل الله مع كل ولي أمر، وإن كانوا فجارًا. هذا مسطر في كتب أهل الإسلام. نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنّا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. أيها المسلمون، عباد الله: وهناك أمور تجب على المسلمين أن يرعوها وأن يهتموا بها، وخاصة في هذه الأزمنة. فنحن يا أمة الإسلام في آخر أيام هذه الدنيا، قد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الفتن تتكاثر، وأن قتال أعداء الإسلام في هذه الأزمنة يكثر. فنحن نواجه عباد الله أعداءً كثيرين من الداخل، الذين يمثلون النفاق في هذا العصر، كالروافض وأذنابهم، فهم الذين يمثلون النفاق في هذا العصر، كما كان أولئك المنافقون يمثلون النفاق في العهد المدني. وكذلك نواجه أعداءً من الخارج، وما أكثرهم، لا كثرهم الله، من يهود ونصارى وغيرهم من أعداء الإسلام، الذين يمكرون ليلًا ونهارًا بهذا الدين، ويتحينون الفرص التي بها يغضون على هذا الإسلام. ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. لكن علينا يا أمة الإسلام أن نستعد وأن نتهيأ. كفى ما مر بنا من أعوام ومن سنين كنا فيها في غفلة عن هذا الأمر العظيم، حتى فُجعنا به، فُجعنا بأناس من الداخل، فإذا نحن لا نجيد حتى ضرب السلاح، ولكذا وكذا من فنون ومهارات الجهاد والقتال. ثم إذا فُجعنا صرنا نسعى ونركض في وقت ضيق، كان الأولى أن يكون الإعداد لهذا في زمان سابق، تحت ولايات شرعية، لا في خفاء عن الناس، لا من وراء الكواليس كما يقال، لا تحت ولاية غير أمور المسلمين، وعلى أنظار من أهل الإسلام: هؤلاء يتدربون، هؤلاء أهل الإسلام، هؤلاء أبناء المسلمين، هؤلاء جنود يتدربون ويمارسون هذا الأمر. لكن الذين لا يرون أصلًا الجهاد مع ولاية أمور المسلمين، وإنما سيجاهدون بأنفسهم، ذلك إنما ينعزلون عن الناس في تلك الخنادق وتلك المغارات، هذا ليس من أصول أهل الإسلام. الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. ويقول: ﴿جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. كما في حديث أنس: «بأ أموالكم وألسنتكم وأنفسكم». والإعداد على نوعين: معنوي ومادي. والإعداد المعنوي أعظم من الإعداد المادي. الإعداد المعنوي بالإيمان والتقوى والتسلح. كفى يا أهل الإسلام تفريطًا، تقصيرًا، ظلمًا، أكلًا لأموال الناس بالباطل، سمعًا للمحرمات، نظرًا للمحرمات. أما آن لكم أن تتقوا الله وتتركوا المحرمات والظلم والمعاصي والذنوب، وترجعوا إلى الله تبارك وتعالى، حتى إذا قمتم في وجوه أعداء الإسلام قمتم بقلوب طيبة، على اعتقاد طيب بالله تبارك وتعالى، على جوارح طيبة، إذا رفعت الأيدي الدعاء فهي أيدي بريئة لم تسرق ولم تغش ولم ترتشي، وجوارح قد تنزهت عن المعاصي، حتى يأتي النصر من عند الله تبارك وتعالى. فإن أهل الإسلام قد هزموا في أحد بسبب مخالفة واحدة، كانت عن اجتهاد، كانت عن اجتهاد لا عن قصد وتعمد لمعصية الله تبارك وتعالى، فأصيبوا بما أصيبوا. ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. مخالفة الرماة. ويوم حنين: اغترار بكثرة، اغترار بكثرة. ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾. إعجاب فقط بكثرة، لأن الواجب أن تتعلق القلوب بالله تبارك وتعالى لا بالأسباب، وإنما بالله تبارك وتعالى، فكانت الهزيمة. فكيف عباد الله إذا كان فينا العاصي الظالم المعتدي؟ بل ربما يحصل النزاع والشقاق في أثناء القتال مع دواعي الإسلام، والهجر والقطيعة غير الشرعية. هذا لا يشارك أخا المسلم في الجهاد، لأنه قد خالف في مسألة من المسائل يسعها الخلاف، صار يجاهد نفسه، قد انطوى في زاوية لا يشارك هؤلاء، بل ربما مر عليهم حتى بخل بالسلام. كيف يأتي النصر عباد الله وهذا هو الحال؟ ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. فتفشلوا وتذهب ريحكم. ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وكذلك لا بد يا عباد الله من الإخلاص، من الإخلاص. لا نقاتل لأجل تحصيل كذا وكذا من مناصب الدنيا وملذاتها. لا. في حديث موسى الأشعري في البخاري ومسلم: سئل عليه الصلاة والسلام عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه، ويقاتل رياءً. أي ذلك في سبيل الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله». بل قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. في حديث عمر في الصحيحين: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله». وهكذا الجهاد: من كان جهاده لأجل نصرة الله ونصرة رسوله عليه الصلاة والسلام، فهذا هو الجهاد الشرعي في سبيل الله. وإلا فمن الثلاثة الذين تسعر بهم النار يوم القيامة، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح وغيره: مجاهد، مجاهد، مجاهد، قد جاهد، لكن ليقال له: جرئ شجاع. مثل لمن أراد الجهاد لأجل نيل غرض من أغراض الدنيا، وحظ زائل من هذه الدنيا الفانية. وكذلك عباد الله لا بد من التراص صفًا واحدًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. كأنهم بنيان مرصوص. كالبنيان المرصوص، صف واحد، على عقيدة واحدة، على قلب رجل واحد. هكذا عباد الله تتحقق النجاحات والانتصارات. أما أن كان هذا يريد كذا، بمجرد أن حصل على بعض الأسلحة صار يقسمها في وقت ليس هو وقت تقسيم الغنائم. الغنائم فيما بعد، بعد أن تنتهي المعارك. ومن الناس من يقسم الغنائم في حينها، بمجرد أن يجد أسلحة لأعداء أغاروا عليها وقسموها، صار يقسمون الغنائم. فيا سبحان الله، هذا تعلق بأمور الدنيا يا عباد الله وحطامها. فالمجاهدون في سبيل الله لهم الفضائل العظيمة عند الله جل وعلا، والدرجات العالية. أعد الله لهم مائة درجة، كما يروى في الصحيحين: «ما بين درجتين كما بين السماء والأرض». أرواحهم في حواصل الطير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت. يغفر له عند أول قطرة من دمه، يزوج بكذا وكذا من الحور العين، يشفع في كذا وكذا من أهله. ما يجد من ألم الموت إلا كما يجد من قرص النملة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فنسأل الله جل وعلا أن يرحم الشهداء الذين قتلوا في سبيله، ونسأل الله جل وعلا أن يثبت أقدامهم. وقد أصبنا في هذه الأيام بمصاب جلل، بموت عالم من علماء المسلمين، وجبل شامخ من جبالها، ألا وهو الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب الوصابي رحمه الله تعالى، وأسكنه الله دار القرار، وأخلف الله جل وعلا الأمة مجددين لها ودعاة صادقين ناصحين. نسأل الله أن يغفر له، أن يرحمه. وقد أصبنا ببعض إخواننا في جبهاتهم، لقوا ربهم جل وعلا، نسأل الله جل وعلا أن يتقبلهم شهداء، فهودًا وأسودًا من أسود السنة. ومنهم أخونا الشيخ الفاضل فهد العدني رحمه الله تعالى، وهكذا جمال الدين، وغير هؤلاء. نسأل الله جل وعلا أن يتقبلهم شهداء، وأن يصبر أهاليهم، وأن يرحمهم، وأن يثبت إخواننا في جبهات الجهاد، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين. أقول قولي هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.