الخطبة بعنوان خطبة عيد الفطر لعام 1433هـ، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يُشدد على أهمية شكر الله تعالى على نعمه والمداومة على الأعمال الصالحة بعد رمضان. يشمل شكر الله الاعتراف بنعمه وتسخير الجوارح في طاعته والاستمرار في الطاعات.
يوصي بالاستمرار في الطاعات بعد رمضان ويحذر من التساهل في أمور الدين مثل الحجاب والاختلاط. يشدد على أهمية استغلال مواسم الخير مثل صيام الست من شوال.
يجب على الأمة الإسلامية التمسك بكتاب الله وسنة رسوله لتحقيق العزة والتمكين. يجب الابتعاد عن القوانين الوضعية والتعصبات الجاهلية والرجوع إلى أهل العلم.
يُدعو الله لنصر الإسلام والمسلمين وذل الشرك والمشركين. يتمنى أن يكون العيد فرصة لعودة الأمة إلى دينها وكتاب ربها وسنة نبيها تحت قيادة العلماء الراسخين.
الحمد لله، الحمد لله، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر المسلمين والمسلمات، ها نحن في هذا اليوم العظيم نفرح بفضل الله جل وعلا وبرحمته علينا، فهو القائل جل وعلا: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾. نحمد الله جل وعلا على توفيقه لنا وإعانته بإكمال عدة رمضان وبشهود هذا اليوم العظيم وفرحته. نصدق ما أخبر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في سنته، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: عليه الصلاة والسلام «للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه». نسأل الله جل وعلا أن يبلغنا الفرحة العظمى والفرحة الكبرى يوم أن نلقاه جل وعلا وهو راض عنا. عباد الله، علينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على آلائه ونعمه، فهو القائل جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾. نشكر الله جل وعلا عباد الله بقلوبنا وبألسنتنا وبجوارحنا. فحقيقة شكر الله جل وعلا اعتراف القلوب بنعم الله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا هو القائل: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾. حقيقة شكر الله جل وعلا تحدث الألسن بنعم الله جل وعلا، فالله جل وعلا هو القائل: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾. تسخير هذه الجوارح في طاعة الله جل وعلا، فلا تتكلم الألسن إلا فيما يرضي الله جل وعلا، ولا تنظر الأبصار إلا فيما يرضي الله جل وعلا، ولا تسمع الآذان إلا ما يرضي الله سبحانه وتعالى. ويظهر آثار هذه النعم على الجوارح، فالله جل وعلا يحب أن يرى أثر نعمته على عبده من غير إسراف ولا تبذير، ومن غير بطر ولا أشر ولا خيلاء ولا كبر. حفظ شكر الله عباد الله شكر الوالدين، فالله جل وعلا هو القائل في كتابه الكريم: ﴿أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير﴾، بالإحسان إليهما وببرهما وبالدعاء لهما في حال حياتهما وبعد مماتهما. فالله جل وعلا هو القائل في كتابه الكريم: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾. حقيقة شكر الله جل وعلا شكركم أيها الأزواج لأزواجكم بالإحسان إليهم وإلى ذريتكم ليكونوا قرة عين لكم، فالله جل وعلا هو القائل في كتابه الكريم: ﴿والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما﴾. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: «ورجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته». عليكم عباد الله بتنشئة هذه الذرية التنشئة الطيبة التنشئة الصالحة الموافقة لكتاب الله جل وعلا ولسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. حقيقة شكر الله جل وعلا شكركن معاشر الزوجات لأزواجكن بمعرفة حقوقهم عليكن والقيام بما شرعه الله جل وعلا في بيوتكن، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها». ربي لنا الأجيال، أخرج لنا الأبطال. اعرف حق الله جل وعلا عليك، أمت الله، احذري من التساهل في أمر الحجاب، احذري من التساهل في أمر الاختلاط، احذري من التساهل في أمر الخلوة. احذري أمت الله أن تقعري بالدعايات التي تبث في وسائل الإعلام باسم تحرير المرأة وحقوق المرأة، حقوقك وتحريرك في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. حذاري حذاري، عليك بالقرار في بيتك، في ذلك صيانتك وشرفك وعزتك، كما قال جل وعلا: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾. حقيقة شكر الله معاشر المسلمين والمسلمات بالمداومة على الأعمال الصالحة، فها نحن خرجنا من رمضان هذه المدرسة العظيمة وهذا المنهل الكبير. أقبلنا في هذا الشهر على الله جل وعلا بما أقبلنا به عليه سبحانه وتعالى من الأعمال الصالحات، فعلينا يا عباد الله أن نداوم على هذه الأعمال، فهذا شكر الله جل وعلا المداومة على الأعمال. قال جل وعلا: ﴿اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه العبد وإن قل». لا يكون حالك عبد الله، لا يكون حالك عبد الله كحال الذين لا يعرفون الله جل وعلا إلا في رمضان، لا يعرفون الصلوات جماعات إلا في رمضان، لا يعرفون صلاة الفجر في المساجد إلا في رمضان، لا يعرفون الصيام إلا في رمضان، لا يعرفون قراءة القرآن إلا في رمضان. قال بشر الحافي رحمه الله: «بئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان». عليك يا عبد الله أن تستغل مواسم الطاعات والخيرات وتشمر عن ساعد الجد، فإن مواسم الطاعات متتابعة ومستمرة. فها نحن عباد الله مقبلون على صيام الست من شوال التي قال فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام كما في سنن الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «من صام رمضان ثم أتبعه ستة من شوال كان كصيام الدهر». وهكذا عباد الله صيام الاثنين والخميس تعرض فيهن الأعمال على الله جل وعلا. وذلك قال عليه الصلاة والسلام: «وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». صيام يوم عرفة، صيام يوم عاشوراء، صيام أيام البيض، صيام ثلاثة أيام من كل شهر يذهب وحر الصدر كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فمواسم الطاعات متتابعة ومستمرة وليست في رمضان فقط يا عباد الله، وإنما في كل أشهر الله جل وعلا بحمد الله جل وعلا وفضله. في أشهر الحرام وفي ذي الحجة، صيام شهر الله المحرم، قال عليه الصلاة والسلام كما في مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «وأفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم». فعلينا يا عباد الله أن نستمر وأن نداوم، فإن ذلك من أعظم شكر الله جل وعلا. حفظة شكر الله جل وعلا عباد الله تعظيم شعائر الله سبحانه وتعالى في كل زمان وفي كل مكان. في أيام العيد يحصل التقصير خاصة والتفريط والتساهل من الرجال والنساء في الاختلاط والخلوة، مصافحة الأجنبيات، وكل ذلك يا عباد الله حرام في رمضان وفي غير رمضان وفي جميع أشهر الله سبحانه وتعالى. عباد الله، الأمة الإسلامية تمر اليوم بمراحل صعبة في تاريخ حياتها من تكالب أعداء الإسلام عليها من كل حدب وصوب، نصدق ما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله: «ستداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها». قال: «يا رسول الله أو من قلة نحن يومئذ؟ قال: لا، أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم منكم، ويلقي في قلوبكم الوهن». قال: «وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت». هذا الذي أصاب أمة الإسلام اليوم، الركون إلى الدنيا والتمسك بأذيالها والغفلة عن الآخرة والإعراض عن القيام بما أمر الله جل وعلا. ما أكثر الذنوب والمعاصي التي تعج بها مجتمعات أهل الإسلام من الرجال ومن النساء، ما أكثر التشبه بأعداء الإسلام في زيهم وفي قصات شعورهم وفي مناهجهم. كما أخبر عليه الصلاة والسلام بقوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: «يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن». وفي لفظ: «فمن القوم إلا أولئك». كيف يطلب الله تريدون العزة لهذه الأمة والخيرية والريادة والاستخلاف والتمكين وأنتم على ما أنتم عليه من هذا التقصير ومن هذا التفريط؟ إن العزة يطلب الله، وإن الاستخلاف والتمكين إنما يقوم ويتحقق بتحقيق شرع الله جل وعلا. وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا. وقال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾. وقال جل وعلا: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون﴾. وقال جل وعلا: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾. فلذلك يا عباد الله لا تمكين لهذه الأمة ولا عزة ولا رفعة إلا إذا أخذت بكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، وابتعدت عن قوانين الشرق وقوانين الغرب، وعظمت كتاب الله وعظمت شرع الله وحقت شرع الله جل وعلا. فحينئذ تبشر هذه الأمة بوعد الله جل وعلا الذي لا يخلف وعده، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. عباد الله، مجتمعات أهل الإسلام قد غزاها أعداء الإسلام بأفكارهم وبعقائدهم، دخلوا إلى بيوتنا عبر هذه الشاشات وعبر هذه القنوات. فأين أولياء الأمور؟ أين الغيورون على دين الله جل وعلا؟ أين الغيورون على محارم الله جل وعلا وشعائر الله سبحانه وتعالى؟ ما أكثر التهاون من كثير من الناس، وما أكثر التفريط يا عباد الله، وهذا والله مؤذن بهلاك هذه الأمة وحصول الفتن والشقاق فيما بينها، والواقع خير شاهد وخير دليل على ذلك. عباد الله، أصلحوا ذات بينكم، أصلحوا ذات بينكم، كونوا على كلمة سواء. تحرروا من التعصبات الجاهلية والحزبيات الهمجية والجاهلية، كونوا على كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام على ما كان عليه سلفكم الصالح. هذه دعوة أهل الحق دائما وأبدا وفي كل زمان وفي كل مكان. عباد الله، الفتن والمصائب كثيرة في أمة الإسلام، والشقاق والتهاجر والتقاطع لهذه الدنيا والتقاتل وسفك الدماء بين فترة وأخرى، تذهب الأرواح الكثيرة وتزهق الأنفس وتنتهك الأعراض، كل ذلك يا عباد الله في غير موافقة شرع الله جل وعلا وفي غير ما أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. كل ذلك يا عباد الله إنما كان بسبب إعراض هؤلاء الناس عن دين الله جل وعلا وعن تعلم العلم الشرعي من أهله الراسخين في العلم الأئمة المصابيح الدجى، أعلام الهدى. فلما أعرض الناس عن العلماء الربانيين أصابهم ما أصابهم. فالله الله عباد الله في الرجوع إلى أهل العلم والأخذ بفتاويهم، احذروا من هذه الحماسات الفارغة ومن هذا الكلام الذي إنما هو إثارة لا يقوم على دليل من كتاب الله ولا من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. هكذا يا عباد الله فلتكونوا في هذه الدنيا داعين إلى ذلك ومجتهدين في ذلك، باذلين أموالكم، باذلين أنفسكم حتى يتحقق العز والمجد والسعادة والرفاهية والرخاء لهذه الأمة. وإلا يا عباد الله فالحال سيكون هكذا كما قال الله جل وعلا: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المتمسكين بكتابه وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، الداعين إليهما، الناصحين في دينه سبحانه وتعالى. ونسأله جل وعلا أن يرحم إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يفرج عنهم كربهم، فإنهم يعيشون ويعانون تحت أزيز المدافع وصفير الطائرات. فادعوا لإخوانكم ولا تبخلوا عليهم بالدعاء بظهر الغيب، فإنهم إخوانكم ولهم الحق عليكم، فلا تبخلوا بذلك يا عباد الله. تذكروا ما هم عليه، وادعوا لهم بالدعاء الخالص أن يفرج الله جل وعلا عنهم. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عنهم، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين، وأن يجعل هذا العيد عودة حميدة لهذه الأمة إلى دينها وإلى كتاب ربها وإلى سنة نبيها صلى الله عليه وسلم وإلى العلماء الراسخين الربانيين الذين يقودونها إلى بر الأمان. نسأله جل وعلا وهو ولي ذلك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.