الاعتبار بآيات الله

الدرس في الاعتبار بآيات الله، وكانت بدار الحديث بالشحر 15 رجب 1432هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التفكر في آيات الله وأهميته

يدعو الخطاب إلى التفكر في آيات الله الكونية والانتفاع بها، ويبين أهمية ذلك في الإيمان والتقوى. يفرق بين أهل الإيمان الذين يعتبرون بآيات الله وأهل الكفر الذين لا يتعظون.

التحذير من الإعراض عن آيات الله

يتحدث عن أهمية التفكر في آيات الله والتحذير من الإعراض عنها، ويصف حال الذين أعرضوا عن آيات الله. يبين أن التفكر في آيات الله يحث على الرجوع إلى الله الواحد القهار.

الاعتبار بآيات الله الكونية

يذكر أهمية الشمس والقمر كآيتين من آيات الله ويحث على الاعتبار بهما والخوف من الله. يشير إلى أهمية الصلاة عند كسوف الشمس وخسوف القمر ويبين غفلة كثير من الناس عن هذه الآيات.

الدعاء بالهداية والتقوى

دعاء لله بأن يجعل الداعي من المتعظين بآياته ويوفقه لما يحب ويرضى. يتضمن طلب الهداية والتوفيق للطاعة والرضا الإلهي، وينتهي بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعود بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس، إن الله جل وعلا الإله الرب العظيم الحليم الحكيم العليم جل وعلا قد جعل لعباده آيات كونية في أنفسهم وفي آفاقه تبين لهم صدق ما أنزل على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في محكم كتابه وتنزيله. سبحانه وتعالى آيات كثيرات، عباد الله تمر بنا في هذه الحياة الدنيا، ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكفي بربك أنه على كل شيء شهيد﴾، وكما قال جل وعلا في كتابه الكريم ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾. آيات كثيرات، عباد الله تمر علينا في نهارنا وليلنا، وفي سنيننا وشهورنا، وفي عصورنا ودهورنا، لكن من الذي يعتبر بهذه الآيات؟ ومن هذا الذي يتعب بهذه المذكرات؟ إلا من رحم الله سبحانه وتعالى. تأمل سطور الكائنات، فإنها من الملك الأعلى إليك رسائل قد خط فيها، لو تأملت خطها على كل شيء ما خلق الله باطلا تشير بإثبات الصفات ربها، فصامتها يهدي، ومن هو قائل: «فوى عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد؟ وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد». الذين يعتبرون بآيات الله جل وعلا هم أهل التفكر، وهم أهل العقول السليمة، الذين أثنى ربنا جل وعلا عليهم في كتابه الكريم بقوله: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾. هؤلاء أهل التبصر، وأهل التدبر، الذين ينتفعون بآيات الله جل وعلا، الذين انتدعهم ربنا جل وعلا في كتابه الكريم بقوله: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقينا عذاب النار﴾. هؤلاء المنتفعون بآيات الله جل وعلا، أهل الإيمان والتقوى، أهل الخوف والخشية من رب العالمين جل وعلا، كما انتدحهم ربنا جل وعلا في كتابه الكريم بقوله: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد إن في ذلك لذكرى إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود﴾. هؤلاء أهل الإنابة، وأهل التوسم، وأهل الإخلاص والصدق، الذين قال الله جل وعلا عنهم في كتابه الكريم: ﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين﴾، أي المتفهمين، أي المتعظين، أي المعتبرين، الذين خافوا الله جل وعلا وأنابوا إلى ربهم سبحانه وتعالى. أما أهل الكفر والعناد، وأهل الشر والفساد، وأهل الغفلة والإعراض، والعياذ بالله، فإنك قد أسمعت لو ناديت حيا، ولكن لا حياة لمن تنادي، ونار لو أنفخت فيها أضاءت، ولكنك تنفخ في رماد. فلا يتعظون بآيات الله جل وعلا، ولا ينزجرون بآيات الله سبحانه وتعالى، بسبب سيطرة الران على قلوبهم، فقد سيطر الران على قلوبهم فصارت قلوبهم غلفا، لا تفقه الحق، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها﴾، وهكذا سيطر الباطل على عيونهم، فامتلئت عيونهم بالحرام، فصاروا لا يبصرون الحق، والعياذ بالله، جزاء وفاقا، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم مبينا حالهم: ﴿ولهم أعين لا يبصرون بها﴾. بل صارت أعينهم عميا بسبب ما امتلأت من الحرام والباطل، والعياذ بالله، وهكذا بسبب ما امتلأت آذانهم من سماع الحرام والباطل، وكذلك الكذب وغير ذلك، صارت آذانهم صما، لا تسمع الحق الذي يجب أن تكون عليه، كما قال جل وعلا: ﴿ولهم آذان لا يسمعون بها﴾. أولئك كالأنعام، بل هم أضل، أولئك هم الغافلون، فإنما ينتفع عباد الله بآيات الله جل وعلا من كان صادقا مع الله جل وعلا، ومن كان مقبلا على الله سبحانه وتعالى. أما هؤلاء فصاروا على هذا الحال، والعياذ بالله، لا يقيمون لآيات الله جل وعلا وزنا ولا اعتبارا ولا اتعاظا، ماتت قلوبهم، والعياذ بالله، بسبب اقتراف العيوب. فلذلك، عباد الله، علينا أن نكون من عباد الله جل وعلا المعتبرين بآياته سبحانه وتعالى، المتعضين بما يحصل في ملكوت الله جل وعلا، فإنها آيات عظيمة، وهي مذكرات من رب العالمين سبحانه وتعالى. مذكرات تذكرنا، عباد الله، في هذه الحياة الدنيا بالله جل وعلا، لنتزود للقائه سبحانه وتعالى في ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. عباد الله، إن أعذاب الإسلام، وإن المعرضين، والعياذ بالله، عن التفكر في آيات الله جل وعلا والتأمل فيها، إنما كان بسبب زيغ قلوبهم، والعياذ بالله، فكان جزاء وفاقا، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾. وكما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾. هؤلاء، عباد الله، الغافلون، الذين وصفهم الله جل وعلا في كتابه الكريم في آيات كثيرات، في كتابه العزيز، فهؤلاء الذين قال الله جل وعلا فيهم، وفي أمثالهم: ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون إنما تنذر من اتبع الذكرى وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم﴾. أمثال هؤلاء الذين قال فيهم ربنا جل وعلا في كتابه الكريم عنهم: ﴿وسواء علينا سواء علينا أو عطا أم لم تكن من الوعظين﴾. هؤلاء الذين قال الله جل وعلا فيهم في كتابه الكريم: ﴿وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين﴾، فهم معرضون عن آيات الله سبحانه وتعالى، لا يتفكرون فيها، ولا يتأملون فيها، ولا يتدبرون فيها، والعياذ بالله. ختم الله جل وعلا على قلوبهم، وعلى أسماعهم، وعلى أبصارهم، فصاروا، والعياذ بالله، في هذه الدنيا على هذا الحال المزري، ولا عذاب الآخرة أشد وأبقى. أما أهل الإيمان، وأهل التقوى، وأهل الخوف من الله جل وعلا، كما سمعتم، فإن حياتهم كلها تذكار لله جل وعلا، وتذكار بآياته سبحانه وتعالى. فأمر مفترض، الله سبحانه وتعالى، عليهم، وانتفعوا بآيات الله جل وعلا التي يرونها في ليلهم ونهارهم، وفي زمنهم وأعصارهم، فانتفعوا نفعا عظيما. عباد الله، إن من أعظم آيات الله جل وعلا الليل والنهار والشمس، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾. فالليل والنهار، عباد الله، من أعظم آيات الله سبحانه وتعالى، يغشي الليل النهار، يطلبه حثيثا، ويخلف الليل النهار، كل ذلك، عباد الله، ليذكرنا بالله الواحد القهار، وليذكرنا بزوال هذه الدنيا، وانقضاء الأعمار. ليذكرنا، عباد الله، بالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، فهل كنا من أولي النهى والأبصار، الذين عملوا لدار البقاء والقرار، ولم تغرهم دار المصائب والأكدار؟ أم أننا غفلنا، عباد الله، والعياذ بالله، في هذه الدنيا عن ذكر الله جل وعلا، وعما افترض الله سبحانه وتعالى علينا؟ فالليل والنهار، عباد الله، يقول عنهما ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا﴾. وهو قائل جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا﴾. فالليل والنهار، عباد الله، يذكرانك دائما برحيلك من هذه الدنيا، في ابتدائهما، وعند انتهائهما، يذكرانك بالله سبحانه وتعالى. ﴿يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، اللهم اجعلنا من سخر نعمك في طاعتك ومرضاتك، يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، إمام الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين إلى جنات رب العالمين، إمام المتعظين والمعتبرين، عليه الصلاة والسلام. أيها الناس، ألا وإن من آيات الله جل وعلا العظيمة الشمس والقمر، فإن الشمس والقمر من آيات الله جل وعلا العظيمة، وهذا المسار الرفيع، وهذا النظام البديع، اللذان يسيران عليه، ليذكرنا بالعليم الحكيم السميع جل وعلا. والشمس تجري لمستقر لها، ذلك تقدير العزيز العليم، ﴿والقمر قدرناه منازلا حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون﴾. انظر، يا عبد الله، إلى الشمس وإلى القمر، انظر، يا عبد الله، إلى الكواكب والأفلاك، فهذه الكواكب تذكرك بمكوكبها جل وعلا. راود رجل امرأة في فلاة عن نفسها فامتنعت، فقال لها: «لا يرانا أحد إلا الكواكب»، فقالت: «وأين مكوكبها؟». تعني الله سبحانه وتعالى، الله أكبر، إنها المراقبة، إنه الاتعاظ، إنه الانتفاع بآيات الله جل وعلا. إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقول خلوت، ولكن قل علي رقيب، فلا تحسب أن الله يغفل الله يغفل ساعة، ولا أن ما تخفيه عنه يغيب. إذا خلوت بريبة في ظلمة، والنفس داعية إلى العصيان، فاستحي من نظر الإله، وقل لها: «إن الذي خلق الظلام يراني». أين الخوف من الله جل وعلا، عباد الله؟ أين الاستحياء من رب العالمين سبحانه وتعالى؟ ثبت في الصحيحين وغيرهما، من حديث المغيرة، ومن حديث أبي موسى، ومن حديث أبي مسعود، ومن حديث جابر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث عائشة، ومن حديث أسماء، وغيرهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، أن الشمس إن كسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال الناس: «إن كسفت الشمس»، وكان ذلك يوم موت ابنه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقال الناس: «إن كسفت الشمس لموت إبراهيم»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام في خطبته بعد أن فزع إلى الصلاة: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، ولكنهما آيتان يخوف الله بهما عباده». فإذا رأيتموهما فادعوا، وصلوا، وفي لفظ: «فافزعوا إلى الصلاة»، وفي لفظ: «فادعوا وتصدقوا»، وفي لفظ: «فاستغفروا الله»، وغير ذلك من الألفاظ الثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فالشمس والقمر، عباد الله، آيتان عظيمتان من آيات الله جل وعلا، يذكران العبد في هذه الدنيا بالله سبحانه وتعالى، في حال طلوعهما، وفي حال غروبهما، وفي حال تجليهما، ويخوفان بالله جل وعلا في حال خسوفهما وكسوفهما. فهل اعتبرنا، عباد الله؟ بالأمس القريب، شهدنا جميعا، عباد الله، خسوف القمر، فمن من الذي اعتبر؟ ومن من الذي ارعوى وانزجر؟ ومن من الذي اتعظ واعتبر؟ عباد الله، الآية قائمة، وهناك من الناس في لهو وغفلة، والعياذ بالله، أهل القاتل مع تخزينهم لا يلقون لهذه الآية بالا، وأهل الطرب في طربهم، وفي لهوهم، وفي غيهم، وهؤلاء أهل الدشوش والقنوات، مع قنواتهم، من قناة إلى أخرى، لا يشهدون مع الناس صلاة لله جل وعلا، ولا يقيمون لهذه الآية اتعاظا وذكرا واعتبارا. كأن هذه الآية لا تعنيهم، كأن هذه الآية لا تعنيهم، وهي تخويف من رب العالمين جل وعلا، نبينا عليه الصلاة والسلام خطب الناس في الكسوف، وقال عليه الصلاة والسلام: «يا أمة محمد، ما من أحد أغير على الله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو أن تزني أمته». «يا أمة محمد، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا»، لكن، والعياذ بالله، الغفلة، وضعف الخوف من الله جل وعلا. اللهم لا تواخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم أيقظ قلوبنا من غفلتها ورقدتها، يا رب العالمين، اللهم قوي إيماننا بآياتك في نفوسنا وقلوبنا، يا رب العالمين. اللهم اجعلنا من المتعظين والمعتبرين بآياتك، يا رب العالمين، اللهم اجعلنا لك شاكرين ذاكرين خاضعين منيبين معتبرين، وبآياتك متعظين، نعيش على ذلك إلى أن نرحل إليك، يا رب العالمين، وأنت راض عنا. اللهم وفقنا لكل ما تحب وترضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.