الدرس في شرح القواعد الأربع 4، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
توضح القاعدة الثانية أن المشركين الأولين عبدوا الأصنام زاعمين أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم يوم القيامة. ويرد الشيخ بأن الشفاعة نوعان: منفية تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، ومثبتة تكون بإذن الله ورضاه، وأن اعتقاد المشركين في شفاعة مستقلة لأوليتهم بغير إذن الله هو شرك مخرج عن الملة.
يبيّن المقطع أن الشفاعة الحقيقية ملك لله وحده ولا تتم إلا بإذنه ورضاه عن الشافع والمشفوع، وهي قائمة على التوحيد والإخلاص. كما يوضح الفرق بين الوساطة الشرعية المتمثلة في تبليغ الرسل، والوساطة الشركية التي يتخذها المشركون من الأصنام والأنداد تقرباً إلى الله.
يميز المقطع بين الواسطة الشرعية وهي تبليغ الرسل للدين، ومن أنكرها كفر، والواسطة الشركية وهي اتخاذ وسائط بين العبد والله للدعاء وطلب الشفاعة وهي من نواقض الإسلام. كما يوضح الفرق بين الشفاعة المنفية بلا إذن الله والشفاعة المثبتة بإذنه ورضاه، ويذكر أقسام الشفاعة في الدنيا والآخرة.
يختتم المتحدث الدرس مشيراً إلى أن الدرس القادم سيتناول أنواع الشفاعة والقاعدة الثالثة. ويدعو بالخير للجميع في ختام المجلس.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: مر معنا في الدرس الماضي الكلام حول ما يتعلق بالقاعدة الأولى من القواعد الأربع في رسالة شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي رحمه الله تعالى. فمن يلخص لنا القاعدة الأولى؟ من يلخصها لنا تلخيصاً؟ نعم تفضل: الربوبية. نعم، مع هذا إنهم يعني مؤمنون أن الله خالقهم، وكذلك أشياء... قيون الأولى... ومع هذا طيب. ومع هذا أيضاً كونهم يعني مقرين بتوحيد الربوبية، ومع هذا لم... لم يدخلهم... نعم، أحسنت. إذن يا إخوان، خلاصة هذه القاعدة: هو أن الكفار الأولين الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وحكم عليهم بالكفر كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، ومع هذا لم ينفعهم هذا الإقرار، ولم يدخلهم في الإسلام، ولم يدخلهم في الإسلام. طيب، وسبق معنا الكلام حول إقرار هؤلاء المشركين بجوانب الربوبية، وما ذكره ربنا عز وجل في كتابه العزيز: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، والآية التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ فَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. وهكذا آيات كثيرة تبين إقرار هؤلاء المشركين بتوحيد الربوبية. وقلنا: الشيخ رحمه الله تعالى أراد بإيراده لهذه القاعدة أن يرد على من... أن يرد على من... على... نعم، أحسنت: على القبورية، عباد الأضرحة والقبور، على المشركين المتأخرين الذين كانوا يدندنون بشبهة. ما هذه الشبهة يا إخوان؟ ما هذه الشبهة؟ ما هذه الشبهة؟ نعم، أحسنت: المشركون المتأخرون يدندنون بشبهة مفادها: يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل المشركين الأولين لأنهم كانوا يعتقدون أن هناك من يشارك... من يشارك الله عز وجل في الخلق والرزق والإحياء والإماتة إلى غير ذلك من جوانب الربوبية. قالوا: أما نحن فإننا نقر أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لهذا الكون. وقلنا: يعني ليس هناك فرق بين إقرار الأولين وبين إقرار الآخرين، فكلهم يقر بالربوبية، والخلاف الذي وقع بين الرسل وأممهم أكثر ما يكون في الألوهية: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. وهكذا قوله سبحانه وتعالى عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، أي ما يقبلون ولا يدعنون، ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾، يعني نترك هذه الآلهة المعظمة الكثيرة المبجلة لكلام هذا الرجل الذي هو لا يخلو من سحر ومن جنون: ﴿لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾. فتولى ربنا عز وجل الرد عليهم فقال سبحانه: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾، وصدق المرسلين. ولهذا سيأتي معنا كما سبق في القاعدة الرابعة الأخيرة مقارنة يا إخوان بين شرك المتقدمين الأولين الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، وبين شرك المتأخرين مشرك زماننا وما قبل زماننا، وأن شرك المتأخرين أغلظ وأشد من شرك المتقدمين من أوجه عديدة، ذكر المصنف رحمه الله تعالى أربعة أوجه كما سيأتي معنا إن شاء الله عز وجل. طيب، قال رحمه الله تعالى: "قال: القاعدة الثانية، أي من القواعد الأربع، من القواعد الأربع. قال: القاعدة الثانية: أنهم يقولون... يقولون... يعني المشركون يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة. قال: فدليل القربة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾. قال: ودليل الشفاعة قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾، هؤلاء شفعاؤنا عند الله. قال: والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية وشفاعة مثبتة. فالشفاعة المنفية: ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال: والشفاعة المثبتة هي التي تطلب من الله، والشافع مكرم بالشفاعة، أي مكرم من الله عز وجل بأن جعله يشفع، قال: والمشفوع له من رضي الله قوله وعمله بعد الإذن، أي بعد الإذن بالشفاعة، قال: كما قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، إلا بإذنه. وأورد رحمه الله تعالى هذه القاعدة العظيمة. وهذه القاعدة يا إخوان ذكرت بعد القاعدة الأولى التي بين فيها في الأولى أن المشركين كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق، وأن الأصنام لا تخلق، وأن الله هو الرازق، وأن الأصنام لا ترزق، وأن الله هو الذي أحيا وهي لا تحيي، وهو الذي سيميت وهي لن تميت، وهو الذي يدبر الأمر وهي لا تدبر. فقد يسأل سائل: إذن لماذا يعبدونها؟ ولماذا يتقربون إليها بأنواع العبادات والقربات؟ هنا يأتي الجواب بالقاعدة الثانية: قالوا ماذا؟ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾. إذن يقولون: نحن نتقرب إليهم من أجل ماذا؟ أن هذه الآلهة لها جاه عند الله، وما كان عند الله وقرب عند الله، فنحن نتقرب إليها من أجل ماذا؟ تقربنا إلى الله عز وجل. وهكذا يوم القيامة: هذه الآلهة ستشفع لنا عند الله سبحانه وتعالى، ويقولون: ﴿هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾. هذه الشفاعة المنفية يوم القيامة التي نفاها ربنا عز وجل عن المشركين، عن المشركين. وخلاصة هذه القاعدة يا إخوان: أن المشركين الأولين يعتقدون أن لأوليائهم ولآلهتهم شفاعة يوم القيامة بغير إذن الله عز وجل، بغير إذن الله عز وجل، وبغير رضا منه سبحانه. ولما قالوا: لأن لأوليائهم جاه ومكانة عند الله تبارك وتعالى، أرد الله عليهم: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، من هذا الجريء؟ من هذا الذي سيتجرأ ويتقدم بين يدي الله عز وجل ويشفع في الخلق أو في بعض الخلق إلا إذا أذن الله عز وجل؟ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً: ﴿وَلَا تَغْنِي شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ عِندَهُ شَيْئًا إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، إلا بعد الإذن من الله عز وجل للشافع أن يتقدم فيشفع، ويرضى أي عن الشافع والمشفوع، عن الشافع والمشفوع. إذن الشفاعة رجعت إلى الله عز وجل: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، الشفاعة جميعا. وحقيقة الشفاعة يا إخوان التي يدندن حولها المشركون: أنهم يعتقدون أن لآلهتهم شفاعة، أن لآلهتهم شفاعة عند الله تبارك وتعالى. وكما سبق: أن هذه الشفاعة التي أثبتها المشركون لآلهتهم هي التي نفاها ربنا عز وجل، نفاها ربنا سبحانه وتعالى كما في صريح القرآن، قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُم مِّن شَافِعِينَ﴾، فما لهم من شافعين، ﴿وَلَا وَلِيٍّ حَمِيمٍ﴾، ولا ولي حميم. فأراد الشيخ رحمه الله تعالى أراد بإيراده لهذه القاعدة أن يرد وأن يبين لهم ماذا: أن الشفاعة التي ظنها المشركون في تلكم الآلهة هذه شفاعة منفية، هذه شفاعة منتفية يوم القيامة لأنها قائمة على الشرك. لاحظوا: لأنها قائمة على الشرك. والشفاعة المثبتة إنما تقوم على التوحيد. أليس أبو هريرة سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟" ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: "لقد ظننت ألا يسألني عن هذا أحد غيرك يا أبا هريرة، لما رأيت من حرصك على العلم"، وفي رواية: "لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله مخلصاً بها قلبه". إذن الشفاعة المثبتة تقوم على التوحيد، وشفاعة المشركين المنفية قائمة على ماذا؟ قائمة على الشرك. لما اعتقدوا في تلكم الأصنام والأشجار والأحجار والكواكب وغيرها، قاموا وذبحوا لها، وحلفوا بها، وجعلوا لها أن... النذور، دعوها من دون الله عز وجل، دعوها من دون الله عز وجل، وهكذا فعلوا غيرها من العبادات. حتى في باب التسمية: عبد اللات، هذا من اسمك؟ قال: أنا اسمي عبد اللات. من اللات هذا؟ صنم. وأنت؟ قال: أنا عبد العزى. وأنت؟ قال: أنا عبد مناة. وأنت؟ قال: أنا عبد هبل. وأنت؟ قال: أنا عبد الكعبة. وأنت؟ قال: أنا عبد شمس. ما شاء الله. وعبدوا وألهوا، وقَلَّ أن تجد فيهم عبد الله، وقَلَّ أن تجد فيهم عبد الرحمن وعبد العزيز وعبد الصمد، يعني أكثر التعبيد للأصنام والآلهة. فهذه الشفاعة التي أثبتها المشركون هي التي نفاها ربنا عز وجل. احفظوا هذا يا إخوان. ولما نفاها ربنا عز وجل؟ لأنها قائمة على الشرك، بينما الشفاعة المثبتة التي أثبتها الله عز وجل هذه قائمة على التوحيد، هذه قائمة على الإخلاص لله تبارك وتعالى. فإذا قلنا: أراد رحمه الله تعالى بإيراده لهذه القاعدة أن يرد على المشركين ويبين لهم حقيقة الشفاعة التي اعتقدوها، أنها شفاعة منفية لأنها قائمة على الشرك، وأن الشفاعة الحقيقية التي أثبتها ربنا عز وجل هي التي قائمة على التوحيد. ويتفضل ربنا عز وجل بها على الشافع: أراد الله أن يكرم عبداً من عباده فيجعله يشفع، يجعله يشفع، يقوم ويشفع. أكرم ربنا عز وجل الأنبياء والرسل فجعلهم يشفعون، وأكرم الصديقين والشهداء فجعلهم يشفعون، وأكرم الصالحين والملائكة وغيرهم فجعلهم يشفعون. إذن الشفاعة المثبتة يا إخوان حقيقتها: أن الله عز وجل يتفضل على الشافع بأن يقوم وأن يشفع، وأن يشفع، وهذه الشفاعة إنما تكون في أهل الإخلاص وفي أهل التوحيد لله عز وجل، فيغفر لهم بواسطة من دعا... بواسطة من دعا ممن أذن الله عز وجل له أن يشفع، فيكرمه ربنا عز وجل بالشفاعة، وأن ينال هذه المنزلة العظيمة. الشفاعة يا إخوان المثبتة لا تكون إلا بشرطين اثنين، ما هما؟ يعني بناء على ما مضى. نعم، عندك الأول؟ طيب، الثاني: أن يرضى عن الشافع والمشفوع. الأول... والأول يا بالفضل: التوحيد. طيب، لكن هناك شرطان: الثاني قال: أن يرضى الله عن الشافع وعن المشفوع، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ﴾، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى. لكن الشرط الأول... نعم، كلامك مجيء جداً، لكن الآن الخلق كلهم كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾، ذلك اليوم الحق. طيب، وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد الإذن: ﴿إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾. إذن الشرط الأول يا إخوان من شروط الشفاعة المثبتة: الإذن، أي من الله عز وجل، لمن؟ للشافع أن يشفع. والشرط الثاني: الرضا عن الشافع وعن المشفوع، الرضا عن الشافع وعن المشفوع. وهذه القاعدة يا إخوان فيها... فيها ماذا؟ أن المشركين جعلوا بينهم وبين الله واسطة، جعلوا بينهم وبين الله واسطة. والواسطة يا إخوان هي ما يتوصل بها إلى الشيء، ما يتوصل بها إلى الشيء. أنت الآن تريد تصعد إلى السطح، ما تستطيع أن تطير، لابد أن تأتي بماذا؟ السلم. السلم هذا واسطة لكي تصل إلى السطح. طيب، الواسطة هي ما يتوصل به إلى الشيء، إلى الشيء. والوسائط يا إخوان بين الله وبين خلقه على نوعين اثنين، على نوعين اثنين: النوع الأول واسطة شرعية، والنوع الثاني واسطة شركية. لاحظوا يا إخوان: النوع الأول واسطة شرعية يعني مشروعة، والثانية واسطة شركية. أما بالنسبة للواسطة الشرعية: فهم الذين بين الله عز وجل وبين خلقه، وهذه واسطة تسمى واسطة التبليغ، والواسطة ها هنا هي واسطة الرسل، واسطة الرسل. فالرسل بيننا وبين الله عز وجل يبلغون... يبلغون... يبلغون الخلق ويبلغون العبيد كلام الله وشرع الله سبحانه وتعالى. هل ممكن يا إخوان أننا نأخذ مباشرة عن الله؟ يقول أحدنا: حدثني قلبي عن قلبي عن... عن ربي، كما يفعل بعض الزنادقة؟ لا، لا يمكن. لكن الله عز وجل أرسل الرسل مبشرين ومنذرين: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ما يأتي واحد يقول: يا رب، إيش هذا الآن تقول جنة ونار وإسلام وكفر، نحن ما سمعنا بشيء، ما سمعنا بشيء. لا، يقيم الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإقامة الحجج عليهم، وإقامة الحجج عليهم. هذه يا إخوان تسمى واسطة تبليغ، واسطة تبليغ، أي تبليغ هذا الدين من الله عز وجل للعباد، للعباد. وهذه واسطة جائزة ومشروعة، بل من أنكرها فهو كافر. من أنكر واسطة الرسل بينه وبين الله عز وجل فهذا يعتبر كافراً، كالزنادقة هؤلاء الذين يأخذون الشرائع مباشرة من الله، يقول أحدهم: حدثني قلبي عن ربي، ويأتي آخر ويقول: أنتم تأخذون دينكم عن عبد الرزاق، ونحن نأخذ ديننا عن من؟ عن الرزاق، أي نفسه سبحانه وتعالى. فإنكار ورد هذه الواسطة يعتبر كفراً، يعتبر كفراً. وماذا، كما بيّن ذلك ونقل الإجماع على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في كتابه "الواسطة بين الحق والخلق"، الواسطة بين الحق، من هو الحق؟ أحسن: الله عز وجل، وبين الخلق، أي الإنس والجن، الإنس والجن. وماذا، نقل الإجماع على أن هذه واسطة مشروعة، ومن أنكرها فيعتبر كافراً. واتفقت الملل، ليس المسلمون فقط، المسلمون ومن قبلهم من اليهود والنصارى وغيرهم، على أن هذه واسطة مشروعة، وأن من أنكرها كفراً. الواسطة الثانية: هي واسطة شركية، واسطة شركية. والمقصود بها ماذا؟ هو أن يجعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة، فهذا يعتبر كفراً بالإجماع، فهذا يعتبر كفراً بالإجماع. قلنا: الواسطة الثانية يا أبا عبد الله ما هي؟ واسطة شركية. أحسنت. وهي أن يجعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة، وماذا؟ يتقرب إليهم. فهذا يا إخوان يعتبر كفراً بالإجماع، وقد عده الشيخ رحمه الله تعالى عده في نواقض الإسلام العشرة، وجعله الناقض الثاني من نواقض الإسلام العشرة، الناقض الثاني. وهذا يا إخوان الذي وقع فيه المشركون، هذا الذي وقع فيه المشركون. طيب، الله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. طيب، ما فائدة... ماذا، ما فائدة هذه الوسائط ما فائدة هذه الوسائط بينهم وبين الله تبارك وتعالى؟ فهذه واسطة يا إخوان، واسطة شركية، واسطة شركية. وقوله ها هنا أيضاً: "ودليل الشفاعة"، الشفاعة يا إخوان الشفاعة مأخوذة من ماذا؟ من الشفع، وهو يعني أن يجعل... هو ضد الوتر، الوتر واحد، والشفع اثنان، والشفع اثنان. وكما ذكرها هنا قال: "والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية وشفاعة مثبتة"، شفاعة منفية وشفاعة مثبتة. طيب، مرة معنا يا إخوان: ما هي شفاعة منفية وما هي الشفاعة المثبتة؟ نعم يا أبا الصديق: التي المنفية هي ماذا؟ التي أثبتها... من أحسن: الشفاعة المنفية هي التي زعمها واعتقدها المشركون في آلهتهم وأصنامهم أنها تشفع، أنها تشفع. وهذه الشفاعة يا إخوان ماذا؟ شفاعة يعني بغير إذن من الله عز وجل ولا رضا، وهذه الشفاعة هي مبنية على الشرك بالله عز وجل، فهذه نفاها ربنا عز وجل: ﴿فَمَا لَهُم مِّن شَافِعِينَ﴾، ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾. طيب، والشفاعة المثبتة؟ نعم، المكرم بالشفاعة. أحسنت. هي ماذا؟ الشفاعة التي يكرم الله بها الشافع، يكرم الله بها الشافع، وهكذا أيضاً هي الشفاعة التي تقوم على التوحيد، على التوحيد لله عز وجل، ولها شرطان اثنان. يا أنس معنا: الشفاعة المثبتة لها شرطان، ما هما؟ الأول: إلا من بعد أن... وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد الإذن، واحد: الإذن لمن؟ للشافع يشفع. والثاني يا أبو محمد: الرضا عن من؟ الشافع وعن المشفوع. هذه الشفاعة المثبتة، هذه الشفاعة المثبتة. قال: "فالشفاعة المنفية ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، قال: والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾". الخلة يعني ماذا؟ درجة عظيمة من درجات المحبة. قلنا المحبة على عشر مراتب، أعلاها الخلة. طيب، قال: ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، هم الظالمون. قال: "والشفاعة المثبتة هي التي تطلب من الله"، وقلنا ماذا؟ سببها التوحيد، ولا تكون إلا بشرطين اثنين: الإذن للشافع، والرضا عن الشافع والمشفوع. قال: "والشافع مكرم بالشفاعة، والمشفوع له من رضي الله قوله وعمله بعد الإذن، كما قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾". قد يقول قائل: لماذا المشركون جعلوا بينهم وبين الله شفعاء ووسائط؟ هم وقعوا في هذا لما قاسوا الخالق بالمخلوق، شبهوا الخالق بالمخلوق. قالوا: أنت الآن لو تريد تدخل على ملك، على وزير، على أمير، هل ممكن تدخل بنفسك؟ تأتي عند باب الوزارة أو باب الإمارة أو باب الملك، من أنت؟ قال: أنا محمد بن عوض، من محمد بن عوض، هذا الله يفتح عليك يا ابني، ارجع. لكن لو معك إنسان واسطة في القصر أو في مكتب الوزير، ممكن يتصل على الأصحاب البوابة يقول: في واحد اسمه محمد بن عوض، ها، دخلوه. هم هكذا شبهوا الخالق بالمخلوق، قالوا: نحن عندنا ذنوب، عندنا تقصير، عندنا إساءة، كيف نتجرأ نطرق باب الخالق، باب الرب سبحانه وتعالى؟ لكن هذه الآلهة لها جاه عند الله ومكان عند الله، من خلالها نستطيع أن نتقرب إلى الله عز وجل، عز وجل. فهذه ماذا؟ بسبب هذا القياس والتشبيه قاموا وجعلوا هذه الأصنام وهذه الآلهة بينهم وبين الله تبارك وتعالى. وبقي معنا يا إخوان مما يتعلق بهذه القاعدة الكلام حول الشفاعة. الشفاعة يا إخوان أولاً على قسمين: شفاعة في الدنيا، وشفاعة في الآخرة. الشفاعة في الدنيا: كما قال تعالى في كتابه العزيز، قال سبحانه: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾. يعني الواحد لما يشفع في إنسان فقير إلى غني أن يعينه، أو يشفع في إنسان ضعيف إلى إنسان قوي أن يكرمه، فهذه شفاعة حسنة. لكن الشفاعة من أجل إلغاء حد من حدود الله، أو من أجل ماذا؟ يعني حصول باطل، كما وقع في شفاعة أسامة بن زيد لتلك المرأة المخزومية التي سرقت، قال: "أتشفع في حد من حدود الله؟" وأي يوم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، لقطعت يدها. طيب، سيأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل الكلام حول أنواع الشفاعة، وأيضاً الكلام حول القاعدة الثالثة بإذن الله عز وجل. أغفر الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.