الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 117، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يذكر ابن القيم أن علاج العشق قبل وقوعه يتم بغض البصر واشتغال القلب بمحبة الله، فمحبة الله تضعف سواها. ويبين أن الخلة أخص وأكمل من المحبة العامة، مستدلاً باتخاذ الله إبراهيم ومحمداً خليلين، وينبه على ضعف حديث الشاب التائب حبيب الله.
يشرح المقطع أن أعلى مراتب المحبة وهي الخلة اختص الله بها إبراهيم ومحمداً عليهما السلام. ويشير إلى أن العبد يترك المحبوب الأدنى للمحبوب الأعلى، ويبتلى بالمكروه الأخف لدفع الأشد، مستشهداً بإطعام الأبرار الطعام على حبهم له ابتغاء وجه الله.
يبيّن المقطع أن سعادة العبد تقوم على ركنين: قوة الإدراك لتمييز الخير من الشر، وشجاعة القلب للعمل بالخير واجتناب الشر. ويوضح أن ضعف أحد الركنين يوقع في اتباع الشهوات، وأن الترك الاختياري بدافع الإيمان يثاب عليه صاحبه بخلاف العجز القهري.
يختتم المتحدث المجلس بالدعاء لله أن ينفع الحاضرين بما سمعوه، ويرزقهم علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربهم إليه. ويختم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في كتابه القيم ورسالته النافعة الموسومة بـ «الداء والدواء»، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي. وهو يتحدث حول علاج هذا الداء الخطير، ألا وهو داء العشق. وقد ذكر رحمه الله تعالى أن للعشق علاجاً، هذا العلاج منه ما يكون قبل نزول الداء لكي يدفع، وعلاج آخر بعد نزول الداء لكي يرفع. وذكر رحمه الله تعالى أن العلاجات النافعة لعلاج العشق قبل أن يقع أمران اثنان، ما هما؟ الأول: يا أبا الفاروق، علاج العشق قبل أن يقع ذكر أمرين يعالج بهما هذا الداء قبل وقوعه. الأول: أحسنت، بقي شيء. نعم، يا أبا حريفة: غضوا البصر، غضوا البصر. الأمر الثاني: الأمر الثاني، يا أبا زرعا، أحسنت: اشتغال القلب بما يصده عن ذلك، أي يشغله عن التفكر في المعشوق والتعلق به. ومن هذا القبيل الكلام حول المحبة، وأن المحبة العظمى هي للمحبوب الأعظم وهو الله عز وجل، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾. متى ما قويت محبة العبد لله عز وجل ضعفت المحاب الأخرى، ومنها هذه المحبة التي فيها من العشق وغيره. فكم في محبة الله عز وجل من علاج عظيم لهذا الداء العضال. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى وأطال فأجاد وأفاد في حديثه حول المحبة، وذكر رحمه الله تعالى مراتب هذه المحبة، وكان آخر ما تكلم عنه هو الكلام حول مرتبة الخلة، مرتبة الخلة، وأنها تتضمن كمال المحبة ونهايتها، ولا يبقى في قلب المحب سعة لغير محبوبه، إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى. وذكر ههنا فصلاً مختصراً يبين فيه خطأ قد يقع فيه البعض، وغلطاً قد يقع فيه البعض، ألا وهو أن بعض الناس يظن أن المحبة أكمل من الخلة. قال رحمه الله تعالى: «فصل: وأما ما يظنه بعض الغالطين» - ومعنى الغالطين: الذين لم يهتدوا إلى الصواب، يظنون أن هذا صواباً وهو ليس كذلك - «من أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله، ومحمد حبيب الله، وأرادوا بهذا أن يجعلوا درجة النبي صلى الله عليه وسلم أعلى من درجة إبراهيم، أن إبراهيم خليل الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم حبيب الله. قال: فمن جهله أتي، فإن المحبة عامة، والخلة خاصة، والخلة نهاية المحبة. قال: وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله اتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. قال: ونفى أن يكون له - أي له عليه الصلاة والسلام - خليل غير ربه، مع إخباره بمحبته لعائشة ولأبيها، أي أبي بكر الصديق، ولعمر بن الخطاب وغيرهم». وهنا يشير إلى ما في الصحيحين من حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش في غزوة عرفت بذات السلاسل. قال عمرو: «فأتيته، فقلت: يا رسول الله، أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت: فمن الرجال؟ قال: أبوها، يعني أبا بكر الصديق. قلت: ثم من؟ قال: عمر. قال: فعدّ رجالاً». قال: «وأيضاً فإن الله سبحانه يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الصابرين، ويحب المحسنين، ويحب المتقين، ويحب المقسطين، هؤلاء حبهم ربنا عز وجل، ويحب غيرهم، مع أنه سبحانه جعل الخلة لعبدين اثنين ورسولين عظيمين: إبراهيم ونبينا محمد، عليهما وعلى آلهما صلوات ربنا وسلامه. قال: وخلته خاصة بالخليلين، وخلته خاصة بالخليلين». قال: «والشاب التائب حبيب الله». وهنا يشير ابن القيم رحمه الله تعالى إلى حديث، هو حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، لكنه لا يصح، هو ضعيف، بل ضعفه شديد جداً، هو من طريق غسان بن عبيد عن أبي عاتكة عن أنس بن مالك به. وغسان بن عبيد هذا ضعيف، وشيخه أبو عاتكة قالوا فيه: منكر الحديث. ولهذا ذكره العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء على الأمة». قال رحمه الله تعالى: «وربنا عز وجل يا إخوان يحب التوابين، سواء كانوا شباباً أو كانوا كهولاً أو كانوا شيوخاً. والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الشاب الذي نشأ في عبادة الله من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وهكذا في حديث عقبة بن عامر قال عليه الصلاة والسلام: يعجب ربك من الشاب لا صبوة له. يعجب ربك من الشاب لا صبوة له. ومعنى لا صبوة له: أي ليس عنده ميل للهوى، طبيعة قد تكون في كثير من الشباب، يحبون المرح ويحبون اللعب واللهو، الشباب يلعبون ويلهون، بينما هذا الشاب قد ترك ذلك كله وأقبل على ما ينفعه من حفظ القرآن وتعلم السنة ومجالس العلم وحلق الذكر. قال: يعجب ربك من الشاب لا صبوة له. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾». قال رحمه الله تعالى: «قال: وإنما هذا من قلة العلم والفهم عن الله وعن رسوله. وخلاصة هذا أن الخلة أعلى مراتب المحبة، وهذه لم يجعلها ربنا عز وجل إلا لعبدين ورسولين، ألا وهما: إبراهيم أب الأنبياء وإمام الحنفاء، وخير البرية وأزكى البشرية، الذي ختم الله به النبوة والرسالة، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال رحمه الله تعالى: «فصل: قال: وقد تقدم أن العبد لا يترك ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه. قال: وقد تقدم أن العبد لا يترك - في بعض النسخ: لا ينزل - والمعنى متقارب. قال: لا يترك ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه. قال: لكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة. إذا اجتمع عنده محبوبان، أيهما سيفعل؟ الأحب، ويترك الآخر، ولو كان مما يحب، ولو كان مما يحب. قال: كما أنه يفعل ما يكره لحصول ما محبته أقوى عنده من كراهة ما يفعله، أو لخلاصه من مكروه كراهته عنده أقوى من كراهة ما يفعله. إذا اجتمع مكرهان، أيهما يرتكب؟ إن كان ولا بد، أيرتكب المكروه الأشد أم الأخف؟ يا أبا طاهر: إذا اجتمع عنده مكروهان، أيهما يرتكب؟ إن كان لا محالة يرتكب المكروه الأشد أو المكروه الأخف؟ الأخف، أحسن. فيدفع الأشد بالأخف». قال: «وفي هذا يقول الله عز وجل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾. الشمس معروفة، والزمهرير ما هو؟ نعم، ما هو الزمهرير؟ البرد الخفيف أو الشديد؟ أحسنت: الزمهرير البرد الشديد، البرد الشديد. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن النار اشتكت إلى ربها، قالت: أكل بعضي بعضاً، قال: فأذن لها بنفسين، نفس في الصيف ونفس في الشتاء. قال: فأشد ما تجدون من الحر من فيح جهنم، وأشد ما تجدون من الزمهرير أيضاً من فيح جهنم». انظر التاجر، بل الناس عامة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. لكن قد يخرج من المال الذي تعب في جمعه واجتهد في تحصيله، يخرج من هذا المال ويتبرع به في أوجه الخير، في أبواب المعروف. لماذا يا فلان؟ لماذا يدفع هذا المال المحبوب إليه؟ لمحبوب أعظم وهو الله تبارك وتعالى. ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. طيب، الجزاء من من؟ والشكور من من؟ من الله عز وجل. الله سيجازيهم وسيجعل سعيهم مشكوراً، وسيجعل سعيهم مشكوراً. ربنا عز وجل يقول: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، حاجة ماسة، لكنهم يؤثرون غيرهم، لماذا؟ لما عند الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «قال: وتقدم أن خاصية العقل إيثار أعلى المحبوبين على أدناهما، وأيسر المكرهين على أقواهما. وتقدم أن هذا كمال قوة الحب والبغض. قال: ولا يتم له هذا إلا بأمرين، ولا يتم له هذا إلا بأمرين: قال: قوة الإدراك والفكر، وشجاعة القلب. وهذا لو تذكرون مر معنا في فصول ماضية، ومدى أهمية هذا الأمر الذي يجعل العبد يقدم على فعل الطاعات واجتناب المعاصي والمحرمات. قوة الإدراك التي من خلالها يكون العلم بهذا الشيء: أهو خير أم شر؟ أهو ينفع أم يضر؟ أهو يقرب إلى الله عز وجل أم يبعد؟ وشجاعة القلب هذه تعين على العمل، يندفع إلى فعل ما فيه نفع واجتناب ما فيه ضرر». قال: «فإن التخلف عن ذلك والعمل بخلافه يكون إما لضعف الإدراك، بحيث إنه لم يدرك مراتب المحبوب والمكروه على ما هي عليه، وإما لضعف في النفس وعجز في القلب لا يطاوعه لإيثار الأصلح، لضعف علمه بأن الأصلح. قال: فإذا صح إدراكه وقويت نفسه وتشجع القلب على إيثار المحبوب الأعلى والمكروه الأدنى، فقد وفق لأسباب السعادة». أرباب الأموال يا إخوان، قد يدرك أحدهم أن إخراجه للزكاة وتصدقه بالمال أنفع وخير له، لكن قلبه ليس عنده شجاعة يجعله يخرج هذا المال يتصدق به، فيفقد الأمر الثاني مع وجود الإدراك، مع وجود الإدراك. قال رحمه الله تعالى: «قال: فمن الناس من يكون سلطان شهوته أقوى من سلطان عقله وإيمانه، قال: فيقهر القوي للضعيف، فيقهر القوي للضعيف. قال: ومنهم من يكون سلطان إيمانه وعقله أقوى من سلطان شهوته، فيقهره، أي يتغلب الإيمان والعقل الصحيح على الشهوة. قال: وإذا كان كثير من المرضى يجنبه الطبيب عما يضره، يقول له: أنت ممنوع من تناول هذه الأطعمة، قال: فتأبى عليه نفسه وشهوته إلا تناوله، إلا تناوله. صاحب الضغط ممنوع من الأشياء التي فيها ملوحة وفيها دسم إلى غير ذلك، لكن النفس ماذا؟ شهوتها قوية، قد ماذا يفعل؟ قد يذهب ولا يطيع كلام الطبيب، ويطيع هوى نفسه، هوى نفسه، فيقع، فقد يتضرر بسبب ذلك. أعرف صديقاً وأخاً حبيباً كان مصاباً بارتفاع في ضغط الدم، وحذره الأطباء من اللحوم والأشياء الدسينة، وفي أيام عيد الأضحى الكل يعرف أن الناس تميل إلى أكل اللحوم وتشتهيها، صاحبنا في الليل تعشى عشاء قوياً من اللحم، فأخذ إلى العناية المركزة، وبعدها فارق الحياة، لسبب ذلك، لسبب ذلك. فالنفس أحياناً تتغلب على الإدراك، على العقل، وعلى كذلك أيضاً ما فيه مصلحة، ما فيه مصلحة». قال رحمه الله تعالى: «قال: فتأبى عليه نفسه وشهوته إلا تناوله، ويقدم شهوته على عقله، وتسميه الأطباء: عديم المروءة، عديم المروءة. قال: فهكذا أكثر مرضى القلوب يؤثرون ما يزيد في مرضهم لقوة شهوتهم له، مرضى القلوب، المرض المعنوي. قال: فأصل الشر من ضعف الإدراك وضعف النفس وذناءتها وخستها، وأصل الخير من كمال الإدراك وقوة النفس وشرفها وشجاعتها. قال: فالحب والإرادة أصل كل فعل ومبدأه، والبغض والكراهة أصل كل ترك ومبدأه، وهاتان القوتان في القلب أصل سعادة العبد وشقاوته. قال: ووجود الفعل الاختياري لا يكون إلا بوجود سببه من الحب والإرادة. قال: وأما عدم الفعل فتارة يكون لعدم مقتضيه وسببه، وتارة يكون لوجود البغض والكره المانع منه. يعني أحياناً الإنسان لا يفعل هذا الشيء، لماذا؟ لأنه غير موجود عنده وليس يستطيع على فعله، وأحياناً يتركه لأنه لا يحبه، يكرهه ويبغضه، فهذا يكون مانعاً من فعله. قال: وهذا متعلق الأمر والنهي، وهذا الذي يسمى الكف. قال: وهو متعلق الثواب والعقاب. قال: وبهذا يزول الاشتباه في مسألة الترك، أي ترك الأشياء وعدم فعلها، هل هو أمر وجودي أو عدمي؟ قال: قال: والتحقيق هنا يرجح في المسألة، قال: أنه قسمان: فالترك المضاف إلى عدم السبب المقتضي عدمي، والمضاف إلى السبب المانع من الفعل وجودي، والله أعلم. يعني إذا ترك هذا الشيء لعدم وجوده أو عدم القدرة على فعله، هذا مقتضى عدمي، هذا لا يثاب عليه ولا يؤجر، لا يثاب عليه ولا يؤجر. أما من كان الشر موجوداً ويستطيع أن يفعله لكنه يتركه، هذا مانع وجودي، هذا الذي يثاب عليه صاحبه ويؤجر، والله أعلم». وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل، ويأتي معنا مزيد بيان إن شاء الله عز وجل، تتعلق بفصول لا تزال حول المحبة والمحبوب. أسأل المولى تبارك وتعالى أن ينفعني وإياكم جميعاً بما نقول أو نسمع، وأن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.