المحاضرة بعنوان بناء الأسرة المسلمة، والتي كانت بمسجد الخير بمنطقة الخزان بالشحر يوم الجمعة 20 شوال 1446هـ الموافق 18 أبريل 2025م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
توضح المحاضرة أن البيت نعمة عظيمة من الله للسكن والاستقرار، وأن صلاحه يقوم على الطاعة والعلم النافع والنصيحة. وتقارن بين من ينعمون ببيوت آمنة ومن حرموا منها بسبب الحروب، مؤكدة أن استقامة الأهل سبيل السعادة في الدنيا والآخرة.
تشدد على أن الزوجين راعيان مسؤولان أمام الله عن أهليهما، وأن تقصيرهما يؤدي لضياع الأبناء ودخول النار. وتذكر أن عمارة البيت بذكر الله وإقامة الصلاة وتعليم القرآن هي السبيل الأعظم لصلاحه، مستندة لأمر الله لإسماعيل والنبي صلى الله عليه وسلم.
تشرح كيف تُعمّر البيوت بالصلاة والنوافل وقراءة القرآن وحلق العلم، محذرة من جعلها قبوراً بخلوها من الطاعة. وتؤكد على بناء الأسرة على التوحيد الصحيح وتطهير البيت من الصور والكلاب والقنوات الهابطة والحلف بغير الله لطرد الشيطان وجلب البركة.
تحذر من ترك الأطفال أمام القنوات الفضائية التي تبث السحر والإلحاد والمحتوى الفاسد، ومن أفلام الكرتون ذات الرسائل غير الأخلاقية. وتبرز خطورة الجوالات الذكية في يد الصغار والبنات مما يسبب انحرافاً سلوكياً وتفككاً أسرياً، مطالبة الوالدين بمراقبة الاستخدام وحماية الأبناء.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، البشير النذير، والسراج المنير، الذي هدى الله به من الضلالة، وأبصر به من العمى. تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتبعها إلا كل منيب سالك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد، أيها الأحبة في الله، فبادئ ذي بدء، وقبل كل شيء، نحمد الله تبارك وتعالى ونشكره على نعمه الكثيرة وآلائه العظيمة التي لا نستطيع لها حصراً. ومن نعمة الله علينا جميعاً أن هيأ لنا هذه المجالس الطيبة وهذه الحلق المباركة بعد أداء هذه الفريضة، فريضة صلاة المغرب. وبشارة كان نبينا صلى الله عليه وسلم يبشر بها أصحابه وأمته أجمع، ألا وهي ما جاء في حديث أبي هريرة، ونحوه عن ابن عمر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه بخمس وعشرين ضعفاً، وفي بعضها بسبع وعشرين ضعفاً». قال: «وذلك أنه إذا توضأ فأسبغ الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخطو خطوة - والخطوة كما قال علماء العربية: ما بين القدمين - لم يخطو خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة». قال: «فإذا صلى» - أي كحالتنا بفضل الله عز وجل ومنته، يصلي أحدنا ثم يجلس فيقرأ قرآناً، أو يذكر ربه عز وجل، أو يسمع إلى العلم والخير - «قال: فإذا صلى فإن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، تقول - أي الملائكة في دعائها وصلاتها لنا -: اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه». انظروا يا إخوان، دعوات عظيمة، وما يدريك، لعل بدعوة ملك من الملائكة يكتب الله لنا السعادة، السعادة في الدنيا والنعيم في الآخرة. «قال: ولا يزال في صلاة ما كانت الصلاة هي التي تحبسه». هذه جوائز، هذه عطايا لعمار المساجد ولأهل الجماعات للصلاة في بيوت الله عز وجل. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يجعلنا جميعاً منهم. ثم جزى الله خيراً إخواننا أهل هذا المسجد المبارك، مسجد الخير، والخير فيه كثير، وأهله هم أهل خير، نحسبهم كذلك والله حسيبهم. فطلاب العلم الذين يتخرجون من هذا المسجد، وحفاظ القرآن الذين يتخرجون من هذا المسجد، وهكذا هي الجهود الدعوية التي يقوم بها إخواننا في هذا المسجد، وفي مقدمتهم أخونا المبارك أبو عكاشة، حفظه الله تعالى، ومن معه من إخوانه المتعاونون على الخير والتعليم والدعوة، جزاهم الله خيراً وبارك الله فيهم وفي السامعين أجمعين. وأسأل المولى تبارك وتعالى أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يثبتنا على هذا الخير حتى نلقاه. ثم كذلكم أيضاً، إخواني في الله، سمعنا من أخينا المبارك أبي عبد الرحمن صالح ذييب، حفظه الله تعالى، وهو القائم على الدعوة والتعليم في بلاد المقد بألحامي، وحالياً جزاه الله خيراً، له جهود مباركة ودعوة طيبة في بلاد ريدة المعارة، فجزاه الله خيراً وبارك الله فيه وفي السامعين أجمعين. أيها الأحبة في الله، كما سمع أكثركم عن عنوان هذه المحاضرة، ألا وهو: بناء الأسرة المسلمة. ديننا، أيها الأحبة في الله، اهتم بإصلاح الأفراد، وهكذا اهتم بإصلاح الأسر، وهكذا اهتم بإصلاح المجتمع بأكمله. وهذا إن دل على شيء، دل على عظمة هذا الدين وسماحته، والخير الذي جعله الله عز وجل للبشرية أجمع في هذا الدين، بل وليس لبني الإنسان فحسب. كم من الحيوانات والأسماك والطيور وغيرها يصيبها الخير بسبب ما في هذا الدين من شريعة وأحكام سمحة. أيها الأحبة في الله، البيت، وما أدراك ما البيت؟ قال ربنا عز وجل: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُم سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾. نعمة البيت نعمة عظيمة، نعمة عظيمة. البيت الذي تستر فيه العورات، البيت الذي تحفظ فيه الأمانات، البيت الذي تجتمع فيه أفراد الأسرة، يجتمع الأب بأبنائه والأخ بإخوانه. البيت سبب للراحة والسعادة، وهكذا سبب للنعيم الذي يجعله الله عز وجل في هذا البيت. من أراد أن يتعرف على أهمية البيت في حياة الإنسان، فلينظر إلى من حرم هذه النعمة، ينظر إلى من يفترشون الطرق وينامون على الدكك، يأخذ له طبقاً أو يأخذ له خرقة فيفرشها وينام عليها، تارة يأتيه كلب فيوقظه، أو هرة فتقطع عليه لذة النوم. ينظر إلى من دمرت بيوتهم وخربت بيوتهم، أصبحوا يسكنون في المدارس ويسكنون في المخيمات والملاجئ، عالة على بعض المساعدات التي تقدمها لهم بعض الجهات. كم يا إخوان دمرت الحروب من بيوت، بل دمرت من قرى ومدن؟ عندنا في اليمن، كم دمرت منازل ودمرت قرى وهدمت بيوت على أهلها، بيوت على أهلها، وكلنا يشاهد وكلنا يسمع عما يتعرض له إخواننا في أرض غزة. كانوا - وتأمل في كلمة "كانوا" - كانوا يعيشون في أمن وأمان، يعيشون في رخاء ورغد من العيش، بيوتهم عامرة وأسواقهم فيها من البضائع والمآكل والمشارب ما فيها. فانظروا كيف أصبح حالهم اليوم. من يتحمل هذا؟ يتحمل الدماء التي سفكت والأرواح التي أزهقت. من يتحمل الأطفال الذين يتّموا، والنساء التي أصبح كثير منهن أرامل وثكالى بفقد الأزواج وفقد الأبناء؟ كل ذلك مخططات يهودية على إخواننا المسلمين في تلك البلاد. فبينما نحن يا إخوان نتفيأ ظلال هذه النعمة، سنصلي العشاء بإذن الله عز وجل، وينصرف كل منا إلى بيته، ويجلس مع أسرته، ويتناول عشاءه، ويسمر مع أهله، وينام آمناً مطمئناً. أرأيتم يا إخوان؟ نعم، نحن نعيشها، حرمها من حرمها من الناس. أيها الأحبة في الله، البيوت يجب أن تكون صالحة وأهلها مستقيمون. إذا أردنا الراحة والسعادة وأردنا النعيم، فيجب أن نحرص على إصلاح هذه البيوت. وهذا لا يتأتى إلا إذا نشأ أهل البيت على طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نشأ على العلم النافع الذي يتبعه العمل الصالح، نشأ أهل البيت على النصيحة التي مدار الدين عليها، فإن الدين النصيحة، نشأ على الخير والفضيلة بعيداً عن الشر وعن الفاحشة والرذيلة. هنا يا إخوان تكون البيوت سعادة على أهلها، وهكذا نعيم على أهلها. نكمل إن شاء الله، عقب لها: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. أما أما بعد، فكما سمعتم أحبتي في الله، أهمية العناية ببناء الأسرة المسلمة، وأن الأسرة المسلمة يجب أن تكون صالحة لكي تكون الحياة سعيدة، وهكذا الحياة نعيماً لأهلها. واعلم، رحم الله إياكم، أن أول من يخاطب بهذا الأمر هما مؤسس البيت ومقوما أركانه، هما الزوجان. فبالزوجين يقوم البيت ويصلح، وهكذا بالزوجين يفسد البيت، وهكذا إذا انهار على أهله. فإن الزوجين مقوما أركان البيت ومرسيا دعائمه. قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين عن أبي هريرة: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». أرأيتم يا إخوان أهمية أن تبنى الأسرة بناءً صحيحاً بصلاح الأبوين؟ جاء في الصحيحين عن ابن عمر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته». أي رعاية هذه؟ لو كانت رعاية الغنم لكان الأمر أهون، لكنها رعاية البشر، من أعظم الرعاية، يترتب عليها دخول الجنة والنجاة من النار. كم يا إخوان السؤال عظيم بين يدي الله عز وجل: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته». وذكر عليه الصلاة والسلام من ذلك: «الرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته». وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من راعٍ يسرّع رعية ثم لا يحوطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة». الأمر خطير يا إخوان بالنسبة للراعي، وهكذا بالنسبة للمرعي. ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. لاحظوا يا إخوان هذا الأمر الإلهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ﴾ أولاً، ﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾، يدخل في هذا الزوجة، ويدخل في هذا الأولاد، وهكذا يدخل فيه غيرهم من أهلك ممن ولاك الله أمرهم. ﴿نَارًا﴾، هذه النار يا إخوان، لو كانت مجرد نار الدنيا لكان الأمر عظيماً، فكيف وهي نار الآخرة التي تزيد على نار الدنيا سبعين ضعفاً؟ قال الصحابة حين أن سمعوا ذلك: «إن كانت لكافية». علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقول عند هذه الآية: «علموهم وأدبوهم». هذه مسؤولية عظيمة تجاه الأسرة، يحرس من استرعاه الله أمر الأسرة والبيت أن يحرص على هدايتهم وأن يحرص على صلاحهم. إبراهيم، إمام الحنفاء وأب الأنبياء، خليل الرحمن، كان يقول داعياً ربه عز وجل: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾. إبراهيم كان يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. أبناؤه الأنبياء، وهكذا الصالحون في الأمم، ومع هذا انظروا إلى حرص إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. إذن أمانة عظيمة، أمانة عظيمة تتعلق بالحرص على إصلاح البيت، وأن ينشأ أفراده نشأة صالحة. أيها الأحبة في الله، ومما ينبغي كذلكم أيضاً أن نتأمله، أن أعداءنا لا يريدون البيوت أن تكون صالحة، ولا يريدون الأسر أن تكون من ذوي الاستقامة. شياطين الجن ومعهم شياطين الإنس اشتغلوا ليل نهار، لا يملون ولا يكلون، يريد كل منهم أن يصل إلى هدفه المنشود ومقصده من إفساد هذه البيوت. ولهذا ربنا عز وجل يقول في كتابه العزيز: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. همة شياطين الإنس والجن تمزيق البيوت وتفريق الأسر. في صحيح مسلم من حديث جابر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن إبليس ينصب عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه - يعني أعوانه وجنوده -». لماذا؟ لأجل الإفساد، لأجل الإضرار، لأجل التمزيق والتفرق. «قال: ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة». أحسن واحد عنده، الذي يستحق الجوائز والأوسمة والرتب، الذي يفسد أكثر. «قال: فيأتيه أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين زوجته». في بعضها: «أن بعضهم يأتيه ويقول: جعلته يفعل كذا، وجعلته يرتكب كذا، يقول: وما صنعت؟ ما صنعت شيئاً». حتى يأتي أحدهم فيقول: «ما تركته حتى فرقت بينه وبين زوجته». هنا تقر أعين الشياطين. «قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت». ماذا؟ «نعم أنت، يعني أنت الذي أفسدت، وأنت الذي قرت العين بفعلك، يوم أن هدمت بيتاً ومزقت أسرة». تدرون ما معنى هدم البيوت معنوياً؟ أعظم من هدمها حسياً. قد يهدم بيت الشخص فينتقل مع أسرته إلى بيت آخر، يستأجر أو يبني أو غيرها. لكن المصيبة العظمى إذا هدمت البيوت ومزقت، فيتشتت أهلها، الزوج في واد والزوجة في واد آخر، وبين الواديين يضيع الأبناء. هنا تتخطفهم الذئاب البشرية، عصابات الشر، هناك مخدرات، هناك حشيش وشبو وقات، هناك أفكار هدامة، هناك مناهج مستوردة، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. فلهذا أيها الأحبة في الله، كان من الضروري الحرص على سلامة البيوت، استقرارها، وصلاح أهلها. أيها الأحبة في الله، من أعظم ما تصلح به البيوت، وهكذا يصلح أمر الأسر، هو أن تعمر بطاعة الله عز وجل. جاء في حديث أبي موسى في الصحيح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه، كمثل الحي والميت». ولك أن تلاحظ الفرق الشاسع والبون العظيم بين البيتين: بيوت عامرة بالصلاة، عامرة بالقرآن، عامرة بذكر الله عز وجل، عامرة بالعلم والتعليم، بينما بيوت عشعش على أهلها الغفلة، وهكذا المخالفات الشرعية. تسمع أحدهم يسب ويلعن، الأم تقول لابنتها: "يا ملعون، هاتي كذا"، الأب يقول لابنه: "سبابة له"، مثل ذلك. تسمع الحلف بغير الله عز وجل، تسمع الكذب، تسمع السباب، إلى غيرها. سرت مشرقاً وسرت مغرباً، شتان ما بين مشرق ومغرب. «مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه، مثل الحي والميت». وربنا تبارك وتعالى يقول ممتناً على أمهات المؤمنين، أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾. من أعظم ما تعمر به البيوت يا إخوان هي الصلاة. الصلاة. لاحظوا كيف ذكر الله عز وجل عن إسماعيل: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾. ومن ربنا عز وجل قال لنبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾، ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾. يقول النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وجده عبد الله بن عمرو بن العاص: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، لا زالت أظافره ناعمة، لا زال عظمه طرياً، لا زال طبعه قابل، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع». يعني عند النوم، عند النوم. جاء في حديث ابن عمر، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً». اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم. متى يكون البيت يا إخوان أشبه بالمقبرة؟ موحشاً مظلماً، إذا خلا من الصلاة. ونعني بصلاة الرجل في بيته لكي يعمره بالخير هي صلاة النافلة، هي صلاة النافلة. أما صلاة الفريضة: الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فهذه في المساجد مع جماعة المسلمين. جاء في حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير صلاة المرء - يعني الرجل - في بيته، إلا المكتوبة، إلا المكتوبة». لكن أين النافلة؟ أين صلاة الضحى وقيام الليل والوتر؟ أين الرواتب والنوافل؟ هذا يا إخوان مما تعمر به البيوت، مما تعمر به البيوت. وهكذا مما تعمر به البيوت، كما جاء في حديث أبي هريرة عند الترمذي وغيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رحم الله امرأ - يعني رجلاً - قام من الليل فصلى، ثم أيقظ زوجته لتصلي معه، قال: فإن أبت، ما هو الحل؟ قال: نضح في وجهها الماء». انظروا الأسلوب يا إخوان، نضح، فيه شيء من التلطف، وفيه شيء من الترفق مع هذه الزوجة: "يا أم فلان، ما بقي من أذان الفجر إلا نصف ساعة، يلا توضئي وصلي واغتنمي الخير". من يوقظ صواحب الحجرات؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قال: ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، ثم أيقظت زوجها ليصلي معها، فإن أبى». كم يا إخوان من النساء عندهن همم كالجبال، أعظم مما عند الكثير من الرجال؟ «قال: فإن أبى، ماذا تفعل؟ هو نفسه العلاج الأول، قليل من الماء يرش بتلطف وبرفق، فينتفع به الزوج، قال: فإن أبى، نضحت في وجهه الماء». هذه يا إخوان بيوت عامرة بالخير، عامرة بالصلاة، تسمع أصوات القرآن والكلام الطيب يخرج من ذلك البيت. وهكذا أحبتي في الله، مما تعمر به البيوت ويكون ذخراً للأسر لكي يكون حالها صالحاً، وهكذا حياتها سعيدة، أن تعمر البيوت بالقرآن الكريم. جاء في حديث أبي هريرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر - أن يهرب - من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». وهذا فيه إشارة يا إخوان إلى أن المقابر ليست لقراءة القرآن، للفاتحة، وإلى حضرة النبي، ولا يس، والقرآن العظيم لا، وإنما المقابر لكي يزار أهلها، فيسلم على أهل القبور، وهكذا يدعى لهم بخير، الرحمة والمغفرة، لكي يتذكر الزائر الموت وسكرته، والقبر وظلمته، والقيامة وأهوالها. لأجل ذلك شرع زيارة المقابر. «قال: لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر - أن يهرب - من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». ولهذا في حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه. اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، قال: فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف، تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة. اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة - يعني السحرة -». بهذا يا إخوان تعمر البيوت. تعمر بإقامة الحلق، بإقامة الحلق. قد يكون الأب مدرساً في مسجد، أو مدرساً في مدرسة، أو في حلقة، لكنه مقصر مع أهله. ما الذي يمنع يا إخوان من إقامة حلقة قرآن في البيت؟ تحضر الزوجة ويحضر الأولاد والبنات. فماذا يتلى فيه؟ آيات القرآن. ممكن حلقة تلاوة، ممكن تسميع: "هيا يا ابني، حفظت المقرر، نصف صفحة أو صفحة، على حسب قدرة الابن"، ويكون هناك تشجيع، يكون هناك تحفيز. ما الذي يمنع يا إخوان؟ عشر دقائق في اليوم يقرؤون من تفسير العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي. ما الذي يمنع يا إخوان؟ حلقة خمس دقائق يقرؤون من تفسير ابن كثير، أو يقرؤون من رياض الصالحين، أو يقرؤون من عمدة الأحكام، أو الأصول الثلاثة، أو غيرها. بهذا يا إخوان تصلح البيوت، بهذا يتخرج الحفاظ، يتخرج العلماء، يتخرج المصلحون، تتخرج المرأة الصالحة التي تكون بعد ذلكم زوجة صالحة مطيعة مربية، إلى غير ذلك. أيها الأحبة في الله، العناية ببناء الأسرة المسلمة، من أعظم ما تبنى به وعليه الأسرة المسلمة، أن نغرس في قلوب أفرادها العقيدة الصحيحة والتوحيد الخالص لله عز وجل. ﴿إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَن يَنفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَّن يَنفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَن يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَّن يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ﴾، ﴿وَجَفَّتِ الصُّحُفُ﴾. تربية تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة. هذه تربية على الإيمان وعلى التوحيد وعلى الاستقامة على طاعة الله عز وجل. هذا يا إخوان من أعظم ما تعمر به البيوت. ليس هناك حروز تعلق، ولا تمائم تعلق، ولا كذلكم أيضاً تعلق بغير الله عز وجل. ليس هناك من يحلف بغير الله. يأتي ولد من الأولاد يقول: "وشرف أمي، أني ما فعلت". كيف؟ "وشرف أمي"، تحلف بغير الله عز وجل؟ لا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك». سمع نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم عمر يحلف بأبيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم أو أمهاتكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت». تربية على التوحيد وعلى المعتقد الصحيح الذي يجب أن ينشأ عليه أفراد البيت وأفراد الأسرة. وهكذا ينبغي أن نحرص يا إخوان، بل يجب أن نحرص على تطهير البيوت من المخالفات الشرعية. على سبيل المثال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة». فيه كلب أو صورة. وعد جبريل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه فلم يأته، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، بل أمره أن يأمر بإخراج الجرو الذي في البيت، جرو صغير قدم به الحسن أو الحسين، وأن يأمر برأس التمثال أن يقطع، وبعض التصاوير التي أدخلت إلى البيت. انظروا طهارة لبيوت. علي بن أبي طالب، كما في صحيح مسلم، يقول لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته - أي بما حوله من القبور، وقيل بالأرض - وأن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، أو صورة إلا طمستها». عود نفسك إذا رأيت صورة أنك تطمس، ولو رأسها، فالصورة الرأس، كما قال عليه الصلاة والسلام، فإذا أزيل فلا صورة. نطهر بيوتنا يا إخوان من القنوات الفضائية. أسألكم بالله، ما فائدتها؟ ماذا تعلم وعلى ما تربي؟ للأسف يا إخوان، كم من المسلمين يترك أولاده، فلذات الأكباد، للقنوات الفضائية، هي التي تعلمهم وهي التي تربيهم. تخيل، ريموت بيد طفل، يقلب من قناة إلى أخرى. هذا أخطر عليه من سكين مسموم. تعرف ما معنى سكين مسموم أو مسدس مشحون؟ الريموت هذا أخطر، الريموت هذا أخطر. اليوم في القنوات الفضائية يعلم السحر والشعوذة، في القنوات الفضائية يدعى إلى الإلحاد، أن الله غير موجود، وما هو الدليل على وجوده، وطعن في نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي القرآن، وفي تعاليم وشرائع الإسلام. هذا الذي في الفضائيات. أفلام الكرتون، البعض يقول: "هذا أطفال، أفلام كرتون". فيها سم زعاف، سم يا إخوان في أفلام الكرتون. أخائد باطلة تعرض على سبيل أفلام الكرتون. فيها يتعلم الأولاد الصغار التقبيل، وكلام الحب والغرام، والعري والتبرج. هذا وما خفي كان أعظم. إذن يا إخوان، طهروا البيوت من هذه المخالفات. أما الجوالات، فهذا كما قيل: بحر لا ساحل له، خرب وضيع ومزق بيوتاً وأسراً، بيوتاً وأسراً. حالات طلاق سببها الجوال، سببها الجوال. مراسلات، اتصالات، وبعد ذلك لقاء، فعلاقات، فأمور لا تحمد عقباها. وللأسف، جوالات بيد البنات، لا تغلب جانب إحسان الظن في البنت فتعطيها جوالاً. جوال في يد بنت، وشريحة، وذاكرة، وباقة. لماذا يا إخوان؟ تريد أن تصل، تتصل على إحدى زميلاتها من جوال أمها أو جوال أبيها. أطفال صغار معهم جوالات، وسموها "آه، ماذا"، أجهزة ذكية. كيف هذا؟ طفل صغير يستطيع أن يتعامل مع جهاز ذكي؟ كم يا إخوان ضاعوا أولاد، أولاد على نعومة أظافرهم وصغر أسنانهم يعرفون أشياء خطيرة، ويتعلمون أشياء قبيحة. أذكر لكم حادثة: بعض الأبناء، ماذا يفعل إذا نام أبوه أو أمه؟ يأخذ الجوال، ويعرف كيف يفتح الرمز. ينام الأب والأم، يختلس الجوال خلسة، ويطفئ الأضواء، ويجلس في مكان ضيق في البيت، حتى لو قمت إلى الحمام تبول أو نحوه ما ستراه، لأنه سيغلق الجوال، يطفئ الضوء. وماذا يفعل؟ ساعات يا إخوان، وهو يقلب في الجوال، يقلب في الجوال. عما يبحث؟ ماذا يريد؟ الجواب لكم أنتم. ساعات يا إخوان ما يشعر بها. بعدها أبوه يقول: "الرصيد بسرعة يخلص، وهذه الشبكة أسعارها مرتفعة، حول شبكة ثانية، حول شبكة ثانية". نفس الأمر. لماذا؟ هو لا يدري أين يذهب الرصيد. الجوالات يا إخوان نعمة، وأن يت يستطيع الواحد أن يستخدمه استخداماً حسناً. نحن لا ننظر بعين عوراء، لا، وإنما ننظر للخير والشر. الطفل أو المرأة الذي لا يحسن استخدام الجوال أو الإنترنت، تبه، أنت مسؤول عنه، أنت مسؤول عنه. «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد أتى الوقت على النهاية، بل أخذنا من وقت إخواننا شيئاً، فنستسمحهم العذر. وإخواني في الله، الموضوع يحتاج أكثر من هذا، لكن حسب هذه الكلمات وهذه الجمل التي أحببت أن أذكر بها نفسي أولاً ثم إياكم ثانياً. على الله عز وجل أن ينفعنا بما نقول أو نسمع. أسأله سبحانه وتعالى أن يحفظنا، وأن يحفظ أزواجنا، وأن يحفظ أبناءنا وإخواننا وشبابنا وشباب المسلمين، وأن يجنبنا جميعاً المصائب والفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. وجزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم أجمعين.