شرح قرة عيون الموحدين 25

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 25، ألقاها

تحريم الذبح لغير الله ومعناه

الدرس يبدأ بشرح حديث "لعن الله من ذبح لغير الله" ويبين أن الذبح لغير الله شرك بالله وكبيرة من كبائر الذنوب. كما يشدد على تحريم الذبح لغير الله تعالى ويعتبره شركًا أكبر.

أمثلة على الشرك بالله وتقرب الناس لغيره

يناقش الدرس أمثلة على الشرك بالله مثل الذبح للجن أو للأضرحة، ويبين أن العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله. كما يوضح خطورة بعض الأفعال التي قد تبدو بسيطة ولكنها قد تؤدي إلى دخول النار.

عقوبة الذنوب الصغيرة والتقرب لغير الله

يتناول الدرس خطورة التقرب لغير الله ولو بالشيء الحقير مثل الذباب، ويبين أن هذا الفعل سبب لدخول النار. كما يضرب مثالا برجلين مرا على قوم لهم صنم أحدهما قرب ذبابا للصنم فدخل النار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في كتابه «قرة عيون الموحدين»: قوله عن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض» رواه مسلم. قوله رحمه الله تعالى: أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عن علي رضي الله عنه إلى آخر ما ذكره. قال: وعلي بن أبي طالب هو الإمام أبو الحسن الهاشمي، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنهما، كان من أسبق السابقين الأولين. وقوله: «من أسبق السابقين الأولين»؛ لأن بعض أهل العلم رأى أو قال بأنه أول من أسلم مطلقا. والصواب في أي صحابي كان أول إسلاما: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ونقله عن غيره أن في ذلك تفصيلا، فيقال: باعتباره الرجال الكبار أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وباعتبار الغلمان علي بن أبي طالب، وباعتبار النساء خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وباعتبار الموالي زيد بن حارثة رضي الله عنهم أجمعين. على أن ظواهر النصوص تدل على أن خديجة رضي الله عنها وأرضاها هي أول من أسلم وآمن، هي أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم مطلقا. وبهذا القول وهذا نصه طائفة من العلماء المحققين، منهم الحافظ ابن حجر. رحم الله الجميع. قوله رحمه الله تعالى: كان من أسبق السابقين الأولين، ومن أهل بدر وبيعة رضوان، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ورابع الخلفاء الراشدين، ومن أقبه مشهورة رضي الله عنه. قتلهم ابن ملجم الخارجي في رمضان سنة أربعين، رضي الله عنه وأرضاه. وهو يومئذ -أي يوم أن قتل- كان خير أهل الأرض، كان خير أهل الأرض رضي الله عنه وأرضاه؛ لأن أفضل الصحابة أفضلية في الخلافة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم جميعا، ثم العشرة -أي بقية العشرة- ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان. وهكذا قال رحمه الله تعالى. قال: أبو السعادة: أصل اللعن الطرد والإبعاد، أي أصل اللعن: أصله الطرد والإبعاد. ومعنى هذا أن قوله صلى الله عليه وسلم «لعن الله»: أي أبعده أبعده الله عن رحمته. أبعده الله عن رحمته. وكما ذكر من ذكر من أهل العلم أن أحيانا لفظ اللعن يخرج عن بابه، فيكون بمعنى السب والشتم، فيكون بمعنى السب والشتم، لا يريد القائل أو اللاعن لغيره حقيقة اللعن. وهذا كما سمعتم قد يوجد في كلام الناس، لذا جاء في الحديث: «ليس المؤمن بالطاعان ولا اللاعن ولا الفاحش البذيء». هذا الحديث يحتمل أنه أراد المعنى الأول، ويحتمل أنه أراد المعنى الثاني، يحتمل هذا ويحتمل هذا. وما شابه ذلك، فالحاصل أن الأصل في اللعن -لا سيحما من الله أو من رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أنه بمعنى الطرد والإبعاد عن رحمة الله جل وعلا. فقوله في الحديث: «لعن الله» إلى آخر ما ذكر في هذا الحديث، فيه -كما ترون- وعيد شديد؛ لأن من لعنه الله أو لعنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقد وقع في كبيرة من كبائر الذنوب، ويخشى عليه من هذه اللعنة أن تتبعه في قبره، بل في دنياه أولا، ثم في قبره، ثم يوم لقاء ربه جل وعلا. قوله رحمه الله تعالى: «من ذبح لغير الله». قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قوله: «وما أهل لغير الله به» أي قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى شارحا لهذه الآية. وكأن الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله رأى المناسبة أن من ذبح لغير الله هو بمعنى من أهل لغير الله بشيء من الذبائح، فناسب أن يذكر كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ها هنا للمناسبة بين الموضعين، وكالشرح لهذا الموضع. قال رحمه الله: قال شيخ الإسلام رحمه الله: قوله «ما أهل لغير الله به» ظاهره أنه ما ذبح لغير الله، ما ذبح لغير الله. فمن ذبح لغير الله هو بمعنى ما أهل لغير الله. يقول شيخ الإسلام: ظاهر أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقال: «هذه ذبيحة لكذا» -أي ذبيحة للجن الفلاني أو للصنم الفلاني أو للقبر الفلاني أو للسيد الفلاني أو للشمس أو للقمر أو لحجر أو لشجر أو ما شابه ذلك- كل ذلك يتناوله هذا اللفظ، وهذا المعنى بمعنى أن كل من ذبح ذبيحة متقربا بها لغير الله، فقد دخل في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [البقرة:173]، ودخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من ذبح لغير الله». لذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ظاهره أنه ما ذبح أو ما ذبح لغير الله، مثل أن يقال: «هذه ذبيحة لكذا». وإذا كان هذا هو المقصود، فسواء لفظ به أو لم يلفظ -أي سواء قال: «هذه ذبيحة لكذا» أي للصنم الفلاني أو للولي الفلاني أو للسيد الفلاني أو للقبر الفلاني أو للجن أو للملائكة أو للشمس أو للقمر أو للحجر أو للشجر أو ما شابه ذلك- سواء تلفظ أم لم يتلفظ، ما دام أنه قصد بذلك بقلبه أن الذبيح لذلك الشيء، فهذا مما أهل به لغير الله جل وعلا. لذا يقول شيخ الإسلام: وإذا كان هذا هو المقصود، فسواء لفظ به أو لم يلفظ. وتحريم هذا -أي تحريم هذا الأمر- أو قال: «وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم». وقال: «فيه باسم المسيح ونحوه». وكأن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: لو أن إنسانا ذبح ذبيحة للحم -أي يريد أن يذبح شاة لأجل أن يأكل لحمها، لأجل أن يأكل لحمها يوسع على نفسه وعلى أهله، أو مثلا لتجارة يريد أن يبيع لحما- فذبح هذه الذبيحة وقال: «باسم المسيح» أو «باسم الزهرة» أو «باسم السيد الفلاني» أو «الشيخ الفلاني» أو ما شابه ذلك. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: هذا محرم، هذا الأمر محرم؛ لماذا؟ لأنه استعان بغير الله جل وعلا، فهو محرم وشرك ظاهر. أي: كل مسلم إذا قيل له: «ما رأيك في من ذبح ذبيحة أراد أن يأكل اللحم فقط، فذبح الذبيحة وقال: باسم المسيح؟» ماذا سيقول أهل الإسلام؟ يقولون: «هذه الذبيحة لا تجوز، وهذا محرم، وهذا شرك». هكذا أم لا؟ يجب أن نعم. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: «وتحريم الذبيحة إذا كانت بقصد أن تكون لغير الله أشد تحريما من هذه الذبيحة التي ذبحت للحم، وسمي فيها بغير الله جل وعلا». فإذا كان هذا محرم ظاهر، فالآخر أظهر منه في الحرمة، وأشد منه في الحرمة؛ لماذا؟ لأنه قصد غير الله جل وعلا في تلك العبادة، وفي تلك الذبيحة. وهو كذلك من الشرك الأكبر بالله جل وعلا. لذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: يقول: «وإذا كان هذا المقصود، فسواء لفظ به أو لم يلفظ». قال: «وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم، وقال فيه باسم المسيح ونحوه». كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه باسم الله. هو كما قال: بمعنى أن إنسانا لو ذبح ذبيحة لأجل اللحم، وقال فيها باسم الله، ما حكم هذه الذبيحة؟ مباحة، واضح، مباحة. لكن لو أنه ذبح هذه الذبيحة لأجل اللحم -لأجل أن يوسع على نفسه وعلى ولده- لكن نواه في هذه الذبيحة -مثلا أن يستعين بأكل لحمها على أن يتقوى على طاعة الله جل وعلا، على عبادة الله جل وعلا- نوى في تلك الذبيحة يقول: «سأجعل منها جزءا للفقراء والمساكين» وما شابه ذلك من النيات الحسنة، هذه النية تصير هذه العادة عبادة، صيرها عبادة، يؤجر عليها بهذه النية الحسنة، مع أن أصل الفعل مباح، لكن بالنية الحسنة صار ماذا؟ صار مستحبا. فيقول شيخ الإسلام: كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم. كذلك الذبيحة إذا كانت أصلها قربة لله جل وعلا -مثل مثلا الأضحية أو العقيقة أو ما شابه ذلك من الذبائح التي شرعت تقربا إلى الله جل وعلا، وذبحت باسم الله جل وعلا- أيهم أفضل؟ هذه الذبيحة أم الذبيحة التي تذبح باسم الله لأجل اللحم فقط؟ لا شك ولا ريب: الأولى؛ لماذا؟ لأن أصلها عبادة، أصلها عبادة، أي: أن العبد مطالب بفعلها، إما على سبيل اللزوم وإما على سبيل الاستحباب، فهي أفضل من مجرد الذبح لأجل ماذا؟ لأجل اللحم. فيقول رحمه الله: كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه باسم الله. فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح والزهرة -أي مع أنه كان للحم، للحم، لكن قال: باسم المسيح، ما قال: باسم الله- هذا محرم. يقول شيخ الإسلام: «فلئن حرم هذا»: قال: «فلئن فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى». أو قصد به ذلك أولى؛ أي: إن كان القصد أن يكون المسيح -الذبيحة للمسيح- تقربا للمسيح عليه السلام، أو تقربا للزهرة -النجم- أو تقربا لملك أو تقربا لجن أو لصنم أو لولي أو لقبر أو ما شابه ذلك، هذا كله ماذا؟ من الشرك بالله جل وعلا. يقول: «أو قصد به ذلك أولى». فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله. يعني وتأمل قوله: «أعظم كفرا». الكل كفر، والكل شرك بالله جل وعلا، ولكن الشرك تفاوت، كما أن الكفر يتفاوت، يتفاوت، الكل كفر، لكن الكفر بعضه أشد من بعض. وهذا من هذا؛ بمعنى أن من ذبح لأجل الله، وقال: باسم المسيح، هذا شرك بالله جل وعلا، لكن أشد منه: أن يذبح باسم الله، لكن للولي الفلاني -يتقرب به إلى ماذا؟ إلى الولي- أو للولي فلاني، «هذه ذبيحة أتقرب بها للولي الفلاني، لسيد الفلاني» أو للمسيح عليه السلام أو للملائكة أو للجن؛ حتى يدفع أذاهم -كما هو فعل السحرة ومن أتى السحرة وما شابه ذلك- هذا كله من ماذا؟ من الشرك الأكبر، من الشرك الأكبر. وهو أشد من الشرك بمجرد تسمية، الكل شرك، والكل شرك، والكل كفر، لكن الكفر بعضه أشد من بعض. قال رحمه الله تعالى: «فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله». فعلى هذا: لو ذبح لغير الله متقربا به إليه، يحرم -أي أنه من الكفر والشرك بالله- وإن قال فيه: باسم الله -كما يفعله طائفة من منافق هذه الأمة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك- من الكفرة، من السحرة والكهان ومن كان على شاكلتهم، يتقربون إلى الكواكب والنجوم، يذبحون باسم الله، لكن تقربا لمن؟ تقربا لهذه الكواكب وتلك النجوم. وبعضهم حتى يرضى عنه الولي الفلاني والسيد الفلاني الذي قد صار رفاتا وقد مات منذ قرون؛ حتى يرضى عنه، وإذا رضي عنه يصير شفيعا له جبرا عند الله رب العالمين جل وعلا. هذا هو الشرك بعينه؛ إذ صرف شيء من العبادة لغير الله جل وعلا شرك، كما أن إخلاصها لله جل وعلا توحيد. قال رحمه الله تعالى: قال: كما يفعله طائفة من منافق هذه الأمة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال. إلى آخر ما ذكره رحمه الله. قال العلامة عبد الرحمن بن حسن: قلت: ومن ذلك الذبح للجن. ومن ذلك الذبح للجن -كما هو حال طائفة من جهال في الأزمان المتأخرة إلى زمننا هذا- بعض الناس إذا ذبح أو إذا دخل بيتا جديدا ذبح شاة، ولطخ بها ساس البيت أو الجدران -أي لطخها بدم تلك الشاة- لماذا؟ يقوم من أجل الجن؛ حتى لا يؤذيه الجن أو ما شابه ذلك. ذبيحة لمن؟ لله؟ الجواب: لا، لغير الله جل وعلا. أو كما يفعله كثير من القبورية من الذبح على الأضرحة؛ لأجل أصحاب الأضرحة يرضون عنهم، ويرضون أن يكونوا شفعاء لهم عند الله جل وعلا غدا إذا وقفوا بين يدي الله جل وعلا؛ لكشف الكروب ورفع الدرجات وما شابه ذلك. هذا أيضا من الشرك بالله جل وعلا، وهو كذلك ظاهر وموجود. قال رحمه الله تعالى: قال: قوله: «لعن الله من لعن والديه»: يعني أباه وأمه. وإن على -أي وإن كان الأب- وإن على -أي الأب والجد- وإن على -والأم وأمها- وإن على -وأبوها كذلك- وهكذا؛ يعني أبو الأب وأبوه وإن على، وأمه وإن على -أي أم الأب- وكذلك أمه، وأبوها وإن على، وأمها وإن على؛ لأن هؤلاء كلهم آباء، هؤلاء كلهم آباء من جهة الأب ومن جهة الأم. واتبعت ملة آباء إبراهيم وإسحاق ويعقوب، يقول يوسف عليه السلام: «آبائي». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» -أبوه- «أنا ابن عبد المطلب» -وهو جده- لكنه أب. والنبي صلى الله عليه وسلم أيضا يقول للحسن -كما في صحيح البخاري من حديث البراء أو من حديث أبي بكرة، والأول من حديث البراء في صحيح مسلم وغيره-: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». وفي صحيح البخاري من حديث أبي بكرة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحسن سيد» «ابني هذا سيد». فهو أبوه، وهو أبو أمه، وهو أبو أمه. إذا الحديث يتناول الآباء من جهتين: من جهة الآباء، ومن جهة الأم. فقوله: «يعني أباه وأمه». وإن على -أي من جهة أبيه ومن جهة أمه-. قال: وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه». قالوا: «يا رسول الله وهل يشتم وهل يشتم الرجل والديه؟» قال: «نعم، يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» متفق عليه. فإذا كان هذا من الكبائر، وهو غير مباشر -يعني انظروا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من الكبائر شتم الرجل والديه»- الصحابة تعجبوا: «وهل يسب الرجل وهل يشتم الرجل أبويه والديه؟» مستحيل هذا. لك أنهم يقولون: فماذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «يسب أبا الرجل» فماذا؟ «فيسب أباه» -أي أن الولد صار متسببا- «فيسب أباه» -أي أنه سب أبا الرجل- فكيف بمن سب أباه مباشرة؟ إذا كان هذا من الكبائر، فكيف بمن سب أباه مباشرة أو سب أمه مباشرة؟ كيف حال هذا؟ هذا أشد، هذا حال أشد. قال رحمه الله تعالى: والحديث متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما. قوله: «لعن الله من آوى محدثا»: هو بفتح الهمزة ممدودة -أي ضمه إليه وحماه-. وأما «محدثا» فقال أبو السعادة: يروى بكسر الدال وفتحها -أي محدثا ومحدثا- على الفاعل والمفعول. قال: فمعنى الكسر: من نصر جانيا وآواه -أي محدثا من نصر جانيا وآواه- وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتص منه عليه حكم، عليه قصاص، عليه حكم الله جل وعلا فيمنعه، ويحل بينه وبين حكم الله جل وعلا. هذا آوى محدثا. تلحق اللعنة. أو آوى محدثا مبتدعا -مبتدعا يؤويه إليه- هذا كذلك تلحقه اللعنة؛ لأن قوله «محدثا» عام، يدخل فيه الحدث في الدين أو الحدث في الدنيا. قال رحمه الله تعالى: والفتح هو الأمر المبتدع نفسه -أي نفس الفعل-. ويكون معنى الإيواء فيه: الرضا به والنصر -أي كأنه آوى إليه البدعة، ورضيها ونصرها ونصرها-. فهذا تلحق كذلك اللعنة. فقال صلى الله عليه وسلم: «ولعن الله من آوى محدثا». قالوا: ويكون معنى الإيواء فيه: الرضا به والنصر. فإذا فإنه إذا ارتضى بالبدعة، وأقر فاعلها، ولم ينكر عليه، فقد آوى، فقد آوى. وهذا كما ترون على وعيد شديد. وهذا فيه -في الحديث- كما ترون وعيد شديد على أهل البدع، إن لم يتغمدهم الله جل وعلا برحمته، برحمته؛ لأنهم آووا البدعة، وآووا إليهم كذلك المبتدعين. قال رحمه الله تعالى: قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هذه كبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه. فكلما كان الحدث في نفسه أكبر، كانت كبيرة أعظم. وهذا كذلك بيّن لنا مزيدا من هذا الأمر: أن البدع أو المحدثات تختلف، بعضها أشد شرا من بعض. وما أرتب عليه من الإثم يكون بحسب قوة ذلك الحدث، كما بيّنه العلامة ابن القيم رحمه الله. قال: قوله: «لعن الله من غير منار الأرض»: بفتح الميم: علامات حدودها -وهي التي توضع لتمييز حق الشركاء إذا اختصموا ما بينهم في الأرض والدور-. قال في «النهاية» -أي ابن الأثير-: أي معالمها وحدودها. وهذا معلوم ومعرف إلى يومنا هذا: أن الناس إذا شركوا في أرض، يعملون علامات يقتسمون، يقولون: «هذا حدود أرض فلان من هنا إلى هنا»، ثم العلامة الأخرى «من هنا إلى هنا إلى أي جهة أخرى»، هذه أرض فلان. ويعلمون عليها مربع أو مثلث -المهم على حسب ما يختارون عليه-. فمن غير هذه العلامات -قدم أو أخر- ضم إليه من أرض أخيه، أو ضيق من أرض أخيه، هذا يناله اللعن. لذا قال رحمه الله: قلت: وذلك بأن يرفع ما جعل علامة على تمييز حقه من حق شريكه، فيأخذ من حق شريكه بعضه. فهذا ظلم عظيم. وفي الحديث: «من ظلم شبرا من الأرض طوّقه من سبع أراضين يوم القيامة». كما جاء في الصحيح من حديث سعيد بن زيد، ومن حديث عائشة رضي الله عنهم جميعا. وجاء كذلك في البخاري من حديث ابن عمر، وجاء كذلك في مسلم من حديث أبي هريرة -كما في الحاشية-. قال: فما أجهل أكثر الخلق، ما أجهلهم بربهم جل وعلا وبشرعه. قال: حتى وقعوا بجهلهم وظلمهم فيما يضرهم في دنياهم وأخراهم. وذلك لضعف الإيمان بالمعاد والحساب على الأعمال والجنة والنار. نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. قوله عن طارق بن شهاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب». قالوا: «وكيف ذلك يا رسول الله؟» قال: «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا». فقالوا لأحدهما: «قرب». قال: «ليس عندي شيء أقرب». قالوا: «قرب ولو ذبابا». فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار؛ لماذا؟ لأنه تقرب لغير الله جل وعلا، ولو بالشيء الحقير. قال: وقالوا للآخر: «قرب». فقال: «ما كنت لأقرب شيئا لأحد دون الله عز وجل». فضربوا عنقه، فدخل الجنة. قالوا: رواه أحمد. والحديث صح موقوفا عن سلمان -أو على سلمان الفارسي- رضي الله عنه وأرضاه. وهل له حكم رافع أم أنه من الإسرائيليات؟ العلامة الألباني رحمه الله تعالى في «الصحيحة» يرجح أنه من الإسرائيليات؛ وذلك لأنه سلمان رضي الله عنه وأرضاه ممن كان من قبل على أديان كثيرة، فيقول: لعله أخذ من هذه الأديان التي مر بها. قال رحمه الله تعالى: قوله عن طارق بن شهاب -طيب- أما المرفوع فلم يصح، المرفوع لا يثبت. قوله عن طارق بن شهاب البجلي الأحمسي أبو عبد الله: قال: أو قال أبو داود: «رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئا». قال الحافظ: إذا ثبت أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم فهو صحابي. وإذا ثبت أنه لم يسمع منه شيئا، فروايته عنه مرسل صحابي، وهو مقبول على الراجح. وكانت وفاته -على ما جزم به ابن حبان- سنة ثلاث وثمانين. بمعنى أنه لو لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، فحديثه من أحاديث مرسل الصحابة، ومرسل الصحابة صحيحة على الصحيح. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قال الإمام محمد رحمه الله تعالى: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن سليمان بن ميسرة، عن طارق بن شهاب -يرفعه-: «دخل الجنة رجل في ذباب» الحديث تقدم الكلام عليه، وأنه من قول سلمان. قوله: «في ذباب»: أي من أجله، من أجله؛ لأنه «فيه» تأتي للتعليل؛ لأنه «فيه» تأتي للتعليل. فقوله: «دخل رجل النار في ذباب» -كما ذكر- أي من أجله. فتكون هاهنا «أنه» جيئت للتعليل -كما جاء في الحديث الآخر-: «دخلت امرأة النار في هرة» -في هرة- كما في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي هريرة. هاهنا كذلك: «فيه» أي لأجله. الهرة: للتعليل. قوله: قالوا: «وكيف ذلك يا رسول الله؟» قال: «كأنهم -والله أعلم- تقالوا هذا العمل، وتقيلوا الذباب للصنم». فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن من فعل هذا، وما هو أعظم منه، وجبت له النار؛ أي: من تقرب بشيء حقير إلى أو لغير الله جل وعلا، فإنهم سبب لدخوله النار. فكيف بما تقرب بالشيء العظيم؟ بذجاجة، بشاة، ببقرة، ببدنة؟ هذا أشد، هذا أشد. قال رحمه الله تعالى: قوله: «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا». فقالوا لأحدهما: «قرب». فقال: «ليس عندي شيء أقرب». قالوا له: «قرب ولو ذبابا». فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار؛ لأنه قصد غير الله بقلبه، وانقاد بعمله، وانقاد بعمله، فوجبت له النار. قصد غير الله بإيش؟ بقلبه. وزد على هذا: وانقاد بماذا؟ بعمله -أي الظاهر-. فاجتمع عمل الباطن مع عمل الظاهر، فوجبت له النار. قال: ففيه معنى حديث مسلم الذي تقدم في باب الخوف من الشرك عن جابر -مرفوعا-: «من لقي من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا يشرك به شيئا دخل النار». فهذا لقي الله وهو يشرك به شيئا، فدخل فدخل النار. والآخر لقي الله وهو لا يشرك به شيئا، فدخل الجنة. فالحديث هو بمعنى الحديث -بمعنى الحديث السابق-. قال: فإذا إلا أن هذا فيه إجمال، وذاك فيه توضيح؛ بمعنى: فيه ذكر المثال على هذا الأمر. قال: فإذا كان هذا فيمن قرب للصنم ذبابا، فكيف بمن يستسمن الإبل والبقر والغنم؛ ليتقرب بنحرها وذبحها لمن كان يعبده من دون الله -من ميت أو غائب أو طاغوت أو مشهد أو شجر أو حجر أو غير ذلك-؟ وهذه -يا جماعة- موجودة في زماننا، هذه أم لا؟ موجود، موجود وبكثرة، لا كثرها الله، ولا كثر أصحابها. فهؤلاء من هذا الباب، يتقربون بأنواع من القرب إلى غير الله جل وعلا، بالذبائح، يسمونها ويعظمونها، ثم يتقربون بها لغير الله جل وعلا -للمشاهد، للاولياء- وما شابه ذلك. هذا من الشرك بالله الأكبر، والعياذ بالله. قال: وكان هؤلاء المشركون في أواخر هذه الأمة يعدون ذلك أفضل من الأضحية في وقتها التي شرعت فيه. وربما اكتفى بعضهم بذلك عن أن يضحي؛ لشدة رغبته وتعظيمه ورجائه لمن كان يعبده من دون الله. قال: وقد عمت البلوى بهذا، وما هو أعظم منه -يعني انظر-: يقول الشيخ رحمه الله: أن بعضهم ربما عظم الذبيحة -شاة كانت أو بقرة أو إبلا- ثم قربها إلى الولي، ورجى أن يكون ثوابها ونفعها وخيرها عليه من الولي أعظم من أن يقرب أضحية لله رب العالمين لا شريك له. بل ربما -كما ذكر- اكتفى بتلك الذبيحة للولي عن ذبح الأضحية لله رب العالمين وحده لا شريك له؛ لماذا؟ لما قام في قلبه من تعظيم ذلك الولي أشد من تعظيم الله جل وعلا، من تعظيم الله جل وعلا. وصدق الله جل وعلا يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:165]. فهؤلاء اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله جل وعلا، بل وأعظم من حب الله جل وعلا. ثم بعد ذلك يقولون: «نحن لسنا في الشرك، ولا من أهل الشرك». ليس الأمر بالأماني ولا بالأقوال، إنما هو ما عقده القلب وصدقه العمل، وما صدقه العمل. قال: قوله: وقالوا للآخر: «قرب». فقال: «ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل». فضربوا عنقه، فدخل الجنة. ففيه معرفة قد الشرك في قلوب الإيمان، ونفرتهم عنه، وصلابتهم في الإخلاص -كما في حديث أنس الذي في البخاري وغيره-: «آسي إن شاء الله تعالى ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان». وفيه: «وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». والحديث متفق عليه. وفيه: تفاوت الناس في الإيمان؛ لأن هذا الرجل الذي قرب الذباب لم يكن له عمل -لم يكن له عمل- يستحق به دخول النار قبل ما فعله مع هذا الصنم -كما هو ظاهر الحديث- والله أعلم. بمعنى أن الرجل والرجل كلاهما كانا على الإسلام فيما يظهر، ولكن أحدهما قيل له: «قرب». فلضعف يقينه وإيمانه وتوحيده وعلمه بالله جل وعلا قرب، فوقع في الشرك. والآخر لقوة إيمانه ويقينه وثقته بالله جل وعلا وعلمه به أبى أن يقرب، وهانت له نفسه أن يفعل شيئا يشرك فيه مع الله جل وعلا غيره. فما تعالى التوحيد؟ ففيه فضل العلم والعمل بذلك العلم. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على