الدرس في شرح فتح المجيد 95، ألقاها
يناقش هذا الفصل شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي ينهى فيه عن اتخاذ قبره عيدًا، ويبين أهمية هذا الحديث وصحته من خلال أسانيد مختلفة. كما يذكر آراء العلماء في رواته وثقاتهم.
يتناول هذا الفصل شرح حديث يرويه علي بن الحسين عن أبيه عن جده، ويستعرض آراء السلف الصالح وأئمة المسلمين في النهي عن قصد القبور والمشاهد للدعاء والصلاة، مثل مالك بن أنس وإمام أهل الهجرة.
يناقش هذا الفصل آراء العلماء حول زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وشد الرحال إليه، ويحذر من الشرك والبدع المرتبطة بزيارة القبور، ويبين أن الصحابة لم يعتادوا الصلاة والسلام عليه عند القبر كما يفعل من بعدهم.
يُعرّف هذا الفصل بكتاب المختارة للأحاديث الجياد ومؤلفه أبو عبد الله محمد بن عبد الله المقدسي الحافظي الدين الحنبلي، ويذكر ثناء العلماء عليه لدينه وورعه وإتقانه، وتاريخ وفاته سنة 643 هـ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال المصنف رحمه الله تعالى، وعن علي بن الحسين أنه رأى رجلًا يجيء إلى فجّة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: «لا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم». فرواه في المختارة. قال الشارح رحمه الله تعالى: هذا الحديث هو الذي قبله، جيدان حسنا الإسنادين. أما الأول فرواه أبو داود وغيره من حديث عبد الله بن نافع الصائغ، وقال: أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، فذكره. فرواته ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع قال فيه أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ، تعرف تنكر، وقال ابن معين: هو ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به. قال شيخ الإسلام: ومثل هذا إذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة، له شواهد متعددة. هذا تقدم معنا في الدرس الماضي أن هذا الحديث صحيح، وإن كان عبد الله بن نافع صدوقًا حسن الحديث، إلا أنه روى هذا الحديث كما تقدم معنا من كتابه، وكتابه صحيح، وإنه فيه شيء في حفظه، فالحديث كما مر معنا في الدرس الماضي بأنه صحيح. وقوله رحمه الله: «رواه في المختارة» أي: رواه الضياء المقدسي رحمه الله تعالى، له كتاب سماه المختارة، وشرطه فيه أن يذكر فيه ما صح عنده من الحديث، أو كان محتجا به من الحديث الحسن، وهو يعد من أحسن ما صنف في هذا الباب، أي: من الكتب الصحيحة والحسنة وما يقاربها، وإن كان فيه بعض الأحاديث التي فيها ضعف يسير، وهي قليلة بالنسبة لما فيه من الصحيح. قال رحمه الله تعالى: وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي: هو حديث حسن جيد الإسناد، ولو شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الصحة. وأما الحديث الثاني فرواه أبو يعلى والقاضي إسماعيل والحافظ الضياء في المختارة. قال شيخ الإسلام: فانظر إلى هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا له أضبط. يعني في حديث أبي هريرة سند مدني، ابن أبي ذئب من أئمة المدينة، وكان قرينًا لإمام مالك رحمه الله تعالى، وسعيد المقبري أو المقبري كذلك من علماء المدينة، وأبو هريرة كذلك كان من أجلّة الصحابة ومن من سكن المدينة أيضًا، فهو سند مدني. والسند الثاني من طريقه كما ترونه: علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فهو سند من أسانيد آل البيت. وكما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: تأمل إلى هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار، وهذا يدل على ماذا؟ قال: لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، أحوج إلى هذه التوجيهات وهذه التنبيهات من غيرهم، فكانوا له أضبط. وهذا من حفظ الله جل وعلا لدينه، وهذا من حفظ الله جل وعلا لدينه. قال رحمه الله تعالى: فقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد قال: أخبرني سهيل بن أبي صالح قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: «هل تأتي إلى العشاء؟» قلت: لا أريده، فقال: «مالي رأيتك عند القبر؟» قلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء». الحاصل أن الأول رواية من حديث علي بن الحسين عن أبيه عن جده، وأما هذا فكما ترون رواه الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب مرسلًا، واضح جماعة، لا فعل هذا يكون هذا مرسلًا كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ومرسلًا قد جاء أصله ثابت من حديث علي بن الحسين عن أبيه عن جده، وعن أبي هريرة، فيكون حسنًا لغيره. ثانيًا: يستفاد منه ما كان عليه السلف رضي الله عنهم وأرضاهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ أنهم رأوا هذا الفعل، فجاء في بعض الروايات أنه حصب الرجل بالحصباء، وفي بعض الروايات أنه دعاه ثم حثه وأمره أن لا يفعل ذلك. ثالثًا: كذلك يستفاد منه ما كان عليه آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من حماية جناب التوحيد، ولا يقولون: «هذا جدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بأس أن يفعل به كذا وكذا»، بل كانوا من أتبع الناس لسنته صلى الله عليه وسلم، لذي احتجوا عليه بهذا الحديث. قال رحمه الله تعالى: فقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد -وهو الداروردي وهو صدوق حسن الحديث-، وقوله: عن سهيل قال: أخبرني سهيل بن أبي صالح، سهيل بن أبي صالح ذكر بعضهم أنه روى عنه سفيان الثوري ومحمد بن عجلان، ولم يوثقه معتبر، ذكره ابن حبان في الثقات، وذكر العلامة الألباني رحمه الله تعالى أنه وقف عند ابن خزيمة على أن إسماعيل بن علية كذلك روى عن هذا الراوي عن سهيل بن أبي صالح. قال رحمه الله تعالى: وقال سعيد أيضًا: حدثنا حبان بن علي قال: حدثنا محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني». قال شيخ الإسلام: فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لا سيما وقد احتج به من أرسله، وذلك يقتضي ثبوته عنده. قال رحمه الله تعالى: قوله: «علي بن الحسين» أي: ابن علي بن أبي طالب، المعروف بالزين العابدين رضي الله عنه، أفضل التابعين من أهل بيته وأعلمهم، قال الزهري: «ما رأيت قرشيًا أفضل منه»، مات سنة 93 على الصحيح، وأبوه الحسين ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته، حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم واستشهد يوم عاشوراء سنة 61، وله 56 سنة. قوله: «أنه رأى رجلًا يجيء إلى فجّة» لضم الفاء وفتح الراء، وهي الفتحة في الجدار والخوخة ونحوهما. قال رحمه الله تعالى: قوله: «فيدخل فيها فيدعو» يدل على النهي عن قصد القبور والمشاهد لأجل الدعاء والصلاة عندها. قال شيخ الإسلام: «ما علمت أحدًا رخص فيه»، لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدًا، ويدل أيضًا أن قصد القبور للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه، لأن ذلك لم يشرع. قال رحمه الله تعالى: وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل الإنسان المسجد أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم، لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، قال: «ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها»، وهذا واضح من إمام أهل الهجرة مالك، وهو من كبار تابعي التابعين، يقول رحمه الله تعالى: أن تكرار السلام على النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: وكان الصحابة والتابعون رضي الله عنهم يأتون إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ويصلون، فإذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا، ولم يكونوا يأتون القبر للسلام، بعلمهم أن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكبر وأفضل. قال رحمه الله تعالى: فأما دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هنا أو للصلاة والدعاء، فلم يشرعه لهم، فإنه نهاهم في قوله: «لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني»، فبين أن الصلاة تصل إليه من بعد، وكذلك السلام، ولعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، وهذا واضح صريح بهذا الحديث. قال رحمه الله تعالى: وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب، إن كانت عائشة فيها، وبعد ذلك إلى أن بني الحائط الآخر، وهم مع ذلك يتمكنون من الوصول إلى قبره، لا يدخلون إليه لا لسلام ولا لصلاة ولا لدعاء لأنفسهم ولا لغيرهم، ولا كان شيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلامًا أو سلامًا فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث. قال رحمه الله تعالى: أو أنه قد رد عليهم السلام بصوت يسمع من خارج كما يظنه بعض الجهال، كما يظنه بعض الجهال أنهم يذهبون إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون عند القبر ويصلون عند القبر ويدعون عند القبر، بل ويستفتون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند القبر، ويسألونه عن الحديث الفلاني هل هو من حديثك أم لا؟ فيجاوبهم الشيطان، فيظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أفتاهم وقد أجابهم. قال رحمه الله تعالى: والمقصود أن الصحابة لم يكونوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره كما يفعل من بعدهم من الخلوف، وإنما كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه إذا قدم من سفر، كما كان ابن عمر يفعله. قال رحمه الله تعالى: قال عبيد الله بن عمر عن نافع: «كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، ثم ينصرف». قال عبيد الله: «ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك إلا ابن عمر»، وهذا يدل على أنه لا يقف عند القبر للدعاء إذا سلم. قال رحمه الله تعالى: وفي الحديث دليل على منع شد الرحال إلى قبره صلى الله عليه وسلم وإلى غيره من القبور والمشاهد، لأن ذلك من اتخاذها عيدًا، بل هو من أعظم أسباب الإشراك بأصحابها. قال رحمه الله تعالى: وبالجملة فقد اتفق الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر، وقوله رحمه الله: «ونص أحمد أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لأن لا يستدبره»، معناه أن القبر في جهة الشمال من القبلة، فإذا سلم سلم ثم انتقل إلى جهة القبلة ويجعل القبر على يساره، وهذا من باب الاستحسان. قال رحمه الله تعالى: وتنازعوا هل يستقبله عند السلام عليه أم لا؟ وفي الحديث دليل على أنه لا يستقبله. قال رحمه الله تعالى: وهذه هي المسألة التي أفتى بها شيخ الإسلام، أعني من تافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين. قال رحمه الله تعالى: وأما النهي عن زيارة غير المساجد الثلاثة فغاية ما فيها أنها لا مصلحة في ذلك توجه شد الرحال، ولا مزية تدعو إليه، وقوله رحمه الله: «وأيضًا إلى جانب ذلك قال: وقياس الأولى لأن المفسدة في ذلك ظاهرة»، المفسدة في ذلك ظاهرة أي: من شد الرحال إلى القبر، لأنها إنما تشد لأجل الدعاء عند القبر، وهي من البدع المنكرة، أو لأجل الدعاء أي: دعاء القبر، أي: دعاء صاحب القبر، وهو من الشرك بالله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وقد بسط القول في ذلك الحافظ محمد بن عبد الهادي في كتاب «الصارم المنكي» يرده على السبكي، وذكر فيه علل الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كذلك من أفضل ما ألف في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: وذكر هو وشيخ الإسلام رحمه الله أنه لا يصح منا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه مع أنها لا تدل على محل النزاع، إذ ليس فيها إلا مطلق الزيارة، وذلك لا ينكره أحد بدون شد الرحال، فيحمل على الزيارة الشرعية التي ليس فيها شرك ولا بدعة. قال رحمه الله تعالى: قوله: «رواه في المختارة» المختارة كتاب جمع فيه مؤلفه الأحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين، ومؤلفه أبو عبد الله محمد بن عبد الله المقدسي الحافظي الدين الحنبلي أحد الأعلام، قال الذهبي: «أثنى عليه عمره في هذا الشأن مع الدين المتين والورع والفضيلة التامة والإتقان»، فالله يرحمه ويرضى عنه، وهو من العلماء المتأخرين رحمه الله تعالى، من تلاميذ الإمام ابن قدامة صاحب المغني، ومن تلاميذ الإمام عبد الغني صاحب عمدة الأحكام رحمه الله تعالى جميعًا. قال رحمه الله تعالى: فقال شيخ الإسلام: «تصحيحه في مختاراته خير من تصحيح الحاكم بلا ريب»، مات سنة 643. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.