الدرس في شرح العقيدة التدمرية 36، ألقاها
ينتقد المؤلف أصل المتكلمين في إثبات وجود الله مستدلين بحدوث الأجسام وصفاتها وأفعالها، ويبين أن هذا الأصل يؤدي إلى نفي الصفات عن الله. يرى المؤلف أن هذا الأصل باطل ويتعارض مع الشرع.
يناقش المؤلف منهج المتكلمين في تقديم العقل على النقل ويبين أنه يؤدي إلى إفساد حجة العقل والنقل معًا. ينتقد أيضًا اعتقادهم أن السمع مجرد خبر لا يستدل به أصالة ولا تابعًا.
يشرح المؤلف آراء الناس في إثبات النبوة ويبين خطأ اعتقادهم بانحصارها في طريقة معينة. يستدل بالقرآن الكريم على تعدد الطرق لإثبات النبوة مثل الصدق والأمانة وخصال الخير.
يناقش المؤلف خطأ من يعارضون السمع بالعقل ويبين أن العقل الذي يعارض الكتاب والسنة هو عقل جاهل. يستشهد بالآيات القرآنية التي تناقش حجج المعارضين.
الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وطائفة تزعم أن حدوث العالم من هذه الأصول، وأن العلم بالصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوثه، وإثبات حدوثه لا يمكن إلا بحدوث الأجسام، وحدوثها يعلم إما بحدوث الصفات وإما بحدوث الأفعال القائمة بها، فيجعلون نفي أفعال الرب ونفي صفاته من الأصول التي لا يمكن إثبات النبوة إلا بها». بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. بعد أن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مذهب المتكلمين في هذا الباب، وأن أصل قولهم أن العقل هو الحاكم على النقل، وأنهم متنازعون في الأصول العقلية التي بها تعلم المطالب الشرعية، فمنهم من ذهب إلى مسألة التحسين والتقبيح العقلي، وقد ذكرنا أو أشرنا إلى بعض لوازم هذا الأمر، أي بعض اللوازم الفاسدة، وذكرها هنا، فقال: «وطائفة تزعم أن حدوث العالم من هذه الأصول»، أي هذا يعد من الأصول العقلية التي لا بد من ثبوتها لأجل إثبات وجود الله جل وعلا. هذا أصل عقلي عندهم، وقبل أن نتكلم على هذا الأصل العقلي، قد ذكر غير واحد من أهل العلم أن هذا الاستدلال بهذا الأصل الذي لقب أو سمي بالأصل العقلي أصل فاسد باطل، بل بعضهم ذهب إلى التشنيع على من قال بهذا القول، بهذا الأصل، لن يلزم من هذا الأصل من اللوازم الفاسدة. وممن أنكره وشدد في إنكاره في آخر أمره الإمام أبو الحسن الأشعري، إلى جانب من قبله وبعده من الأئمة، رحمهم الله تعالى، بيّنوا بطلان هذا الأصل الذي جعله من جعله أصلًا في إثبات المطالب الشرعية، ومن أعظم هذه المطالب إثبات وجود الله جل وعلا. فهؤلاء يقولون: لا نستطيع إثبات وجود الله جل وعلا إلا بهذه الطريقة، ولولا هذه الطريقة لما وسعنا الوصول إلى معرفة وجود الله جل وعلا. وهذه الطريقة، كما يقول علماء رحمهم الله، أصلها معتزلي، وأخذها عنهم أفراخهم من الأشاعرة، وأصل أصولها لا شك أنه مأخوذ من الفلاسفة. فالحاصل أن هؤلاء يقولون: يعني كما ذكر «وطائفة تزعم أن حدوث العالم من هذه الأصول»، ما معنى حدوث العالم؟ أي أن العالم حادث، من أجل أن يصلوا إلى ماذا؟ إلى وجود الرب، إلى وجود الرب جل وعلا. فيقولون: العالم حادث، والحادث لا بد له من محدث، واضح، جماعة، لا، إذن العالم لا بد له من محدث، إذن أثبتنا وجود الله جل وعلا بهذه الطريقة. ثم ذكر رحمه الله تعالى فقال: «وأن العلم بالصانع الذي هو الله جل وعلا»، ولكن المتكلمين يطلقون على الله جل وعلا بهذا اللفظ، بلغة الصانع، «لا يمكن إلا بإثبات حدوثه»، إلا بإثبات حدوث العالم، أي بإثبات حدوث العالم. أن العلم بالصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوثه، أي إثبات حدوث العالم، كما ذكرنا العالم محدث، أو عندهم تركيب آخر، يقولون: العالم متغير، وكل متغير فهو محدث. ثم القاعدة الأخرى: وكل محدث مفتقر إلى محدث، كل محدث مفتقر إلى محدث، واضح، جماعة، فيقول: إذن العالم مفتقر إلى محدث له، وهو الله جل وعلا. لذا قال رحمه الله تعالى: «وإثبات حدوثه»، أي إثبات حدوث العالم، «لا يمكن إلا بحدوث الأجسام»، لا يمكن إلا بثبوت حدوث الأجسام، يعني قالوا: إذن لا بد أولًا أن نثبت أن نثبت أن العالم عبارة عن جسم، وهذا الجسم محدث. وحدة، وحدوثه لأنه ماذا؟ إما يرجعون إلى شبهة التركيب، أن الجسم مركب من أجزاء، وما كان مركبًا من أجزاء فإن بعضه يفتقر إلى بعض، وما كان مفتقرًا إلى بعض فهو محدث. ثم قال: «وحدوثها يعلم إما بحدوث الصفات»، إما بحدوث الصفات، بأن يقول: كل جسم متصف بصفات، كل جسم مفتقر أو متصف بصفات، فإذا هو مفتقر إلى تلك الصفات، وما كان مفتقرًا إلى تلك الصفات فهو محدث. رجعوا إلى مسألة ماذا؟ التركيب، الجسم إما مركب من الذات والصفات، أو مركب من الأجزاء المفردة، أو إلى غيرها مما تقدم معنا فيما قالوا في الجسم، وكلها تعود إلى ماذا؟ إلى أن الجسم محدث. ثم قال: «وإما بحدوث الأفعال القائمة به»، يعني الآن أولًا «وحدوثها يعلم إما بحدوث الصفات»، واضح، جماعة، كما قلنا الجسم ما تكوّن من ماذا؟ من ذات وصفات، وما كان مكوّنًا من ذات وصفات فهو جسم. وكونهم مكوّنًا من هذا وهي يدل على افتقار بعضها لبعض، فيدل على ماذا؟ يدل على أن الصفات حادثة، الصفات حادثة. وكون الجسم مكوّنًا من صفاته، وكذلك ماذا؟ حادث، وكل حادث محتاج إلى ماذا؟ إلى محدث. طيب، يعني الآن توقفنا ها هنا، يلزم من هذا الأصل الفاسد ما هو؟ يا جماعة، أن كل متصف بصفات فهو جسم، واضح، جماعة، كل متصف بصفات فهو ماذا؟ فهو جسم. إذن يجب، يقول: يجب علينا أن ننفي عن الله جل وعلا الصفات، إذ لو أثبتنا له الصفات للزم ماذا؟ لزم أن نقول بأن الله جل وعلا جسم، واضح، جماعة، وهذا لا يجوز في حق الله. إن قيل لهم: لماذا هذا؟ يقول: لأن الجسم هو الطريق، وهو الأصل التي توصلنا به إلى معرفة وجود الله جل وعلا، واضح، جماعة، إذن قيل لهم: الأصل أن الجسم باطل، هذا الأصل الذي أصرتموه باطل. قالوا: لو أسقطنا هذا الأصل، وأفسدنا هذا الأصل الذي هو أصل ماذا؟ الجسم، واضح، جماعة، عندما من أصول العقلية، جسم، حدوث العالم، واضح، لو أسقطنا هذا للزم إسقاط ماذا؟ المدلول عليه، ما هو المدلول عليه؟ إثبات وجود الله جل وعلا. لو أسقطنا الجسم، وبإسقاط الجسم نسقط ماذا؟ أن يكون العالم محدثًا، فإذا سقط هذا لزم أن الله لزم من ذلك أن لا نعرف الله، واضح، إذن أدى العقل أو صلبه إلى هذا. إذن ماذا؟ جماعة، على قولهم، يقول: «وما لزم منه الباطل يجب أن يكون باطلًا»، الآن عنده الباطل الشرع أو العقل، عندهم الباطل الشرع أو العقل. الشرع يقول بإثبات الصفات، لو أثبتنا الصفات، وكان بإثبات الصفات نفي للجسم، وكان بإثبات الصفات نفي للجسم، والجسم هو الطريق الذي به علمنا حدوث العالم، وحدوث العالم هو الطريق والدليل الذي به عرفنا وجود الله جل وعلا، واضحة، جماعة. فلو أسقطنا هذا الدليل الذي هو أصل الدليل الآخر، لجم ماذا؟ للجم أننا لا نعرف وجود الخالق، هذا على قول من؟ على قول المتكلمين، واضحة، جماعة. ملا إذن في نظرهم أن ما عارض العقل للنقل فهو ماذا؟ فهو باطل، واضحة، جماعة، ملا معروف القاعدة عندهم: تعارض العقل والنقل، أيهما يقدم؟ أيهما يقدم؟ جماعة، عندهم؟ العقل، لماذا؟ لأنه أصل النقل، لأنه أصل النقل. طيب، قال رحمه الله تعالى: «وأما بحدوث الأفعال قائمة بها»، وأما بحدوث الأفعال القائمة بها، أي القائمة بهذه الصفات، نفي الصفات لأنها لا تقوم بزعمهم إلا بجسم، أو الأفعال، والأفعال التي هي الصفات الفعلية. الصفات الفعلية بمعنى الصفات، سموها الصفات الحادثة، الصفات الحادثة تدل على ماذا؟ على حدوث المتصف بها، على حدوث المتصف بها، فينفون إما الصفات رأسًا، وأطلقت كما تفعل المعتزلة، وإما أن ينفوا الصفات ماذا؟ الفعلية دون الصفات الذاتية، كما تفعل الأشاعرة. قال: «فيجعلون نفي أفعال الرب»، فيجعلون نفي أفعال الرب، خلاق سبحانه وتعالى، خلقه ورزقه ونزوله واستواءه ومجيئه واتيانه، إلى غير ذلك من الصفات. قال: «فيجعلون نفي أفعال الرب ونفي صفاته من الأصول التي لا يمكن إثبات النبوة إلا بها»، واضح، هذا، جماعة، ملا أصل يلزم من هذا الأصل نفي ماذا؟ نفي الصفات، لأنه في نظرهم لو أثبتنا الصفات للزم ماذا؟ أن يسقط هذا الأصل، واضح، جماعة. لو أثبتنا الصفات للزم أن يسقط هذا الأصل الذي به عرفنا ماذا؟ عرفنا الله جل وعلا، إذن انظر: أصله مبني على ماذا؟ يا جماعة، أصله فاسد، وما بني على فاسد فهو ماذا؟ فهو فاسد، واضح، يا أخوة، أم لا؟ لماذا؟ لأنهم بنوا قاعدتهم في معرفة الرب جل وعلا، الذي هو الذي معرفتهم، ووجوده سبحانه وتعالى، كما قيل: أعرف من كل معرفة، أعرف من كل دليل. وكما كان يذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: كيف يحتاج إلى دليل؟ من هو على كل شيء دليل؟ يعني الله جل وعلا أظهر أظهر دلالة من كل دليل، فكيف يستدل بالأدنى للأعلى؟ وكان رحمه الله تعالى يردد ويقول رحمه الله تعالى: «وكيف يصح في الأذهان شيء؟ إذا احتاج النهار إلى دليل»، إذا إنسان قال لإنسان: هذا النهار، فقال له: ما الدليل؟ هاج، مع، كيف سيكون؟ مضحك، سيكون، يقول: هذا بعقله؟ فكيف إنسان يقول: بما هو أظهر من هذا؟ يقول: الله جل وعلا رب السماوات والأرض، ووجوده معلوم، فيقول: ما الدليل؟ أي شيء يقول؟ يا جماعة؟ أيهما أظهر: أن نقول: ما الدليل على وجود النهار؟ أو أن نقول: ما الدليل على وجود الله رب العالمين؟ هيا، يا جماعة؟ لا شك ولا ريب أن ظهور وجود الله رب العالمين أظهر من كل شيء، أظهر من كل شيء، بل كل شيء آية على وجوده، كل شيء ماذا؟ آية على وجوده. لذا الرسل عليهم الصلاة والسلام، عليهم الصلاة والسلام، من ربهم، حينما قال لهم قومهم: ما قالوا؟ قال لهم: «أفي الله شك؟» ما في حجة، ما قال لهم: الدليل، والدليل، والدليل، كلمتان: «أفي الله شك؟» والخصم بين من ومن؟ يا جماعة؟ بين الرسل وأعدائهم، سكت الجميع، انتهى الحوار، انقطعت الحجة: «أفي الله شك؟» نعم، نعم، كما يقال: يعني حجة واضحة، بينة، أنه لا شك في الله جل وعلا بوجوده سبحانه وتعالى، وأنه رب كل شيء ومليكه سبحانه وتعالى. فالحاصل أنه كما قل: ما بني على باطل فهو باطل، إذا كان أصل الشبهة كما سمعتم محدثة، بل نص أبو الحسن الأشعري بأن هذا الأصل أصل كفري، أن هذا الأصل أصل كفري. فالحاصل أنهم بنوا على هذا الأصل هذه القواعد الفاسدة: نفي الصفات، المعتزلة، نفي القدر، وهؤلاء كذلك من المعتزلة، وغيرهم ممن ذهب إلى هذا القول، ذهبوا إلى هذا القول، ولزم من قولهم من اللوازم الفاسدة الباطلة: نفي أو تعطيل الله جل وعلا عن صفاته الفعلية، وعن صفاته الذاتية. طيب، قال رحمه الله: «ثم هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على وفق قولهم»، لظنهم أن العقل عارض السمع، عارض، لظنهم أن العقل عارض السمع، وهو أصله، فيجب تقديمه عليه، والسمع إما أن يؤول، وإما أن يفوض. يعني كما ذكر رحمه الله يقول: «ثم هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على وفق قولهم»، أي على وفق القاعدة أو القواعد والأصول التي وضعوها من عند أنفسهم، إذا عارض النقل في نظرهم العقل الذي وضعوه حكمًا على الله جل وعلا، وعلى دينه وشرعه، قدموا ماذا؟ قدموا العقل على النقل. لماذا؟ لأن العقل هو أصل النقل، كما تقدم: أن النقل لا يعلم إلا بماذا؟ إلا بالعقل، واضح، جماعة، ملا النقل الذي هو السمع لا يعلم إلا بماذا؟ إلا بالعقل، فإذا العقل هو أصل النقل، فإذا خالف النقل العقل، لجم ماذا؟ أن نقدم العقل، لماذا؟ لأنه الأصل الذي به علمنا صحة النقل، واضح، جماعة، ملا. بل يعكسون، يقول: ولو أننا على سبيل الفرض قدمنا النقل على العقل، للزم إفساد حجة العقل والنقل، طيب، العقل، واضحة، والنقل، من أي جهة؟ الجواب: أنهم يقولوا ماذا؟ أفسدنا الأصل الذي به علمنا ماذا؟ السمع، واضح، الجماعة، إذا أفسدنا العقل، إذا قدمنا السمع على العقل، للزم ماذا؟ نقض العقل، وإذا نقضنا العقل، يقول: نقضنا ماذا؟ السمع، لأن بالعقل أثبتنا صحة السمع، واضح، جماعة. فالحاصل أنهم يقولون: إذا تعارض العقل والنقل، قدم العقل على النقل، لأنه أصله، لأنه أصله، أي أصله النقل هو العقل. قال رحمه الله: «وهم أيضًا عند التحقيق لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على وفق قولهم»، لما تقدم، طيب، «وهم أيضًا عند التحقيق»، أي من حقق القول، ودقق النظر في قولهم واعتقادهم، وجدهم حقيقة لا يستدلون بالكتاب والسنة، لا على المخالفة، وهذا واضح، ولا على الموافقة. لماذا؟ لا يستدلون بالكتاب والسنة على الموافقة، لأن النقل عندهم، والسمع هو إخبار الصادق على ما هو عليه، واضح، جماعة، ما هناك زيادة فائدة، إنما هو إخبار الصادق عن ماذا؟ عن ما هو عليه، إخبار الصادق عن الواقع، فليس هناك فائدة كبيرة. لماذا؟ لأنه مجرد خبر عن الواقع، الواقع عرفك بماذا؟ يا جماعة؟ أدرك بالعقل، أدرك بالعقل، فلا يستدلون بالنقل، لا عند مخالفته العقل، وهذا واضح، ولا كذلك عند الموافقة، لأن النقل ليس بدليل عندهم، لا مستقل، ولا ماذا؟ ولا تابع. وإنما كما قيل: إما أن يكون كالتبرك، يتبركون به، تبرك، وإما أن يكون، وإما أن يكون كما يقول بعضهم: هو كالكاشف عن الواقع، كالكاشف عن الواقع، الشيء موجود، وإنما النقل هو كالكاشف عن الواقع الموجود، إذا لا يستدل به، لا يستدل به أصالة، ولا تابع. قال رحمه الله: «وهؤلاء يضلون من وجوه»، منها ظنهم أن السمع بطريق الخبر، تارة، وليس الأمر كذلك، بل القرآن بيّن من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النظر، فتكون هذه المطالب شرعية عقلية. قوله: «منها ظنهم أن السمع بطريق الخبر تارة»، يعني نبّه، ها هنا، المحقق يقول: ولعل الصواب: المجرد، أي «منها ظنهم أن السمع بطريق الخبر المجرد تارة»، الخبر المجرد، وبهذا قد استقام الكلام، يعني حاصله ومعناه: أنهم يعتقدون في السمع أنه مجرد خبر، واضح، جماعة، يعتقدون في السمع أنه مجرد خبر. وقد تقدّم معنا أنهم يقولون في السمع أنه ماذا؟ أنه إخبار عن الواقع، إنما هو ماذا؟ إخبار عن الواقع، لأنه مجرد إخبار، طيب، عن الواقع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وليس الأمر كذلك»، أي ليس القرآن إنما هو خبر عن الواقع فحسب، بل القرآن بيّن من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النظر. لماذا؟ لأنه تنزيل من حكيم حميد، الله جل وعلا ذكر من البراهين والأدلة العقلية ما لا يخطر ببال، ولا يتصوره خيال، لماذا؟ لأنه تنزيل من عزيز حميد سبحانه وتعالى، علم ربنا جل وعلا الأمور، والألفاظ، والكلمات التي تكلم بها، ولوازمها من حق، ولوازمها من حق. فكان كلامه سبحانه وتعالى، وبراهينه التي ذكر في كتابه: أصح براهين، وأدق البراهين، لماذا؟ لعلمه بكلامه سبحانه وتعالى، ولوازم ذلك الكلام، لما كان الكلام كلامًا ناقصًا، من ناقص، كان ماذا؟ يذكر اللفظ، ولا يتفطن إلى لوازمه الباطلة، لا يتفطن إلى لوازم الباطلة. وقد تقدم أمثلة ذلك في مسألة: الحسن والتقبيح، ماذا لزم من ذلك؟ من لوازم باطلة، في مسألة حدوث العالم، ماذا لزم من ذلك؟ من لوازم باطلة. لكن انظر إلى طريقة القرآن: «أم خلقوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون؟ أم خلقوا السماوات والأرض؟ بل لا يبصرون»، إلى غير ذلك، من أين سيأتي الباطل؟ أو اللازم الباطل؟ هل له مدخل؟ الجواب: ليس له مدخل أبدًا، لا من قريب، ولا من بعيد، واضح، جماعة. دل الله جل وعلا على أنه الخالق وحده سبحانه بهذه الكلمات اليسيرات التي يعجز عن الإتيان بمثلها البشر، لكن لما كان الكتاب من الله جل وعلا تنزيل من حكيم حميد، لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، كان الأمر كما كان. لذا قال الشيخ الإسلام رحمه الله: «بل القرآن بيّن من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثل في كلام أئمة النظر»، فتكون هذه المطالب شرعية عقلية، كما تقدم معنا في أول القاعدة: شرعية باعتبار، وعقلية بماذا؟ باعتبار. قال رحمه الله: «ومنها ظنهم أن الرسول لا يعلم صدقه إلا بالطريقة المعينة التي سلكوها»، وهم مخطئون قطعًا في انحصار طريق تصديقه فيما ذكروه، فإن طرق العلم بصدق الرسول كثيرة، كما قد بسط في غير هذا الموضع. طيب، كما ذكر رحمه الله: ظنهم أن الرسول لا يعلم صدقه إلا بالطريقة المعينة التي سلكوها، بالطريقة، أو بالطريق المعين الذي سلكوه، ومعنى هذا: أن بسقوط هذه الطريقة المعينة سقوط ماذا؟ ثبوت النبوة، واضح، جماعة، ملا. وقد تبين لنا أن الطرق المسلوكة والمذكورة على سبيل المثال: طرق صحيحة، أو باطلة، هيا، جماعة، طرق باطلة، لماذا؟ للوازمها الباطلة، للوازمها الباطلة. إذن على كلام هؤلاء لا يستطيعون الآن إثبات نبوة الأنبياء، ولا نبوة نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، واضح، جماعة. فإذن مورد أو سبب الخطأ في أنهم اعتقدوا أنه لا طريقة لمعرفة النبوة إلا الطريق المعين الواحد الخاص في معرفة ماذا؟ في معرفة النبي. ولولا أهل ما علموا صحة نبوة الأنبياء، وأما أهل السنة والجماعة فإنهم يقولون: بأن الطرق بصدق الرسول كثيرة، وكثيرة جدًا، كثيرة، وكثيرة جدًا. من هذه الطرق: الصدق والأمانة، والعفاف، إلى غير ذلك مما استدل به هرقل، هرقل، عندما جاءه أبو سفيان، عندما سأل أبو سفيان سألوا عن ماذا؟ عن التحسين والتقبيح؟ سألوا عن حدوث العالم؟ سألوا عن شيء؟ لا، سألوا عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أسئلة: ماذا يدعوكم؟ قال: يدعونا إلى الصدق، والعفاف، والصلة. كيف هو فيكم؟ قال: يعني ذكر أنه من صفاته أنه الصدق، والعفاف، وذكر من صفاته صلى الله عليه وسلم، وذكر من الأمور من أي الناس؟ وقال: من أوسطهم، يعني نسبه، من أوسطهم، من الذي يتبعه؟ كذا، وكذا، إلى غيرها من الأسئلة، استدل بهذه الأشياء على ماذا؟ على صحة نبوة النبي. فقال: «إن كان ما تقول حقًا، فسيرث ما تحت قدمي هاتين»، واضح، جماعة، أم لا؟ هل استدل بشيء؟ لا، استدل إلا بالأسئلة المذكورة. أضف إلى هذا: حينما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، أو حينما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم، وخديجة رضي الله عنها إلى ورقة بن نوفل، وكان ممن يقرأ التوراة والإنجيل، حينما أخبره بما رأى، هل استدل بشيء؟ قاله: «جاءني رجل، فقال لي»، وحصل، وحصل، فقال: «هذا الناموس الذي أنزل على موسى»، وذكر، وذكر، وذكرت ماذا؟ القصة، هل استدل بشيء آخر؟ ما استدل بشيء آخر. هل ما استدل به هرقل هو نفس ما استدل به ورقة؟ الجواب: ماذا؟ دين آخر، تأمل، كذلك إلى قصة النجاشي، ملك الحبشة، حينما سئل عن النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا يبعثكم؟ وما هو دينكم؟ إلى غير ذلك. لما أخبره جعفر بما أخبره: بأنه، وأنه، وأنه، وأنه، سألوا عن عيسى بن مريم: ماذا يقول فيه نبيكم في عيسى؟ قال: «يقول كذا، وكذا، وكذا»، قال: «أخذ عودًا»، وقال: «والله ما زاد على شيء من هذا»، وصدق النبي وآمن به، وصدق النبي وآمن به، هذه دلائل نبوة، أم لا؟ دلائل ماذا؟ النبوة، استدل بها على صدق رسالة، وصحة ماذا؟ على صحة نبوته، وصدق رسالته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. إلى غير ذلك من الآيات، سواء الشرعية، وهي القرآن، التي أنزلها الله جل وعلا على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم من أعظم الآيات، أو أعظم آية، أوتيها نبي، أو غيرها من الآيات الكونية التي جعلها الله جل وعلا على يدي نبيه صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: «لو لم تكن له آية بينة، لكان سجيته تأتيك بالخبر»، خصاله الحميدة، وكذلك ما عرف عنه، ما عرف به النبي صلى الله عليه وسلم من سمات الخير، وصفات الصلاح، كانت كافية في ماذا؟ في إثبات نبوته. لذا قالت خديجة رضي الله عنها وأرضاها، حينما أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بما رأى في قصة الوحي: «لا والله لا يغزيك الله أبدًا، إنك لا تطعم الجائع، إنك لا تصد الرحم، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الخير»، استدلت بهذا الخصال الحميد على ماذا؟ على أن الله عز وجل لن يغزيه، على أن الله عز وجل ماذا؟ لن يغزيه، بل يؤيده، ويعينه، ويوفقه. إذن هذه كذلك من الطرق الدالة على صحة نبوته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وصدق رسالته، فهي طرق كثيرة. قال رحمه الله: «ومنها ظنهم أن تلك الطريق التي سلكوها صحيحة»، وقد تكون باطلة، طيب، يقول: «منها ظنهم أن تلك الطريق التي سلكوها صحيحة»، كما تقدم في مسألة التحسين والتقبيح، في مسألة حدوث العالم، يعتقدون أنها صحيحة، وفي نفسها ماذا؟ باطلة. قال رحمه الله: «ومنها ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل»، ويكونون غالطين في ذلك، فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح، وجد ما يعارض الكتاب والسنة، وجد ما يعارض الكتاب والسنة، من المجهولات، لا من المعقولات. وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وهذا هو الحق، لأن العقل الذي لا يوافق الكتاب والسنة، هل هذا هو عقل عاقل، أو عقل جاهل؟ حقيقته ماذا؟ أنه عقل ماذا؟ عقل جاهل، وما كان كذلك فهو ماذا؟ فهو من المجهولات. ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَكَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ الْحَقُّ﴾، ﴿مَا سَتَجِيبُ لَهُمْ حُجَّتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾، ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ﴾، ﴿يُحَاجُّونَ لَيْسَ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، ﴿وَلَا هُمْ يُؤْمِنُونَ﴾، إلى آخر الآيات. والذين يحاجون في الله من بعد ما جاءهم الحق، يحاجون ليش؟ لماذا؟ وما شابه ذلك من أدلة عقلية تعارض ماذا؟ ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الحق. فقال الله جل وعلا: ﴿حُجَّتُهُمْ ضَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾، نكتفي بهذا. إلهنا، سبحانك، اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.