الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 70، ألقاها
يتناول المقطع مسألة الرضا بالمعاصي باعتبارها من مشيئة الله وإرادته، مع تفريق بين ما هو منسوب إلى العبد وما هو منسوب إلى الله تعالى. يجب الرضا بأفعال العبد السيئة عند نسبتها إلى الله لأنها وقعت بقضائه وقدره.
يناقش المقطع النظر إلى أفعال العبد من جهتين: نسبة إلى الله ونسبة إلى العبد، حيث يجب الرضا بأفعال العبد السيئة عند نسبتها إلى الله، وبغضها عند نسبتها إلى العبد. هذا يفسر الاختلاف بين طائفتين من أهل العرفان في كراهة أفعال العبد السيئة.
يناقش المقطع مفهوم التوفيق الإلهي وعلاقته بأفعال العباد، ويوضح اعتقاد أهل السنة بأن أفعال العباد تقع بمشيئة الله ولكن الله لا يرضى الكفر. كما يشير إلى أن العبد إذا شهد عجز نفسه ونفوذ الأقدار فيه، يصبح محميًا من الذنوب بعصمة الله.
عندما يزول الغشاء عن الشخص، يحضر الندم والتوبة والإنابة، حيث يبقى بربه لا بنفسه. هذا التحول يمثل تغييرا في وجوده ووعيه بربه، ويعبّر عن هذا الشعور بالاستغفار والتوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: وأما الوجه الثاني، وهو الذي من جهة العبد، وهو أيضا ممكن بل واقع، فإن العبد يسخط الفسوق والمعاصي ويكرهها من حيث هي فعل العبد واقعة بكسبه وإرادته واختياره، ويرضى بعلم الله وكتابه ومشيئته وإرادته وأمره الكوني، فيرضى بما من الله ويسخط ما هو منه. هذا مسلك طائفة من أهل العرفان، وطائفة أخرى كرهتها مطلقا، وقولهم يرجع إلى هذا القول؛ لأن إطلاقهم للكراهة لا يريدون به شموله لعلم الرب وكتابته ومشيئته. وسر المسألة أن الذي إلى الرب منها غير مكروه، والذي إلى العبد مكروه. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. قال رحمه الله تعالى: وأما الوجه الثاني بالنسبة للإشكال الذي قبله، وهو الذي من جهة العبد، فهو أيضا ممكن؛ أي أن يكون الشيء محبوبا من وجه أو مرضيا من وجه، وأن يكون مبغوضا مسخوطا مكروها من وجه آخر. قالوا: فهو أيضا ممكن بل واقع؛ فإن العبد يسخط الفسوق والمعاصي ويكرهها من حيث هي فعل العبد واقعة بكسبه وإرادته واختياره، ويرضى بعلم الله وكتابته ومشيئته وإرادته وأمره الكوني، فيرضى بما من الله ويسخط ما هو منه. فإذا نظرنا إلى فعل العبد، فالعبد لا يفعل شيئا إلا بمشيئة الله رب العالمين وبإيجاد الله جل وعلا لذلك الففعل منه، فكفر الكافر وعصيان العاصي وفسق الفاسق إنما وجد بإيجاد الله جل وعلا وخلق الله جل وعلا لهذه الأفعال، وكانت تلك الأفعال بمشيئة الله رب العالمين. فإذا نظرنا إلى هؤلاء بهذا المنظار، فيجب الرضا بذلك؛ لأنه وقع بقضاء الله وقدره، وإذا نظر إلى فعل العبد نفسه بقطع النظر عن فعل الله رب العالمين، سخط ذلك الفعل وكره ذلك الفعل وبغض ذلك الفعل. فثبت المحبة والرضا من وجه، والبغض والكراهة من وجه آخر؛ لأن ما كان منسوبا إلى الله جل وعلا فالواجب فيه الرضا؛ لأنه متعلق بقضاء الله جل وعلا وقدره، وما كان منسوبا إلى العبد فالواجب فيه البغض والكراهة. قال رحمه الله: فهذا مسلك طائفة من أهل العرفان، وطائفة أخرى كرهتها مطلقا، وقولهم يرجع إلى هذا القول؛ لأن إطلاقهم الكراهة لا يريدون به شموله لعلم الرب وكتابته ومشيئته. قال: وسر المسألة أن الذي إلى الرب منها غير مكروه؛ لأن الله جل وعلا لا يفعل إلا الخير، والذي إلى العبد مكروه. فإن قيل: ليس إلى العبد شيء منها. قيل: هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق. والقدري المنكر أقرب إلى التخلص منه من الجبري؛ لأن الجبري إذا قيل له: الكفر الذي وقع من الكافر هل هو بإرادة الله؟ فيقول: نعم، فيقال له: هل يحبه الله ويرضاه؟ فيقول: نعم، فيقال له: وهل أنت ترضى بهذا الكفر؟ فإن قال: نعم، كفر، وإن قال: لا، ثبت أن له اختيارا يخالف اختيار الله جل وعلا وإرادته. وأهل السنة المتوسطون بين القدرية والجبرية أسعد بالتخلص من الفريقين؛ لأنهم يقولون: كفر الكافر وقع بمشيئة الله جل وعلا، ولكن الله جل وعلا لا يحبه ولا يرضاه. قال رحمه الله: فإن قيل: كيف يتأتى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير ومع شهود القيومية والمشيئة النافذة؟ قيل: هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود الأمر على غير ما هو عليه، فرأى تلك الأفعال طاعات لموافقته فيها المشيئة والقدر. وهؤلاء أعمى الخلق بصائر وأجهلهم بالله؛ إن الطاعات هي موافقة الأمر الديني الشرعي لا موافقة القدر والمشيئة. قال رحمه الله: لكن إذا شهد العبد عجز نفسه ونفوذ الأقدار فيه وكمال فقره إلى ربه وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عين، كان بالله في هذه الحال لا بنفسه، فوقوع الذنب منه لا يتأتى في هذه الحال البتة؛ فإن عليه حصنا حصينا. فبه يسمع وبه يبصر وبه يبطش وبه يمشي؛ فبالله جل وعلا يوفق سمعه وبصره وفعله ومشيه. قال رحمه الله: فإذا حجب عن هذا المشهد وبقي بنفسه، استولى عليه حكم النفس، فصلت عنه معاني الربوبية، وهناك نصبت عليه الشباك والأشراك. قال: فإذا انتفى عنه ضباب ذلك الوجود الطبيعي، فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة؛ فإنه كان في المعصية محجوبا بنفسه عن ربه، فلما فارق ذلك الوجود صار في وجود آخر، فبقي بربه لا بنفسه. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليه.