الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 16، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغضب لما له من آثار سيئة على الفرد والمجتمع. الغضب قد يوقع في الذنوب والخطايا ويعتبر مفتاحا للشر.
الغضب لمحارم الله يعتبر عبادة إذا كان وفق الشريعة، لكن تجاوز الحدود يعتبر مخالفة شرعية. يجب أن يكون الغضب موافقا للشريعة.
وصية النبي صلى الله عليه وسلم باجتناب الغضب لها أهمية كبيرة في حياة المسلم، تضمن سعادته في الدنيا والآخرة وتحميه من الشرور.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام النووي رحمه الله في كتابه الأربعين النووية، الحديث السادس عشر: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «أوصني»، قال: «لا تغضب»، فردد مرارا، قال: «لا تغضب». رواه البخاري. قال الشارح، وفقه الله: هذا الحديث رواه البخاري وحده دون مسلم، فهو من أفراده. قوله: «لا تغضب»، فيه النهي عن الغضب، ونهيه صلى الله عليه وسلم عنه يشمل أمرين: الأول النهي عن تعاطي الأسباب الموصلة إليه، من كل ما يحمل على الغضب ويهيجه. نهي عن تعاطي أسباب الغضب، كل ما كان سببا لوقوعك في الغضب، فعليك أن تجتنبه. ومن ذلك، مثلا، التعجل في الأحكام، إذا رأى شيئا إنسان فعل شيء، فيتعجل في الحكم عليه بالخطأ، أو كذلك بعدم الصواب بهذا الفعل، فيغضب، أو ربما كذلك إذا أساء إليه إنسان بقول أو فعل، فيغضب بسبب ذلك. كل شيء، كل سبب يعني يهيجه ويغضبه، فيحرص على اجتنابه والابتعاد عنه. والثاني: أنه عن إنفاذ مقتضى الغضب، فلا يمتثل ما أمره به غضبه، بل يراجع نفسه حتى تسكن. لأن الإنسان إذا غضب، ربما أوقعه الغضب في أمور عظيمة، قد يفرق الغضب بينه وبين زوجته وأسرته، يغضب فيطلق امرأته. قد يغضب فيضرب أخاه المسلم ويعتدي عليه، بل ربما يقتل ويسفك الدم الحرام بسبب الغضب. إذن، إذا أصابه الغضب، لا يفعل ما يأمره به الغضب، بل يراجع نفسه، يمسك نفسه. هذا والشديد القوي الذي يتمالك نفسه عند الغضب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». إذا غضب ملك نفسه، وملك لسانه، وملك جوارحه، واستطاع أن يتمالك نفسه، هذا هو الشديد القوي. والذي ينهى عنه من الغضب: ما كان انتقاما للنفس، يعني يريد أن يشفي ما في قلبه وما في نفسه، فينتقم ممن أغضبه، هذا غضب مذموم، ومنعه. أما إذا غضب لانتهاك حرمات الله، فإن غضبه مأمور به، وهو من دلائل إيمانه، يعني يكون هذا الغضب محمودا. الغضب على محارم الله إذا انتهكت، إذا سمع أن معصية وقعت وفعلها بعض الناس، فيغضب، أو ظلم إنسان من الناس ظلم وبغي عليه، فيغضب لذلك. أو ذلك من انتهاك محارم الله، فيغضب حرمة غضبا لله. وكذلك أيضا حرقة على دين الله، هذا محمود. وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، كان يغضب عليه الصلاة والسلام إذا انتهكت محارم الله، كما قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها»، وكنا نعلم غضبه إذا انتهكت محارم الله. أو كما قال رضي الله تعالى عنه. وهكذا تقول عائشة رضي الله عنها: «ما تقمص رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك محارم الله، فيغضب لله تعالى». قال: وهو من دلائل إيمانه، لكن شرطه أن يجعله وفق ما أذنت به الشريعة، فلا يجوز له أن يغضب لله بما يسخط الله. فالغضب لحرمات الله عبادة، والعبادة لا تكون صحيحة مأمورا بها إلا إذا كانت وفق الشريعة. فالغضب لانتهاك الحرمات الدينية يكون وفق الطريقة الشرعية. فإن عدل عنها وقع العبد في المحظور، كإنسان مثلا بلغه أن الناس وقعوا في الفواحش والمنكرات وارتكاب الزنا ونحو ذلك، يقول: أنا أغضب على محارم الله، هؤلاء الناس ينبغي أن يعاقبوا، فيذهب ويضرب هؤلاء، أو يقيم عليهم الحد، أو يحكم عليهم بالقتل، أو شيء من ذلك. كما يفعل الخوارج الذين يستبيحون دماء المسلمين بارتكاب الكبائر أو نحو ذلك من الذنوب والمعاصي، ويقولون: نحن نغضب لمحارم الله إذا انتهكت. لكن هذا الغضب يعني مخالف للشرع، هذا الغضب مخالف للشرع. كون الإنسان يعني يغضب إذا ارتكبت الفواحش، فيذهب يريد أن يقيم الحد على من فعل الفاحشة، أو من فعل هذا الذنب أو المعصية، فهذا ليس من شأنه ولا من عمله. وإنما هذا يرجع إلى ولي الأمر، لابد أن يكون يعني الغضب على حدود الشرع، موافقا للشرع، لا يكون مخالفا لشرع الله سبحانه وتعالى. قال: يعني لو أن إنسانا مثلا مررت عليه وهو جالس في السيارة أمام بيته والناس تصلي وهو مغلق الزجاج على نفسه في سيارته، فأنت طرقت الزجاج ولما فتح قلت له: يا أخي الصلاة، صلي الله يهديك، الناس تصلي وأنت جالس هنا، الصلاة شعار المؤمنين، ولا تجاهر بترك الصلاة أمام المسلمين. قال: خيرا إن شاء الله، وأغلق الزجاج. فذهبت أنت لتصلي، ولما رجعت من الصلاة وجدته ما زال في السيارة، فطرقت الزجاج ولما فتح قلت له: ما صليت؟ قال: أصلي أو ما أصلي، الأمر راجع إلي، وأغلق الزجاج. فأخذت حجرا وكسرت عليه الزجاج. فيحرم على العبد فعل ذلك. هذا كمثال، هو الآن أدى النصيحة وأنكر على هذا الرجل الذي لم يصلي مع الناس، طيب وأدى الذي عليه، البلاغ إلى الرسول. فكونه أغلق الزجاج، ليس يعني أنت تتحمل هذا الإثم، أنت أديت الذي عليك. فكونه أقفل الزجاج، تقوم بكسر الزجاجة السيارة، هذا اعتداء، ليس لك فيه حق. فمثل هذا يعني كمثال أن الإنسان يغضب فيرتكب مثل هذا الفعل، فيه تعدي على يعني أموال الناس. فمثل هذا لا يشرع للإنسان يفعله على جهة الغضب لله. أنت غضبت، أدي النصيحة إن صح وبين وتنكر المنكر، هذا الذي عليك. إن استجيب لك فالحمد لله، وإن لم يستجب لك فما على الرسول إلا البلاغ المبين. أنت ليس عليك هداية الناس، الله يهدي من يشاء، إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. قال: فالغضب لله يكون وفق ما يريده الله. وإذا تفقدت هذا الأمر في الناس، وجدت أن أكثر من يريد الغضب لله لا يخرجه وفق ما يحبه الله. ولهذا فإن منفعة العلم أن العبد يقيد فيه غضبه لله بأمر الله، فهو يعرف حدود المأمور به في غضبه، ولا يقع في المحظور، فلا يتجاوز حد الشريعة فيما أمرت به من الغضب لحق الله سبحانه وتعالى. إذن علمنا من هذا الحديث العظيم أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصى هذا الرجل الذي قال له: «أوصني»، قال: «لا تغضب». قال: «أوصني»، قال: «لا تغضب». ردد عليه مرارا «لا تغضب». لم يزد على هذه الجملة «لا تغضب». لماذا؟ لأن الغضب مفتاح يعني شر عظيم للإنسان، مفتاح شر عظيم على الإنسان. فقد يغضب كما سمعنا، فيقع في أنواع من الذنوب والخطايا، من اعتداء على الآخرين، أو من إتلاف مال، أو سفك دم، أو كذلك التفريق بينه وبين زوجه وعشيرته وأسرته، أو غير ذلك من المفاسد الكثيرة التي قد تقع بسبب الغضب. فيتمالك الإنسان نفسه، وصبر وتحمل، وزال عنه الغضب، يعني سلم، سلم من كثير من الآفات والشرور التي قد تقع بسبب الغضب. وكما سمعنا أنه يعني يبتعد عن الأسباب التي توجب له الغضب، فيجتنبها. وإذا غضب ووقع منه الغضب، يتمالك نفسه، ولا يستجيب لغضبه إذا غضب. والغضب يقول: لو أفعل كذا، ما يقول على طول، أبشر إلى الأمام، فيعتدي ويظلم. لا يكون شجاعا، يملك نفسه حتى يذهب عنه الغضب، فيسلم في نفسه، وكذلك يسلم غيره من شره. فهذا الحديث عظيم، وصية عظيمة، أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم، فيها سعادة المرء في الدنيا والآخرة، وسلام له من الوقوع في أنواع من الشرور والآثام التي قد تقع من الإنسان بسبب الغضب.