الدرس في كتاب الطهارة 9، ألقاها
يستحب لداخل الخلاء أن يقول: «بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» قبل الدخول، ويقول عند الخروج: «غفرانك». كما يستحب تقديم الرجل اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج.
من الآداب المستحبة عند قضاء الحاجة تقديم الرجل اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج، والاستتار وعدم كشف العورة حتى يدنو من الأرض، والإبعاد عن أنظار الناس في الخلاء.
ينهى عن البول في الماء الراكد، ومسك الذكر باليد اليمنى أثناء البول، والاستنجاء باليد اليمنى، وقضاء الحاجة في الطرقات أو الظل أو المقابر، والاستنجاء بالروث أو العظم أو الطعام المحترم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا يهمه قضاء حاجته في وسط القبور أو السوق، مما يدل على عدم الاكتراث بالمكان عند الحاجة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد: مر معنا فيما مضى في الباب الثالث من كتاب الطهارة المسألة الأولى والثانية، وقبل أن ندخل في المسألة الثالثة تنبيه، وهو ما تقدم معنا في الأمس بالإشارة إليه، وهو قوله في حديث ابن عمر: «ولحديث مروان الأصغر»، الصواب «مروان الأصفر»، كما في ترجمته من تهذيب الكمال وفروعه، على أنه جاء في بعض النسخ في تهذيب الكمال أو تقريب التهذيب: «مروان الأصغر»، وهو خطأ، وصواب «مروان الأصفر». المسألة الثالثة: ما يسن فعله لداخل الخلاء، أي ما هي الأمور المستحبة المسنونة التي ينبغي أن يفعلها من دخل الخلاء؟ هناك أمور مستحبة ينبغي له فعلها. فما هي؟ قالوا: يسن لداخل الخلاء -والخلاء المكان المعد لقضاء الحاجة، فقد يكون مكاناً معدا من بنيان وما شابه ذلك، وقد يطلق الخلاء على المكان الذي يقضى به أو تقضى به الحاجة ولو لم يكن بنيانا- قول: «بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». هل معناه إذا كان الخلاء بنيانا أنه يقول إذا دخل وصار داخل ذلك البنيان -يعني الآن نسميها الحمامات- من أراد دخول الحمام لقضاء الحاجة، هل يسن له أن يقول: «بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» داخل الحمام أو قبل أن يدخل الحمام؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يقوله إذا أراد الدخول. ففيكون ما جاء في حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه: «إذا أتى أحدكم الغائط»، المراد إذا أتى أحدكم الغائط فأراد الدخول، كقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، هل معناه أن تقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» عند الشروع في القراءة، أي بعد الدخول في القراءة أو قبل القراءة؟ يقال: قبل القراءة. واضح هذا. وكذلك هذا الدعاء يقال قبل الدخول، قبل الدخول إلى الخلاء. فإذن، يقال هذا الدعاء إذا كان في البنيان قبل الدخول في المكان المعد للخلاء، وإذا كان في صحراء -إذا كان في صحراء إنسان أراد أن يقضي حاجة في مكان خالي ليس بنيانا- فمتى يقول هذا؟ قال علماء رحمهم الله تعالى: يسن له أن يقول ذلك إذا هبط إلى الأرض ورفع ثوبه لقضاء حاجته، أن يقول هذا عند جلوسه لقضاء الحاجة. فيكون قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتى أحدكم الغائط»، يكون على بابه وحقيقته في الخلاء والصحراء، وأما في البنيان فيكون هناك تقدير: «إذا أراد أحدكم الخلاء فليقل: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». قوله: «بسم الله»، كما سيأتي معنى بإذن الله جل وعلا، الأحاديث المذكورة في هذا سيأتي معنى الكلام على أدلة هذا، فنتكلم على الأدلة في بابها أو في موضعها. قالوا: يسن لداخل الخلاء قول: «بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». قلنا: في البنيان قبل الدخول، إذا كان في البنيان كالحمامات اليوم، إذا أراد الإنسان أن يدخل يقضي حاجته في الحمام قبل الدخول يقول: «بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». إذا كان في صحراء في فضاء من الأرض، فإذا جلس قبل أن يعني يقضي حاجته يقول هذا الدعاء وهذا الذكر. قالوا: وعند الانتهاء والخروج: «غفرانك». وهذا كذلك الانتهاء والخروج، متى يقول: «غفرانك»؟ هل يقوله داخل الحمام أم إذا خرج؟ كذلك إذا خرج. وكذلك إذا كان في صحراء، إذا قضى حاجته وأماط الأذى وقام من مكانه قال هذا الدعاء: «غفرانك». وتقديم رجله اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج أي من السنن والمستحبات، بأن الإنسان إذا أراد أن يدخل الخلاء أن يدخل برجله اليسرى، يدخل برجله اليسرى. وفي البنيان الأمر واضح، أي إذا كان في الحمامات الأمر واضح، يستطيع أن يدخل اليسرى قبل اليمنى. لكن إذا كان في صحراء كيف يصنع؟ بعض أهل العلم قالوا: يجعل يسرى قبل القضاء. قالوا: فيحمل هذا الأمر وهذا الأدب كذلك في الصحراء. وبعض أهل العلم قالوا: إنما يكون فيما ذا في البنيان دون الصحراء، لأن مسألة الصحراء لا ينضبط فيها تقديم اليسرى على اليمنى. وهذا الأقرب، والله تعالى أعلم. إذن، من السنن المستحبة تقديم رجله اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج. وهذا الأدب متفق عليه، بمعنى أنه لا خلاف بين أهل العلم في هذا الأدب، كما ذكر ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى. ودلت أدلة عمومات الأدلة على هذا المعنى: أن اليد اليمنى تستخدم لما شرف، واليسرى لما عداها. وكذلك يقال في الرجل، يعني يبتدأ باليسرى في ماذا؟ في الخلاء، نحوه، واليمنى في العكس. قالوا: وأن لا يكشف عورته حتى يدنو من الأرض، وهذا أدب كذلك من الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها المسلم في أثناء قضائه في أثناء قضاء الحاجة. يقولون: وأن لا يكشف عورته حتى يدنو من الأرض، أراد أن يقضي حاجته. يقولون: فلا يكشف عورته حتى يدنو من الأرض. وهذا في الخلاء يعني في أماكن الفضاء والصحراء وما شابه ذلك، لا يقول إنسان ما في أحد يفتح ما شاء الله ويمشي. لكن ماذا يفعل إذا أراد قضاء الحاجة؟ ينظر مكانا مستترا ثم يجلس، فإذا جلس رفع ثوبه وقضى حاجته، لأن هذا فيه تمام الستر. وهذا في الخلاء والصحراء، أما في البنيان فالأمر واسع. قالوا: وإذا كان في الفضاء -بمعنى أن الإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته في الفضاء ليس في بنيان- يستحب له الإبعاد، يستحب له الإبعاد والاستتار حتى لا يرى الإنسان إذا خرج في مكان في الصحراء معه جماعة من الناس، فأراد أن يقضي حاجته فيستحب له إذا كان في قضاء الحاجة أن يبعد عن أنظار الناس. ولسيما في قضاء الحاجة إن كان غائطا. وأما البول فكذلك يستحب له الإبعاد، وإن فعل عن قرب مع استتار فلا بأس، لحديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائما عند صباطة قوم، وحذيفة يستره. قالوا: وأدلة ذلك كله أي أدلة هذه الآداب المتقدمة حديث جابر رضي الله عنه قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتي البراز حتى يتغيب فلا يرى». والحديث كما ذكر رواه أبو داود وابن ماجة وغيرهم، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. والشاهد منه قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر»، أي كانوا في خلاء، «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتي البراز» أي قضاء الحاجة مكان قضاء الحاجة «حتى يتغيب فلا يرى». وهذا يدلنا على شدة البعد، يبعد عن الناس حتى لا يراه أحد. قال: وحديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الخلاء أن يقول: بسم الله». قالوا: أخرجه أو رواه ابن ماجة والترمذي، وحسنه أحمد شاكر، وصححه الألباني في صحيح الجامع. والحديث حديث علي رضي الله عنه وأرضاه بهذا الإسناد لا يصح، فإنه من طريق محمد بن حميد الرازي، ومحمد بن حميد الرازي من أهل العلم من كذبه كالرازيين أبي حاتم وأبي زرعة، ومنهم من ضعفه، ومنهم من مشى حديثه. فالحاصل أن الأقرب والله أعلى وأعلم أن حديثه لا يرتقي إلى الصحة أو لا يرتقي إلى الحسن، فضلا عن الصحة. بل أقرب ما يقال بأنه حديث ضعيف جدا. قال: المسألة الرابعة: ما يحرم فعله على من أراد قضاء الحاجة. بمعنى من أراد قضاء الحاجة فإنه لا يجوز له أن يفعل أمورا. ما هي هذه الأمور؟ قالوا: يحرم البول في الماء الراكد، لحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن البول في الماء الراكد. والحديث متفق عليه. وهذا كما ترون نهي، نهى عن البول في الماء الراكد. ما هو الماء الراكد؟ الراكد ضد المتحرك، الراكد ضد المتحرك، أي الماء الذي لا يتحرك مثل مياه البرك أو ماء في بعض الأماكن الأحواض وما شابه ذلك التي لا تتحرك. فلا يجوز الإنسان أن يبول في هذا الماء الراكد لقول النبي صلى الله عليه وسلم أو لقول لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الراكد. والأصر في النهي أنه للتحريم. واضح هذا. جماع أم لا؟ فإذا لا يجوز للمسلم ولا لغير المسلم أن يبول في الماء الراكد الذي لا يجري. الأمر الثاني قالوا: ولا يمسك ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يستنجي بها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه ولا يستنجي بيمينه». قولهم: ولا يمسك ذكره بيمينه وهو يبول، وهو يبول جملة، والواو واو حالية. فمعنى هذا أنه لا يجوز له أن يمسك ذكره حال بوله. الإنسان إذا قضى إذا أراد أن يبول فلا يجوز له أن يمسك ذكره بيمينه عند البول، لا يجوز للإنسان إذا أراد أن يبول أن يمسك ذكره أثناء البول بيده اليمنى، بل بيده اليسرى. قالوا: ولا يستنجي بها، ما معنى لا يستنجي بيمينه؟ لا يستنجي بيمينه إذا أريد به مباشرة اليد اليمنى في الاستنجاء، فهذا أمر محرم بإجماع. واضح. جماعة. إن أراد أن أريد بهذا الحديث أنه لا يستنجي بيمينه يعني أن يجعل يده اليمنى لمسح الأذى الخارج إما من القبل وإما من الدبر، فإن هذا محرم إجماعا. وإن أريد باستخدام اليمنى بواسطة شيء -بواسطة شيء مثل حجارة أو ما شابه ذلك- فما الحكم هاهنا؟ خلاف بين أهل العلم. والأظهر كذلك أنه لا يجوز، لعموم الحديث: «ولا يستنجي بيمينه»، سواء كان مباشرة أو كان بحائل. قالوا: ويحرم عليه البول أو الغائط في الطريق أو في الظل أو في الحدائق العامة أو تحت شجرة مثمرة أو موارد المياه، لما ورد لما روى معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الملاعنة ثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل». وحديث معاذ رواه أبو داود وابن ماجة وغيرهما، وهو من طريق أبي سعيد الحميري، وهو مجهول، يرويه عن معاذ، وهو لم يسمع منه. فالحديث من هذه الطريق لا يصح. وإن كان معناه صحيحا. قالوا: ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا اللعانين أو اتقوا اللاعنين». قالوا: «ومن لاعنان يا رسول الله؟» قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم». الذي يتخلى في طريق الناس، أي في الطرق العامة أو الطرق الخاصة المكان الذي يسير فيه الناس. يعني معروف أن في كل مكان طرق يقال لها شوارع، إما أن تكون شوارع عامة وإما أن تكون طرق الناس خاصة مداخل بعض البيوت أو ما خارجها. فلا يجوز الإنسان أن يقضي حاجته في طريق الناس. وكذلك قال في الحديث: «أو في ظلهم». وفي الظل يعم الأشجار، حيث ما يجلس الناس يستظل أو تحت بعض السقائف أو البيوت أو الأماكن العامة التي يجلس فيها الناس، لا يجوز لإنسان أن يأتي في مكان يستضل به أهل الإسلام فيقضي حاجته فيه. وألحق به العلماء رحمهم الله تعالى ما ذكر من الأماكن العامة والحدائق العامة وما شابهها ذلك. قالوا: كما يحرم عليه قراءة القرآن، ويحرم عليه الاستنجاء بالروث أو العظم أو بالطعام المحترم، لحديث جابر. طيب. ويحرم عليه الاستنجاء بالرّوث -والرّوث يكونه يعني هو ما يخرج خارج الحمار أو البغل أو الخير ونحوه- أو العظم -والعظم معروف- أو بالطعام المحترم -أو بالطعام المحترم- لا يقول إنسان يأخذ طعام يأخذ بسكوت أو ما شابه ذلك أو قرص من الخبز أو ما شابه ذاك ماذا يمسح به ما خرج منه من غائط أو بول؟ هذا كذلك لا يجوز. قال: لحديث جابر رضي الله عنه: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتمسح بعظم أو ببعر». والحديث رواه مسلم. قال: ويحرم قضاء الحاجة بين قبور المسلمين، أي في قبور المسلمين كيف في المقابر؟ لا يجوز. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أبالي أوسط القبور قضيت حاجة أو وسط السوق». والله تعالى أعلى وأعلم. إلهنا سبحانك الله بحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليه.