كتاب الطهارة 16

الدرس في كتاب الطهارة 16، ألقاها

مقدمة في نواقض الوضوء

نواقض الوضوء هي الأشياء التي تبطل الوضوء وتفسده، وهي عدة أمور منها الخارج من السبيلين. نواقض الوضوء مجمع عليها مثل البول والغائط والمني والمذي والريح.

تفصيل الكلام عن المني والمذي والاستحاضة

المقطع يتناول تفاصيل نواقض الوضوء خاصة المني والمذي والاستحاضة. جمهور العلماء يرى أن الاستحاضة ناقضة للوضوء بينما يرى بعضهم خلاف ذلك.

خروج النجاسة من بقية البدن وحكم الوضوء

يناقش آراء أهل العلم حول خروج النجاسة من غير السبيلين وناقضية الوضوء. خروج الغائط أو البول من أي مكان يوجب الوضوء بينما خروج الدم أو القيء اليسير لا يوجب الوضوء.

تتمة الكلام عن خروج الدم والقيء

الصحيح أن خروج الدم والقيء ليسا بناقضين للوضوء لعدم وجود دليل. قول الحنفية يختلف بكون اليسير من القيء ناقضاً للوضوء.

  • 16 جمادى الآخرة 1433هـ - 07/05/2012مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قالوا: المسألة السادسة -أي من مسائل الوضوء- قالوا: في نواقضه -أي في نواقض الوضوء- قالوا: والنواقض هي الأشياء التي تبطل الوضوء وتفسده، وهي ستة. أولها: قالوا: الخارج من السبيلين، ومعنى الخارج من السبيلين: أي الخارج من القبل أو من الدبر. قالوا: الخارج من السبيلين -أي من مخرج البول والغائط- أي القبل أو الدبر. قالوا: الخارج -أي من السبيلين- إما أن يكون بولا أو غائطا أو منيا أو مذيا أو دم استحاضة أو ريحا قليلا أو كثيرا، أي أن هذه الأمور من نواقض الوضوء. بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى يفصلون في هذا المقام -أي في الخارج من السبيلين- فيقولون: بأن الخارج من السبيلين على قسمين: قسم مجمع على أنه ناقض من نواقض الوضوء، والقسم الآخر مختلف فيه. فمن المجمع فيه: الأشياء المذكورة إلا الاستحاضة، ففيها خلاف. بمعنى أن الغائط والبول، وكذلك المني أو المذي أو الريح -سواء كان فساء أو ضراطا- الكل ناقض، أو كل هذه الأشياء من نواقض الوضوء بإجماع، لا خلاف بين أهل العلم في كونها ناقضا أو ناقضة من نواقض الوضوء. ودل عليها كذلك أدلة -أي من كتاب الله جل وعلا- ودل على بعضها أدلة من سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قالوا: لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾، فهذا فيه دليل على أن الغائط ناقض من نواقض الوضوء. قالوا: وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، كما في حديث أبي هريرة. وقد سئل أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه: فقيل له: يا أبا هريرة، وما معنى أحدث؟ أو ما معنى الحدث؟ قال: فساء أو ضراط. قال: فساء أو ضراط، فدل على أن الفساء والضراط داخلان في نواقض الوضوء، وأنها من الأحداث التي توجب الوضوء. قالوا: وقوله صلى الله عليه وسلم: «ولكن من غائط أو بول أو نوم». وهذا الحديث هو قطعة من حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه وأرضاه، ولفظه: قال: «كان يأمرنا -أي النبي صلى الله عليه وسلم- أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة»، قال: «لكن من غائط أو بول أو نوم»، أي أن الإنسان إن أصابه غائط أو بول أو نوم، فإنه يكون -أو فإنه ينتقض وضوءه- فعليه الوضوء. ففي الحديث أن الغائط والبول والنوم من نواقض الوضوء. وقوله صلى الله عليه وسلم: «فيمن شك هل خرج منه ريح أو لا، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». وهو حديث متفق عليه من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه وأرضاه. فيه دليل على أن الفساء والضراط كذلك من نواقض الوضوء. وأما المني، فدل عليه قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. وأما المذي، فدل عليه ما جاء في الصحيحين من حديث المقداد بن الأسود: أن عليا رضي الله عنه وأرضاه بعثه يستفتي النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي. قال علي رضي الله عنه وأرضاه: كنت رجلا مذاء -أي كثير المذي- فاستحييت أن أسأله، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: «يغسل ذكره ويتوضأ». وفي رواية: «فلينضح على ذكره وليتوضأ». فدل على أن المذي ناقض من نواقض الوضوء. وأما الاستحاضة -وأما دم الاستحاضة- فذهب -أو اختلف- العلماء رحمهم الله تعالى: في هل كونه ناقضا من نواقض الوضوء أم لا؟ فجمهور أهل العلم ذهبوا إلى أن الاستحاضة ناقض من نواقض الوضوء. ومعنى الاستحاضة: هو خروج الدم من فرج المرأة، وليس هو دم نفاس ولا دم حيض، ولكن كما جاء في بعض الروايات: «إنما ذلك عرق وليست بالحيضة»، أي أنه دم ليس دم حيض ولا دم نفاس، وإنما هو بسبب جرح يحصل في الرحم أو ما شابه ذلك، فيتدفق الدم بسببه من الرحم. فذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن أكثر أهل العلم على أنه ناقض من نواقض الوضوء. دليلهم على هذا: أنه خارج من السبيلين، هذا أولا. ثانيا: ما جاء في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها في قصة فاطمة بنت أبي حبيش. وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «توضئ لكل صلاة». استدل العلماء القائلون بأن الاستحاضة ناقض من نواقض الوضوء بهذه اللفظة: «توضئ لكل صلاة». ولكن هذه الزيادة -وإن رواها البخاري رحمه الله تعالى- إلا أن جماعة من أهل العلم حكموا عليها بأنها زيادة غير محفوظة. ذهب ربيعة شيخ مالك، ومالك بن أنس، وكذلك قبلهما من التابعين: عكرمة وأيوب، في طائفة من أهل العلم: إلى أن الاستحاضة ليست بناقض من نواقض الوضوء. واستدلوا على ذلك: بأن الأصل البراءة، وكون الاستحاضة ناقضا من نواقض الوضوء يحتاج إلى دليل. قالوا: ولا دليل. وما جاء في حديث عائشة من الزيادة -كما سمعتم- حكموا عليها بالضعف. فقالوا: إذا ليس عندنا دليل على الحكم بأن المرأة إذا استحاضت فإن عليها الوضوء. الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى في كتابه «الأوسط» يقول: من حيث النظر، قول ربيعة قوي. وذلك لأن دم الاستحاضة مستمر في المرأة، فإذا كان ناقضا -نتصور الآن امرأة الدم فيها مستمرا- توضأت المرأة والدم مستمر، إذا كان ناقضا فمعناه أن كلما غسلت وجهها مثلا ويديها والدم يخرج يكون انتقض، فتعيد وينتقض وتعيد. فبعض أهل العلم من القائلين بأن الاستحاضة ناقض من نواقض الوضوء: إلى القول بأنها إذا شرعت في الوضوء وخرج منها الدم فإنه لا عبرة به. ومنهم من قال: إن فرغت من وضوئها ثم خرج منها الدم فلا عبرة بالدم الخارج. فالحاصل: أننا إذا تأملنا هذه المسألة وتصورناها، نجد أن حقيقة القول: أن هذا غير متصور. لأننا لو قلنا بأنه ناقض، فإذا شرعت المرأة في الوضوء فخرج الدم، معنى هذا أنه ناقض. إذا فرغت من الوضوء ثم خرج منها الدم قبل الدخول في الصلاة، يلزم من هذا أن يكون ناقضا. فماذا تصنع؟ كما قال بعض أهل العلم: إن توضأت خروجا من الخلاف فالأمر واسع، وهو أفضل خروجا من الخلاف. وإن لم تتوضأ وصلت بوضوئها الأول، فطهارتها صحيحة وصلاتها صحيحة، ما دام أن دم الاستحاضة لم يدل دليل على أنه ناقض من نواقض الوضوء. قالوا: الثاني: خروج النجاسة من بقية البدن. ما معنى خروج النجاسة من بقية البدن؟ أي خروج النجاسة من غير السبيلين. قالوا: فإن كان بولا أو غائطا، نقض مطلقا؛ لدخوله في النصوص السابقة. كيف يكون بولا أو غائطا ويخرج من غير السبيلين؟ الجواب: نتصور هذا فيمن كان به مرض، عمل له عملية مثلا، فاحتاج إلى إخراج الغائط أو البول من جوفه، من غير المخرج المعتاد. فما حكمه؟ كذلك خلاف بين أهل العلم. والصحيح من أقوال أهل العلم: بأنه ناقض من نواقض الوضوء. والدليل على هذا: ما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولكن من غائط أو بول». فخروج الغائط أو البول -سواء كان من المخرج المعتاد أم لم يكن من المخرج المعتاد- فإنه يوجب الوضوء؛ لأن الشارع علق الحكم بهما، علق الحكم بخروج البول، وكذلك الغائط، ولم يعلق الحكم بالمخرج. قالوا: وإن كان غيرهما -أي وإن كان غير الغائط والبول من النجاسات- كالدم والقيء. يعني: الدم مثل النزيف حصل لإنسان، رعاف حصل لإنسان، خرج منه دم من أنفه، خرج له دم من أذنيه، خرج له دم مثلا أصيب بجرح في صدره، في بطنه، طعن أو ما شابه ذلك. هل يكون هذا ناقضا من نواقض الوضوء؟ كذلك القيء -وهو خروج الطعام أو الشراب من جوف الإنسان، من بطن الإنسان- فهل يكون ناقضا من نواقض الوضوء؟ قالوا: هاهنا، فإن فحش وكثرا، فالأولى أن يتوضأ منه عملا بالأحوط. وإن كان يسيرا فلا يتوضأ منه بالاتفاق. أي: إن كان يسيرا من دم أو قيء، فإنه لا يتوضأ. واليسير -كما يقول بعضهم- ما لم يملأ الفم. بعضهم ضبطه بهذا، وهو قول حنفية. والصحيح -كما ذكر- وهو الصحيح: بأن خروج الدم، وكذلك القيء، ليس بناقضين من نواقض الوضوء؛ لعدم الدليل الدال على أنهما ناقضان. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على