شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 23

الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 23، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

باب ما أخبر الله في الهداية والضلال

يستعرض المؤلف آيات قرآنية متعددة تؤكد أن الهداية والضلال بيد الله وحده، مستدلاً بقوله تعالى في المنافقين وآيات أخرى تدل على مشيئة الله المطلقة. يبين أن الأنبياء لا يهتدون إلا من سبق في علم الله هدايته.

تعدد الآيات الدالة على انفراد الله بالهداية

تستعرض الآيات من سور شتى تأكيد القرآن أن الهداية والضلالة ملك لله وحده، فلا يملك أحد هداية من أضله الله ولا ضلالة من هداه. شملت الاستدلالات سور النحل والإسراء والكهف والحج والنور وغيرها.

مشيئة الله وعلمه السابق في الهداية والضلال

توضح الآيات أن الله خلق العباد وأفعالهم، وعلمه السابق محيط بما كان وما يكون، ولا يستطيع أحد تغيير قضاءه. بينت أن الكفار لو أعيدوا للدنيا لعادوا لكفرهم، فلا ظلم في خلودهم بالنار.

خاتمة المجلس وتقرير عدل الله وحكمته

يؤكد المؤلف أن الله سبحانه عدل حكيم، عالم بأعمال العباد وقدر أرزاقهم وآجالهم، وهو أعلم بهم من أنفسهم. يعلن انتهاء الجلسة على أن يستأنف الباب التالي بعد الصلاة، مختتماً بالصلاة على النبي ﷺ.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في قراءة كتاب الشريعة للإمام العامل العلامة، أحد كبار أئمة السنة، أبي بكر محمد بن الحسين الآجري، المتوفى سنة ستين وثلاثمائة للهجرة. ولازلنا نقرأ في أبواب القدر والرد على القدرية. قال: باب ما أخبر الله تعالى أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأن الأنبياء لا يهدون إلا من سبق في علم الله أنه يهديه. وهذا علم الله السابق: فمن الناس من كتب لهم الهداية، ومن الناس من كتبت عليهم الشقاوة قبل أن يخلقوا بخمسين ألف سنة. علم الله أنهم يختارون الشقوة فكتبها عليهم، وعلم أن آخرين يختارون الهداية فكتبها لهم. فعلم الله سابق لما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. قال رحمه الله: قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. وقال تعالى في هذه السورة وقد ذكر المنافقين: ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. وقال تعالى في هذه السورة: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وقال تعالى في سورة الرعد: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾. وقال تعالى في هذه السورة: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وقال تعالى في هذه السورة: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. وقال تعالى في سورة إبراهيم عليه السلام: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وقال تعالى في سورة النحل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقال تعالى في هذه السورة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾. وقال تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ﴾. وقال تعالى في سورة الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾. وقال تعالى في سورة الحج: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾. وقال تعالى في سورة النور: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾، ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾. وقال تعالى في هذه السورة: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. وقال تعالى في سورة القصص: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. وقال تعالى في سورة الروم: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾. وقال تعالى في سورة السجدة: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. وقال تعالى في سورة الملائكة، أي سورة بني إسرائيل، سورة فاطر: ﴿وَقَالَ تَعَالَى فَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. وقال تعالى في سورة الزمر: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وقال تعالى في هذه السورة: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. وقال تعالى في هذه السورة لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ﴾. وقال تعالى في سورة حاميم المؤمن، سورة غافر: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. وقال تعالى في سورة المدثر: ﴿كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ﴾. قال محمد بن الحسين: اعلموا يا معشر المسلمين أن مولاكم الكريم يخبركم أنه يهدي من يشاء، فيوصل إلى قلبه محبة الإيمان فيؤمن ويصدق، ويضل من يشاء فلا يقدر نبي ولا غيره على هدايته بعد أن أضله الله عن الإيمان. هذا الفصل فيه أن الله يخلق العباد وأفعال العباد، فمن شقي فالله كتب عليه الشقاوة، ومن سعد فالله هو الذي كتب له السعادة. والله يعلم من يصلح للهداية ويقبلها ويسعى في سبيلها ويؤثرها، ومن لا يقبل الهداية ويردها ويعرض عنها وينأى عنها، فالله يعلم ذلك قبل أن يخلق خلقه. علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، سبحانه وتعالى. ذكرنا فيما سبق أن الله أخبر عن الكفار أو عن بعض الكفار الذين دخلوا النار، قال: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾. يتمنون أن يعاد بهم إلى الدنيا، ماذا تصنعون؟ قالوا: نعمل الخيرات والصالحات. قال الله وهو يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن: مثل هذا الطلب لو كان حسب طلبهم كيف يكون؟ قال الله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. فيخبر الله أن هؤلاء لو أخرجوا من النار فقيل لهم: أعطيناكم مهلة، هل ينتفعون؟ قال الله: لعادوا لما نهوا عنه. فهل ظلمهم الله حين أخلدهم في النار؟ لم يظلموا لأنهم لو عُيدوا سيعودون إلى ما كانوا عليه. نسأل الله العافية والسلامة. فالله علم في علمه السابق ما كان وما لم يكن وما يكون في المستقبل وما لم يكن لو كان كيف يكون. هذا الذي يريد المؤلف تقريره، وأن الله عدل حكيم، سبحانه وتعالى، يعلم ما العباد صانعون، فقدر أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وهو بهم أعلم منهم من أنفسهم، سبحانه وتعالى، جل جلاله. طيب، نقف ها هنا ونقرأ الباب الذي بعده وبعد الصلاة. هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.