شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 21

الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 21، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

الرد على القدرية وتكفير الغلاة

يستعرض المقطع باب الرد على القدرية محذراً من الخوض في القدر لكونه سراً إلهياً، ومؤكداً وجوب الإيمان بقضائه خيره وشره. وينقل إجماع الصحابة والتابعين على تكفير القدرية الغلاة والنهي عن مجالستهم مع بيان الفرق بين الإرادتين الكونية والشرعية.

مذهب أهل السنة في القدر والرد على المعتزلة

يقرر المقطع أن الطاعة والمعصية تقعان بمشيئة الله وقدره، وأن الله خالق أفعال العباد والطاعة بتوفيق منه. ويستعرض حجة السني على المعتزلي بأن الله يفعل في ملكه ما يشاء والعبد مختار غير مجبور، مختتماً بمصير الكفار في النار.

خلق آدم وإبليس والفرق بين الإرادتين

يشرح المقطع خلق آدم وذريته وتقسيمهم إلى فريقين، وخلق إبليس وامتناعه عن السجود مع علم الله المسبق وإقامته الحجة عليه. كما يوضح الفرق بين الإرادة الكونية القدرية الحتمية والإرادة الشرعية، مؤكداً أن أكل آدم من الشجرة كان بمشيئة الله وحكمته.

الخاتمة والدعاء الختامي

يختتم المتحدث حديثه بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. ثم يتوجه بالشكر للحضور على حسن الاستماع والمتابعة.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا نستعرض كتاب الشريعة للإمام الكبير أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله تعالى، المتوفى سنة ستين وثلاثمائة للهجرة، ونحن اليوم في الجزء الرابع من الكتاب حسب المخطوطة. قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وعليه توكلت. باب الرد على القدرية. والقدرية فرقة ظهر أوائلهم في زمن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنكر عليهم ابن عمر رضي الله عنه، وهم الغلاة الذين أنكروا علم الله السابق، وهؤلاء كفار بإجماع العلماء كما سيأتي. قال: باب الرد على القدرية. قال محمد بن الحسين: حسبي الله وكفى، ونعم الوكيل. والحمد لله أهل الحمد والثناء، والعزة والبقاء، والعظمة والكبرياء. أحمده على تواتر نعمه وقديم إحسانه وقسمه، حمد من يعلم أن مولاه الكريم يحب الحمد، فله الحمد على كل حال. وصلواته على البشير النذير، السراج المنير، سيد الأولين والآخرين، ذلك محمد الرسول رب العالمين، وعلى آله الطيبين، وعلى أصحابه المنتخبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين. أما بعد، فإن سأل سائل عن مذهبنا في القدر، أي مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب أهل الحديث، فالجواب في ذلك قبل أن نخبره بمذهبنا: أننا ننصح السائل ونعلمه أنه لا يحسن بالمسلمين التنقير والبحث عن القدر، لأن القدر سر من أسرار الله. في حديث ولكنه لا يثبت، والمعنى صحيح: «القدر سر من أسرار الله» يروى حديثا مرفوعا لكنه لا يثبت في إسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم. يقول رحمه الله: والجواب في ذلك قبل أن نخبره بمذهبنا أننا ننصح السائل ونعلمه أنه لا يحسن بالمسلمين التنقير والبحث عن القدر، لأن القدر سر من أسرار الله. بل الإيمان بما جرت به المقادير من خير أو شر واجب على العباد أن يؤمنوا به. ثم لا يأمن العبد أن يبحث عن القدر فيكذب بمقادير الله الجارية على العباد فيضل عن طريق الحق. قال صلى الله عليه وسلم: «ما هلكت أمة قط إلا بالشرك بالله، وما أشركت أمة حتى يكون بدو أمرها وشركها التكذيب بالقدر». هذا أيضا لا يثبت إسناده، لكن هذه الفتنة، فتنة الخوض في أفعال الله عز وجل، سبب عظيم للضلال المبين في أبواب القدر وما يتبعها، كما قال ابن تيمية رحمه الله في قصيدته العصماء التي كتبها في جلسة طوى قدمه، فما أرسلها إلا وقد نظم ذلك الرد في تائيته العظيمة التي يقول فيها: «وأصل ضلال الخلق من كل فرقة هو الخوض في فعل الإله بعلة، فإنهم لم يفهموا حكمة له فكانوا على نوع من الجاهلية». وسيأتي الكلام على هذه التائية إن شاء الله. قال محمد بن الحسين رحمه الله: ولولا أن الصحابة لما بلغهم عن قوم ضلال شردوا عن طريق الحق وكذبوا بالقدر، فردوا عليهم قولهم وسبوهم وكفروهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان سبوا من تكلم في القدر وكذب به ولعنوهم ونهوا عن مجالستهم، وكذلك أئمة المسلمين ينهون عن مجالسة القدرية وعن مناظرتهم، وبينوا للمسلمين قبيح مذاهبهم. فلولا أن هؤلاء ردوا على القدرية لم يسع من بعدهم الكلام في القدر، يعني أن الرد على هؤلاء المبطلين من القدرية وأمثالهم قد فعله خيار هذه الأمة من الصحابة ثم من بعدهم من التابعين، فكان الرد عليهم جائزا مسوغا ممدوحا، لأن من سبقون إليه هم خيار الأمة وأحاسن الأئمة، رحمهم الله تعالى جميعا وغفر لهم. قال رحمه الله تعالى: فلولا أن هؤلاء ردوا على القدرية لم يسع من بعدهم الكلام في القدر. بل الإيمان في القدر خيره وشره واجب، سواء كان المقضي شرًا كالمصائب والمعائب وأنواع البلاء، فهذا فيه شر في ظاهره ولكنه قضاه الله عز وجل وقدره، فنحن نؤمن بالقضاء والقدر سواء كان خيرًا علينا أم كان ظاهره شرًا فينا. بل الإيمان في القدر خيره وشره واجب، قضاء وقدر. وما قدر يكن، هذه هي المشيئة وهي الإرادة الكونية وهو القدر. ما قدر فهو كائن سواء كان مما يحبه الله أو مما يبغضه الله، فالله قد قدر كفر أبي لهب كونًا وعلم أنه يختار الكفر، والله يحب للناس أن يؤمنوا، تلك الإرادة الكونية وهذه الإرادة الشرعية. وما قدر يكن أن يوجد ويحصل، فكان هنا تامة، وما لم يقدر لم يكن. وإذا عمل العبد بطاعة الله تعالى علم أنها بتوفيق منه له، إذا صليت وعملت بطاعة الله عز وجل فهذا من توفيق الله لك ومن جزيل إعانته عليه. نحن الآن نجلس هذا المجلس فنستعرض هذا الكتاب، قدر الله ذلك قدرا وشرعا أن نجلس ونقرأ هذا الكتاب الذي بيننا وبين وفاة مؤلفه ما يزيد على ألف وثمانين سنة، رحمه الله وغفر له، نقرأه في هذا المكان، أعاننا الله على ذلك ويسر الأسباب ويسر القوة ويسر ما لم يسره لغيرنا. حينما نقرأ مثل هذه الكتب العظيمة التي لا يستغني طالب علم عن قراءتها. يقول رحمه الله: علم أنها بتوفيق منه له، فيشكره على ذلك. فنحن نحمد الله على جزيل عطائه وعظيم نعمائه ونسأله المزيد من فضله. وإذا عمل بمعصية ندم على ذلك وعلم أنها بمقدر جرى عليه، فذم نفسه واستغفر الله تعالى. هذا مذهب المسلمين، وليس لأحد على الله تعالى حجة، بل لله الحجة على خلقه. قال الله تعالى: ﴿ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾. حاصل هذا تقرير مسألة مهمة، وهي أن الطاعة والمعصية حصولهما ووقوعهما بقدر الله عز وجل، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فالطاعة إذا وقعت وجرت وحصل فالله هو الذي شاءها وأرادها، والمعاصي إذا وقعت فالله قدرها وشاءها سبحانه وتعالى. هذا معتقد أهل السنة والجماعة، وليس المخلوق هو الذي خلق أفعاله وأعماله كما يقول المعتزلة، وإنما الله خالق كل شيء، كل شيء من الأقوال والأفعال والأعيان، الله جل جلاله هو الذي خلقه وأوجده. قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ أي ﴿ وَخَلَقَ مَا تَعْمَلُونَ ﴾ سواء من خير أو شر. ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾. وهذا ليس فيه ظلم إلا عند الجاهل، وذلك أن الله علم أن فلانا يعصي الله عز وجل وتتيسر له سبل الهداية فلا يهتدي، يعرض عن طرق الخير ولا يسلك إلا طرق الشر، علم الله ذلك وعلم سبحانه أنه يقع فيما سعى إليه، عياذا بالله، قدر الله ذلك عليه وعلم ذلك كونًا. ذكرنا فيما سبق المناظرة التي جرت بين بعض أهل العلم وبين عبد الجبار، فقال هذا المعتزلي: «سبحان من تنزه عن الفحشاء». فقال هذا العالم رادًا عليه لأنه فهم مقصوده: «سبحان من تنزه عن الفحشاء»، يعني أن يقر أن يخلق معاصي العباد. فقال هذا السني مجيبًا: «سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء». فقال هذا المعتزلي عبد الجبار: «أيريد ربنا أن يُعصى؟» فقال هذا العالم: «أيعصى ربنا قهرة؟» قال المعتزلي: «أرأيت إن منعني الهدى وأورثني الردى أحسن إلي أم أساء؟» قال السني: «إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فالله يفعل في ملكه ما يشاء». هذا معتقد أهل السنة والجماعة في هذا الباب. قال: هذا مذهب المسلمين، وليس لأحد على الله تعالى حجة، بل لله الحجة على خلقه لأنه هداهم وبين لهم الحجج والبينات. قال تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾. هو الذي اختار، فليس مجبورًا على أفعاله، هو الذي اختار الكفر على الإيمان، فقدر الله عليه ما اختاره. ولهذا من عظيم علم الله أن الكفار وهم في النار يقولون: ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون. هكذا يقولون وهم في النار، بين الله عز وجل أنهم كاذبون، وأنهم إن أخرجوا من النار وعادوا إلى الحياة الدنيا لعادوا لما نهوا عنه، وأنهم كاذبون في كلامهم. هذا علم الله الواسع، فهو يعلم ما تصنع وما ستصنع، سبحانه علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، هذا من علم الله الواسع سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾. قال رحمه الله تعالى: ثم أعلموا رحمنا الله وإياكم أن مذهبنا في القدر أننا نقول: إن الله تعالى خلق الجنة وخلق النار، وخلق لكل واحدة منهما أهلا، وأقسم بعزته أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين. ثم خلق آدم عليه السلام واستخرج من ظهره كل ذرية وخالقها إلى يوم القيامة، ثم جعلهم فريقين: فريقا في الجنة باختيارهم وما أرادوه وما فعلوه، فالله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون. فريقا في الجنة وفريقا في السعير. وخلق إبليس وأمره بالسجود لآدم، وقد علم أنه لا يسجد للمقدور. الله علم قبل أن يأمر إبليس بما أمره به من السجود لآدم أن إبليس لا يسجد إذا أمر، ولكن الله يقيم عليه الحجة حتى إذا عذبه عذبه بذنب عمله ولا يظلم ربك أحد. قال رحمه الله: وخلق إبليس وأمره بالسجود لآدم، وقد علم أنه لا يسجد للمقدور الذي قد جرى عليه من الشقوة التي سبقت في العلم من الله تعالى، من الله عليه لا معارض لله في حكمه، يفعل في خلقه ما يريد، عدلا من ربنا في قضائه وقدره. وخلق آدم وحواء عليهما السلام للأرض، خلقهما أسكنهما الجنة، هذا في أول الأمر، اختلفوا هل كانا في السماء أم في جنة في الأرض، وأكثر المفسرين والعلماء على أنهما كانا في جنة السماء عليهما السلام. ثم قال الله: ﴿ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ﴾ أي إلى الأرض. قال رحمه الله تعالى: يفعل في خلقه ما يريد، عدلا من ربنا في قضائه وقدره. وخلق آدم وحواء عليهما السلام للأرض، خلقهما أسكنهما الجنة، وأمرهما أن يأكل منها رغدا ما شاء، ونهاهما عن شجرة واحدة أن يقرباها، وقد جرى مقدوره أنهما سيعصيانه. سبحان الله، الله يعلم كل ذلك سبحانه وتعالى، لا تخفى عليه خافية. وقد جرى مقدوره أنهما سيعصيانه بأكلهما من الشجرة، فهو تبارك وتعالى في الظاهر ينهاهما، هذا في الإرادة الشرعية ينهاهما باعتبار الإرادة الشرعية، وفي الباطن من علمه قد قدر عليهما أنهما يأكلان منها، هذا في الإرادة الكونية. فالإرادة نوعان: إرادة كونية قدرية وهي المشيئة عند أكثر أهل العلم، وإرادة شرعية وهي ما يحبه الله ويرضاه من الأوامر والنواهي ونحوها. والإرادة الكونية تقع ولا بد، والإرادة الشرعية قد تقع وقد لا تقع، فإن وقعت فقد اجتمعت الإرادتان، وإن لم تقع انفردت الإرادة الشرعية. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهو من أغمض الأبواب، ضلت فيه عقول وأفهام، ووفق الله عز وجل له من شاء من عباده سبحانه وتعالى. حتى إن ابن الوزير محمد بن إبراهيم عاش في بلد صنعاء، والجو جو اعتزال، درس كتب المعتزلة، ومعلوم عقيدة المعتزلة في باب القضاء والقدر وأنهم يرون أن المعاصي ليست من خلق الله، فجعلوا لله خلقا، فجعلوا خالقين مع الله، خالقا للخير وخالقا للشر، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. ومع هذا في كتابه العواصم والقواصم في الذب عن سنته بالقاسم، قرأ موقف ابن تيمية وبحوثه فذكرها ولخصها واستفاد جد الاستفادة من كتاب التدمرية، ولخص كثيرا من مطالبه في ذلك الكتاب، فالله يهدي من يشاء، وإن عاشوا في بؤر الضلال يهدي الله من خلقه من يشاء. فينبغي للمسلم أن يسأل الله الهداية، ويسأل الله أن يبصره بالحق، وأن يريه الحق حقا ويرزقه اتباعه، ويريه الباطل باطلا ويرزقه اجتنابه. قال: وقد جرى مقدوره أنهما سيعصيانه بأكلهما من الشجرة، فهو تبارك وتعالى في الظاهر ينهاهما، وفي الباطن من علمه قد قدر عليهما أنهما يأكلان منها. ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾. لم يكن لهما بد من أكلهما، سببًا للمعصية وسببًا لخروجهما من الجنة، إذ كانا للأرض خلقا. هذا من أسرار حكمة الله، وأنه سيغفر لهما بعد المعصية، كل ذلك سابق في علمه، لا يجوز أن يكون شيء يحدث في جميع خلقه إلا وقد جرى مقدوره به وأحاط به علم قبل كونه. أنه سيكون خلق الخلق كما شاء لما شاء، هذه كلمة عظيمة: خلق الخلق كما شاء لما شاء سبحانه. فعلى هذا لا ينبغي الاعتراض على قدر الله في المصائب حين يبتلى بها الناس، فجعلهم شقيًا وسعيدًا قبل أن يخرجهم إلى الدنيا وهم في بطون أمهاتهم، وكتب آجالهم وكتب أرزاقهم وكتب أعمالهم، ثم أخرجهم إلى الدنيا، وكل إنسان يسعى فيما كتب له وعليه. طيب، لعلنا نقف هنا ونقرأ بعد الصلاة بقية الباب. هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكرا لكم