الدرس في كتاب الصيام 27، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المقطع حديث «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» مبيناً أن المراد به الصيام الواجب، ثم يفصل في خلاف العلماء حول شموله لصوم رمضان والنذر أو اختصاصه بالنذر فقط. ويرجح المقطع مذهب الإمام أحمد وأبي داود القائلين باختصاص القضاء بصوم النذر دون صوم رمضان استدلالاً بحديث المرأة التي سألت عن نذر أمها.
يبيّن المقطع خلاف العلماء في أصل جواز صيام الولي عن الميت، فذهب الجمهور إلى عدم الجواز في النذر والواجب، بينما أجازه أهل الحديث لعموم الحديث ورأوا انتفاع الميت به. كما يفصل الخلاف في درجة الحكم؛ فذهب الجمهور إلى الاستحباب، ورأت الظاهرية الوجوب.
يحدد المقطع شروط قضاء صيام الواجب عن الميت بأنه يكون ديناً في ذمته كمن أفطر لعذر ثم زال ولم يقضِ، مبيناً سقوط القضاء عمن استمر عذره أو أفطر بغير عذر. ويؤكد استحباب صيام الولي عنه جوازاً وإجزاءً، ويجوز الإطعام بديلاً إذا امتنع الأولياء عن الصيام.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام مسلم الحجاج، أبو الحسين السابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: قال: وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، وهو أبو جعفر الأيلي، ثقة فاضل كما قال الحافظ. قال: وأحمد بن عيسى هو أبو عبد الله المصري العسكري. قال: حدثنا ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب المصري. قال: أخبرنا عمر بن الحارث، وهو أبو أمية الأنصاري، ثقة فقيه حافظ. قال: عن عبيد الله بن أبي جعفر، وهو أبو بكر المصري القرشي، وهو ثقة. عن محمد بن جعفر بن الزبير، محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام القرشي، وهو ثقة. عن عروة، وهو ابن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». في هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من مات وعليه صيام، أي صوم واجب. من مات وعليه صيام صام عنه وليه. "صام" هنا خبر بمعنى الأمر، أي ليصم، ليصم عنه وليه. والخبر قد يأتي ويراد به الأمر، مثل قول الله جل وعلا: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، "يرضعن" أي ليرضعن. وهكذا أيضًا "صام عنه" أي ليصم عنه وليه. أي قريبه، والمراد به الوارث، وارث هذا الميت، فإنه يصوم عن الميت. اختلف أهل العلم، اختلف أهل العلم في بعض المسائل المتعلقة بهذا الحديث، منها: ما هو الصوم؟ ما هو الصوم الذي يقضى عن الميت؟ هل هو كل صوم وجب عليه، سواء كان واجبًا بأصل الشرع كصيام رمضان، أو كان واجبًا عليه بالنذر، كأن ينذر صيام أيام أو يوم، صيام يوم أو أيام؟ فاختلف، فاختلف أهل العلم في ذلك. من أهل العلم من يقول: إنه لا يصام عن الميت إلا صوم النذر فقط، الذي هو واجب عليه بالنذر. وأما الصوم الذي يجب عليه بأصل الشرع كصيام رمضان، فإنه لا يقضى عنه. قالوا: وذلك للأحاديث التي وردت في سؤال النبي عليه الصلاة والسلام عن صيام النذر. سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن امرأة ماتت وعليها صوم نذر، أفتصوم عنها؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أرأيت لو كان على أمك دين؟» والسائلة هي ابنة الميتة. قال: «أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته عنها؟» قالت: نعم. قال: «فدين الله أحق أن يقضى». فدل هذا الحديث على أن الصوم الذي يصام عن الميت هو صوم النذر، لأنه لما نذر أن يصوم أصبح هذا الصوم واجبًا في ذمته، فلما مات قبل أن يصومه صار دينًا يجب قضاؤه، صار دينًا يجب قضاؤه. وأما الصوم الواجب بأصل الشرع، قالوا: هو لم يلزم نفسه بصيامه، وإنما ألزمه الشرع، لكنه قد مات، قد مات فهو معذور، فأبي عدم قضاء هذا الصوم. وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وبه قال أبو داود رحمه الله. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يصام عن الميت لا صوم النذر ولا صوم الواجب بأصل الشرع، لا هذا ولا هذا، لا يقضى عنه. وهذا قول جمهور أهل العلم، قول جمهور أهل العلم، وقول أبي حنيفة ومالك، ورواية عن الإمام الشافعي. واستدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وبأثر ابن عباس أنه قال: لا يصام أحد عن أحد، أو لا يصوم أحد عن أحد. وذهب جماعة آخرون إلى أنه يصام عن الميت الصوم الواجب بأصل الشرع والصوم الواجب بالنذر. وهذا مذهب جماعة من أهل الحديث، وهو الصحيح، لعموم هذا الحديث: «من مات وعليه صيام». و"صيام" نكرة في سياق الشرط، فتفيد العموم، أي أي صوم. "من مات وعليه صيام" يعم الصوم الواجب بأصل الشرع كقضاء رمضان، والصوم الذي ألزم الإنسان نفسه به بالنذر، فإنه يصام عنه. هذا القول هو الراجح. وأما الاستدلال بالآية وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، فيقال: نعم، هذا هو الأصل، هذا هو الأصل أن الميت لا ينتفع بعمل غيره إلا ما دل الشرع على أنه ينتفع به. ومن ذلك الصيام عنه، كما في هذا الحديث، كما في هذا الحديث، وحديث ابن عباس في صوم النذر عن الميت، فيدل هذا على أن الصوم مما ينتفع به الميت. كذلك إذا قال قائل: أليس ذكر سؤال النبي عليه الصلاة والسلام عن صوم النذر خاصة؟ ألا يكون هذا مخصصًا لعموم الحديث؟ ألا يكون هذا مخصصًا لعموم الحديث؟ الجواب: لا، لا يكون مخصصًا لعموم الحديث، لأن الصوم الواجب منه ما هو واجب بأصل الشرع كصيام رمضان، ومنه ما هو واجب بالنذر. فكون النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام النذر لا يدل هذا على أن الصوم الواجب بأصل الشرع لا يقضى عن الميت، لأن هذا نوع من أنواع الصيام. صوم النذر هو نوع من أنواع الصيام، فهو ذكر، ذكر لبعض أفراد العام، والقاعدة عند أهل الأصول أن ذكر بعض أفراد العام لا يفيد التخصيص، أن ذكر بعض أفراد العام لا يفيد التخصيص. وكذلك أيضًا: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». قلنا: "صام" هنا خبر بمعنى الأمر، أي ليصم عنه. اختلف أهل العلم في حكم صيام الولي عن الميت، هل هو واجب أو مستحب؟ فجمهور العلماء على أنه مستحب، جمهور العلماء على أنه مستحب. وذهب الظاهرية إلى الوجوب، قالوا: هذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب، فيجب على الولي أن يصوم عن الميت. أما جمهور العلماء فقالوا: هذا الأمر، إن كان الأصل فيه أنه للوجوب، لكن هو مصروف من الوجوب إلى الاستحباب بقول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ولا تزر وازرة وزر أخرى. فكون هذا الإنسان الذي ترك الصيام ومات ولم يصم، ما يتحمل وارثه أو الحي عنه هذا الواجب الذي فرط فيه، لكنه من باب الاستحباب. ليصم عنه، أي يستحب، يستحب أن يصوم عنه، يستحب أن يصوم عنه. وهذا، والصحيح الله أعلم، أن يستحب للولي أن يصوم عن ميته الذي مات ولم يصم عليه من الصيام الواجب. وهو أيضًا ترجيح الإمام الشافعي رحمه الله. والقول بالصيام عن الميت هي الرواية الأخرى عن الإمام الشافعي رحمه الله، وهي الصحيحة. والإمام الشافعي رحمه الله يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي. لهذا قال الإمام البيهقي: لو علم الإمام الشافعي بهذا الحديث لما خالفه ولقال به. نعم، فإذن يستحب للولي أن يصوم عن ميته، ويجوز أيضًا أن يصوم عنه غيره غير الوارث، لكن بإذن الورثة. يعني لو أحد أصدقاء الميت قال: أنا سأصوم عن هذا الميت، قالوا: لا بأس، فيجزئ أن يصوم عنه هذا الصيام الذي في ذمته. كذلك أيضًا: ما هو الصوم الذي يصام عن الميت؟ هل كل صوم، هل كل صوم وجب على الإنسان، أو يعني أفطره، كالصوم الواجب بأصل الشرع، كصيام رمضان؟ إنسان أفطر أيامًا من رمضان ثم مات، هل يصام عنه مطلقًا أو في هذا تفصيل؟ الصحيح أنه فيه تفصيل. فمن أفطر أيامًا من رمضان لعذر، لعذر، أما إن كان من غير عذر، هذا لا يصام عنه، هذا لا يصام عنه مطلقًا، لأنه أفسد صيامه بغير عذر شرعي، فلا ينفعه القضاء. وأما من أفطر لعذر كمرض أو سفر، فينظر: إذا كان العذر مستمرًا ولم يرفع عنه، مثلا: أفطر بسبب المرض واستمر به المرض إلى أن مات، استمر به المرض إلى أن مات. صام مثلا نصف رمضان، النصف الثاني مرض، أفطر واستمر به المرض إلى شوال، فمات في شوال قبل أن يشفى من هذا المرض. هذا هل يصام عنه؟ الجواب: لا، هذا ما يصام عنه، ولا يطعم عنه في قول جمهور أهل العلم. لماذا؟ لأن الصوم لم يجب عليه، هو معذور بالمرض، والمريض لا يجب عليه الصيام، إذن لم يجب عليه الصوم حتى يكون الصوم دينًا في ذمته. فحينئذ هذا لا يصام عنه ولا يطعم عنه. النوع الثاني: من أفطر لعذر ثم زال العذر ولم يقضِ. إنسان مرض أو سافر في رمضان، ثم زال هذا العذر، أصبح مقيمًا أو شُفي من هذا المرض، ولم يقضِ ما عليه من الصيام، ثم مات. فهذا يصام عنه، هذا الذي يصام عنه، لأنه أصبح هذا الصوم دينًا في ذمته، أصبح دينًا في ذمته، فيصام عنه. فإن لم يصم عنه أحد، فلا بأس أن يطعم، لا بأس أن يطعم عنه بدل الصيام الذي ينبغي، والمستحب والأفضل أن يصام عنه لهذا الحديث. لكن لو أن الأولياء قالوا: ما سنصوم، هل يجوز لنا أن نطعم؟ يقال: لا بأس لكم أن تطعموا عنه بدل الصيام. قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». هذه بعض الأحكام المتعلقة بهذا الحديث، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. شكرًا.