الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 22، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح معتقد أهل السنة في القدر بأن الله خلق الخلق بعلمه السابق ومشيئته النافذة، فهدى من شاء وأضل من شاء بعدل وحكمة، مع إضافة الأعمال إلى العباد وهم مخلوقون له. ويبين أن الاستدلال على ذلك يتم بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين.
يستعرض آيات قرآنية تبين أن الله يطبع على قلوب الكافرين ويسد أسماعهم ويغشي أبصارهم جزاء لكفرهم ونقضهم العهود وقتلهم الأنبياء وإعراضهم عن الهدى. ويؤكد أن هذا الختم نتيجة لأعمالهم السيئة لا لجبر إلهي، مستدلاً بقول عمر بن عبد العزيز في الرد على القدرية.
يعرض آيات تدل على أن الله يختم على قلوب من يشاء ويطبع عليها فلا يؤمنون، مبيناً أن ذلك بحكمة بالغة لا يعترض عليها. ويشير إلى أن الهداية فضل من الله يمنحه من يشاء لا بمنة من العبد، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾.
يختتم المتحدث بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ثم يوجه الشكر للمشاهدين على متابعتهم. ويعبر عن الامتنان والدعاء بالتوفيق للجميع.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في كتاب الشريعة للإمام الكبير أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: ثم بعث رسوله وأنزل عليهم وحيه، وأمرهم بالبلاغ لخلقه، فبلغوا رسالات ربهم ونصحوا قومهم، فمن جرى في مقدور الله تعالى أن يؤمن آمن، ومن جرى في مقدور الله أن يكفر كفر. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. أحب من أراد من عباده فشرح صدره للإسلام والإيمان، وما خلق آخرين فختم على قلوبهم، نسأل الله السلام والعافية، فختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، فلن يهتدوا إذا أبداً. يضل من يشاء ويهدي من يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. الخلق كلهم له، يفعل في خلقه ما يريد، غير ظالم لهم، جل ذكره عن أن ينسب ربنا إلى الظلم، إنما يظلم من يأخذ ما ليس له بملك، وأما ربنا تعالى فله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وله الدنيا والآخرة، جل ذكره وتقدست أسماؤه. أحب الطاعة من عباده وأمر بها، فجرت ممن أطاعه بتوفيقه لهم، ونهى عن المعاصي وأراد كونها من غير محبة منه لها ولا أمر بها، تعالى الله عز وجل عن أن يأمر بالفحشاء أو يحبها، وجل الله تعالى ربنا من أن يجري في ملكه ما لم يرد أن يجري أو شيء لم يحط به علمه قبل كونه. قد علم الخلق عاملين قبل أن يخلقهم، وبعد أن خلقهم، قبل أن يعملوا قضاءً وقدراً، قد جرى القلم بأمر الله تعالى في اللوح المحفوظ بما يكون من بر أو فجور، يثني على من عمل بطاعته من عبيده، ويضيف العمل إلى العباد، ويعدهم عليه الجزاء العظيم، ولولا توفيقه لهم ما عملوا ما استوجبوا به منه الجزاء، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وكذا ذم قوماً عملوا بمعصيته، وتوعدهم على العمل بها النار، وأضاف العمل إليهم بما عملوا، وذلك بمقدور جرى عليهم، يضل من يشاء ويهدي من يشاء. قال محمد بن الحسين: هذا مذهبنا في القدر الذي سأل عنه السائل، فإن قال قائل: ما الحجة فيما قلت؟ تضمن هذا الجواب إثبات علم الله السابق، وإثبات الخلق، وتضمن أيضاً إثبات المشيئة لله عز وجل، فالله عز وجل خلق الخلق وهو يعلم ما عملوا وما يعملون وما سيعملون، سبحانه أحاط بكل شيء علماً. قال رحمه الله تعالى: قال محمد بن الحسين رحمه الله: هذا مذهبنا في القدر الذي سأل عنه السائل، فإن قال قائل: ما الحجة فيما قلت؟ قيل له: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسنة أصحابه رضي الله عنهم، والتابعين لهم بإحسان، وقول أئمة المسلمين، هذا منهج السلف، استدلال بالكتاب، والاستدلال بالسنة، والاستدلال بآثار الصحابة، وآثار التابعين لهم، وأقوال الأئمة المهتدين. فإن قال: فاذكر من ذلك ما نزداد به علماً ويقيناً، قيل له: نعم، إن شاء الله، والله الموفق لكل رشد والمعين عليه بمنه سبحانه بمنه. قال رحمه الله تعالى: باب ذكر ما أخبر الله تعالى أنه يختم على قلوب من أراد من عباده فلا يهتدون إلى الحق ولا يسمعونه ولا يبصرونه لأنه مقتهم فطبع على قلوبهم. قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقال تعالى في سورة النساء: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾، شاهد في الأولى أن الله ختم على قلوبهم وعلم أنهم لا ينفعهم النذار، لا تنفعهم النذار، وأنهم من أهوائهم لا يبصرون الحق، فختم على قلوبهم بما هم له عاملون. وقال تعالى في سورة النساء: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ * بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، أي بسبب كفرهم، فلا يؤمنون إلا قليل، فثبت أن الله طبع على تلك القلوب لسوء أعمال أصحابها. وقال تعالى في سورة المائدة: يتدرج في دلالات القرآن من أوله إلى آخره. وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾. وقال تعالى في هذه السورة: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقال تعالى في سورة النحل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. وقال تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ الآية. وقال تعالى في سورة الكهف: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾. وقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. وقال تعالى في سورة ياسين: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. استدل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بهذه الآيات للرد على بعض القدرية، فزعم أنه تاب وأناب ثم عاد مرة أخرى، فقتله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. «لقد حق القول»، قال: أما قرأت سورة ياسين؟ قال: نعم، قال: أما قرأت قول الله فيها: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَعُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: والله يا أمير المؤمنين، لكأني ما سمعتها إلا الآن، ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، قضاء كوني، علم الله أنهم لا يؤمنون، وأنهم سبيل الكفر يسلكون، فطبع على قلوبهم. وقال الله تعالى في سورة الجاثية: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. قال تعالى في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾. وقال تعالى في سورة المنافقين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. قال محمد بن الحسين رحمه الله: جميع ما تلوته من هذه الآيات يدل العقلاء على أن الله تعالى ختم على قلوب قوم وطبع عليها، ولم يردها لعبادته، وأرادها لمعصيته، فأعماها عن الحق فلم تبصره، وأصمها عن الحق فلم تسمعه، وأخزاها ولم يطهرها، يفعل بخلقه ما يريد، لا يجوز لقائل أن يقول: لما فعل بهم ذلك؟ فمن قال ذلك فقد عارض الله بفعله، وضل عن طريق الحق، ثم اختص لأن الله حكيم عليم، يعلم ما لا تعلم، وهو حكيم يضع الأمور في مواضعها، ولكن الناس لا يدركون حكمة الله عز وجل. قال رحمه الله: ثم اختص من عباده من أحب فشرح قلوبهم للإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون، فضلاً من الله ونعمة، والله عليم حكيم. قال محمد بن الحسين: اعقلوا يا مسلمين ما يخاطبكم الله به، يعلمكم أني مالك للعباد، أختص منهم من أريد، فأطهر قلبه، وأشرح صدره، وأزين له طاعتي، وأكره إليه معصيتي، طيب. قال محمد بن الحسين: اعقلوا يا مسلمين ما يخاطبكم الله به، يعلمكم أني مالك للعباد، أختص منهم من أريد، فأطهر قلبه، وأشرح صدره، وأزين له طاعتي، وأكره إليه معصيتي، لا ليد تقدمت منه إلي، أنا الغني عن عبادي وهم الفقراء إلي، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، والمنة لله تعالى على من هدى للإيمان. ألم تسمعوا رحمكم الله إلى قول مولاكم الكريم حين منّوا بإسلامهم على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. لا يزال يسرد الأدلة من القرآن الكريم، يتتبع القرآن ليبين هذه المسائل العظام، ثم سيذكر أدلة السنة، رحمه الله تعالى. فنسأل الله جل جلاله أن يرحم أبا بكر الآجري الإمام رحمه الله، وسائر علمائنا الأولين، وأن يفقهنا في كلامهم، وينفعنا بعلومهم، وأن يجزيهم عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يعيننا على رضاه، ويرزقنا تقاه. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه يسلم. شكراً للمشاهدة، شكراً للمشاهدة، شكراً للمشاهدة، جيداً للمشاهدة.