باب الآنية 2

الدرس في باب الآنية 2، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

أحكام الآنية وأصل الإباحة مع تحريم آنية الذهب والفضة

الأصل في الآنية الإباحة والطهارة ما لم يقم دليل على التحريم، وقد أجمع العلماء على جواز التطهر من جميع الأواني إلا آنية الذهب والفضة فهي محرمة للاستعمال في الأكل والشرب وسائر المنافع. يستثنى من ذلك جواز زينة الذهب للنساء، ويجوز للرجل التختم بخاتم الفضة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.

أحكام تحلي الرجال بالفضة والجواهر ولباس المكلل باللؤلؤ

يحرم على الرجال لبس قلائد الفضة وأقراطها وأساورها لتشبههم بالنساء، ولعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهين. أما آنية الجواهر كالياقوت واللؤلؤ والزبرجد فجائزة للاستعمال، واختلف العلماء في لباس الرجل ثوباً مكللاً باللؤلؤ والجواهر، والراجح المنع لعلة أن هذه الزينة للكفار في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة.

أحكام تحريم الذهب والحرير والفرق بين تحريم المقاصد والوسائل

يفصل المقطع في أحكام لبس الحرير والذهب والفضة، مبيناً الفرق بين ما حرم لذاته (تحريم المقاصد) ولا يباح إلا للضرورة، وما حرم سداً للذريعة (تحريم الوسائل) فيباح للحاجة. ويستعرض تطبيقات ذلك في جواز استعمال الذهب والفضة للضرورة الطبية كأنف أو أسنان، وللحاجة كمرود الكحل للنساء، وضوابط التحلية بالذهب والفضة في أواني الطعام، مقيساً على ذلك جواز التصوير للحاجة كالبطاقات والجوازات.

ضابط الحاجة في جبر الكسور والالتزام بقدره

يبيّن المقطع أن ضابط الحاجة هو ما يساوي كسر العظم أو يشفي الشق، فيُجبر بقدر الحاجة لا زيادة عليه. ويختم الدرس بالدعاء بالفقه في الدين والتوفيق للطاعة، مع شكر الحضور واستئناف الموضوع غداً.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. لازمنا في باب الآنية: تقدم الكلام على مناسبة ذكر هذا الباب في كتاب الطهارة عند الشافعية وعند الحنابلة، وأنهم نظروا إلى أن الأواني يختلف حكمها طهارةً ونجاسةً، كما في الجلد المدبوغ إذا كان ميتاً ودبغ عند الحنابلة، أو كان محرم الاستعمال ك الذهب أو الفضة، أو لكون الآنية ظرفاً للماء، فناسب ذكرها بعد ذكر أحكام المياه وطهارتها ونجاستها. تقدم الكلام على أن الأصل في الأشياء الإباحة، يباح منها طاهر من خشب، أي إناء طاهراً مصنوعاً من الخشب أو غيره، قدمنا كالنحاس مثلاً، أو كالحديد، أو كالرصاص، أو كالجلود، أو نحوه، وأدلة ذلك كثيرة. وأن الأصل في باب الآنية الحل، الأصل في باب الآنية الحل. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. فالأصل أن من حرم شيئاً أو حلله أن نطالبه بالدليل على تحريمه أو على تحليله، وما لم يكن عندنا دليل على حرمته أو على حله من الآنية ونحوها فالأصل فيها أنها حلال في استعمالها، حلال في التطهر بها، طاهرة، لا نحكم بنجاستها. هذا هو الأصل فيها. والنبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنه توضأ كما في الصحيحين من مخضب من حجار. مخضب هو نوع من أنواع الأواني نحت من حجر. ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مخضب من حجار، فصغر أن يبسط يده في الإناء فتطهر منه. يقول الراوي أنس رضي الله عنه: فتوضأ القوم كلهم. رضي الله عنه في الصحيحين أيضاً في كتاب الوضوء. وسيأتي معنا حديث عبد الله بن زيد وهو ثاني حديث في الوضوء من الأحاديث المعتمدة في الباب: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من تور من صفر، والتور هو الإناء، والصفر هو النحاس. فتوضأ من تور من صفر صلى الله عليه وسلم. وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ أيضاً من قدح أحراز، ووضع أسبوع يده عليه. قال الراوي وهو أنس أيضاً: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه صلى الله عليه وعلى الله وسلم. الماء ينبع من بين أصابعه صلى الله عليه وعلى الله وسلم. وفي الصحيحين أيضاً عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من شن معلم، والشن هو قربة الجلد. الشن هو قربة الجلد. توضأ منها صلى الله عليه وعلى الله عليه وسلم. وتقدم معنا أيضاً في باب المياه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مع ميمونة من قصعة فيها أثر العجين. والأدل على ذلك كثير جداً. يباح منها طاهر من خشب أو غيره: محاساً، خزفاً، حديداً، رصاصاً، جلوداً، أو أي مادة من المواد التي لم يثبت تحريمها. ونقل في هذه المسألة الإجماع، نقله ابن الصباغ من أئمة الشافعية في الشامل. نقل في هذه المسألة إجماع أهل العلم على الجواز، وتبعه الإمام أبو القاسم الرافعي رحمه الله، تبعه على ذلك نقل الإجماع على جواز التطهر من الأواني مطلقاً إلا ما خصه الدليل وهو الذهب أو الفضة. قال الناظم: يباح منها طاهر من خشب أو غيره لا فضة أو ذهـب. ثبت تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في الصحيحين في عدة أحاديث، تقدم ذكرها، ونقل الإجماع على عدم جواز وتحريم استعمال آنية الذهب أو آنية الفضة شرباً أو أكلاً. نقل فيها الإجماع، بل نقل الإجماع على منع استعمالها ولو في غير الأكل أيضاً. تقدم أن النووي نقل الإجماع، فالحقيقة أن فيها خلافاً لكنه خلاف قليل، الخلاف الذي فيها قليل. ولهذا جزم النووي بالإجماع في المسألة في تحريم الذهب والفضة. أحاديث ذكرنا منها حديث أم سلمة: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة، الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». أحاديث في هذا كثير. يقول الناظم رحمه الله: فيحرم استعماله كمرود. المرود هو الحديد أو الآلة التي يكحل بها العين تسمى مروداً، بكسر الميم لأنها اسم آلة، وكل أسماء الآلات تكون بكسر الميم إلا ما شذ وسمع. تقول: مروحة، لا تقول مروحة، تقول مروحة، تقول مطربة، وعدد، وهكذا. مرود على وزن مفعل ومفعلة، يقال مرود على وزن مفعل فهو اسم آلة التي يكحل بها. فيحرم استعماله كمرود. قد يقول قائل: الأحاديث إنما جاءت في الشرب والأكل. يقال: قال جماهير العلماء، ويدخل في معنى الأكل والشرب سائر أنواع الاستعمالات والمنافع، سائر أنواع الاستعمالات والمنافع. فلو استخدم ملعقة للأكل فهو كما لو أنه استخدم كأساً يشرب فيه من فضة أو من ذهب. الملعقة كذلك، الملعقة كذلك. كذلك المجمرة، المجمرة وهي الآلة التي يبخر بها تسمى مجمرة ومجمر للبخور. لو كانت من ذهب أو من فضة كذلك لا تجوز عند جماهير أهل العلم. عند جماهير أهل العلم لا فرق بين الشرب وغيره. الله عزّ الله وعلا حرم الربا، وتحريم الربا يشمل أكله ويشمل لبسه. والله جل وعلا حرم الربا في آيات سورة البقرة في آيات صريحة: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، ونهى عن أكل الربا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. لو لبسه، لو لبسه، هل لبسه كأكله؟ لو قال: أنا ما أكل الربا لكني ألبسه، لكني أركبه، لكني أنام عليه فراشاً، يقال: الحكم واحد في سائر المنافع. وإن كان النص ورد في الأكل، هذا الذي عليه جماهير أهل العلم، هذا الذي عليه جماهير أهل العلم في المسألة. والذهب يباح استعماله للنساء كما تقدم، هذا يستثنى: استعمال الذهب للنساء للزينة جائز. إنه حل لإناث أمتي، حرام على ذكورها. الحديث في إسناده ضعف ولكن له شواهد يحسن بها، فهو حل للإناث أي لباساً وتزيناً على وجه الزينة، على وجه الزينة. أما أن تتخذه إناءً تشرب فيه أو تأكل فيه أو نحو ذلك، نعود إلى أصل الحكم وهو التحريم، نعود إلى أصل الحكم وهو التحريم. كذلك أيضاً من المسائل المهمة: أن الرجل يجوز له التختم بخاتم الفضة، هذا جائز لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم، كان له خاتم كما بالصحيحين من فضة، نقشه: محمد، محمد رسول الله، محمد رسول الله، هكذا موجود في نقشه. فاتخذ الصحابة خواتيم من فضة، فيجوز للرجل أن يتختم بالفضة لهذا الحديث، وهذا الذي عليه أهل العلم لا يختلفون فيه، لا يختلفون فيه جوازه، لا يختلفون. لكن هل للرجل أن يتخذ سواراً من الفضة؟ هل للرجل أن يتخذ قرطاً في أذنه من الفضة؟ هل للرجل أن يتخذ قلادة في عنقه من الفضة؟ قياساً على خاتم الفضة؟ هذه المسألة يقول المحققون من أهل العلم: لا ينبغي أن يتمارى في تحريم ذلك لأنه من التشبه بالنساء. هذا من التشبه بالنساء، فلا يجوز أن يجعل على أذنه قرطاً من فضة، لنحن نسميها البزغة. لا يجوز لذلك السوار، السوار من فضة لا يجوز لأن هذا من زينة النساء. ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال. فهذا أصل خاص في هذه المسألة، فنقول: لا يجوز. وكما يقول المحققون من أهل العلم: لا ينبغي أن يتمارى في حكمه. يقول رحمه الله: فيحرم استعماله كمرود، لأن هذا من جنس الأكل والشرب. كذلك الملعقة، كذلك السكين مثلاً، شوكة، ونحو هذا، كل هذا مما لا يجوز استعماله، مما لا يجوز استعماله. قياساً أو أولى من القياس أن نقول: لأنه في معنى الأكل والشرب. أن القياس خارج النص لكننا لا نسلك هذا المسلك. سيأتي الكلام على هذا. نقول: في معنى النص، يدخل في عموم النص. حرم الأكل والشرب، فيدخل فيه ما في معنى الأكل والشرب. ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ أكلوا الربا، ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾. لو لم يأكلوها ولبسوها كان الحكم واحداً. لو لم يأكلوها فبعثروها وضيعوها كان الحكم واحداً. لو أنهم لم يأكلوها فشربوها كان الحكم واحداً. هذا الذي عليه المذاهب الأربعة في هذه المسائل، هذا الذي عليه المذاهب الأربعة في هذه المسائل. هذا تمهيد للخوض فيما نحن فيه. يقول الناظم رحمه الله: وجاز من زبرجد. تقدم الكلام على زبرجد وأنه نوع من الجواهر، نوع من الجواهر. الزبرجد نوع من الجواهر، فيجوز كل أنواع الجواهر، وإن كانت ثمينة، وإن كانت ثمينة فهي جائزة، لا تنكر، كالياقوت واللؤلؤ والأحجار الكريمة ونحوها. يقول الله جل جلاله: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾. فدلت الآية ﴿هُوَ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً﴾ على حل لحوم البحر، ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾. ظاهر الآية أن الحلية التي تستخرج من البحر جائزة الاستعمال لقوله بعد الأكل المباح: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾. فهذا نص على جواز لبس الحلية التي تستخرج من البحر، كمثل اللؤلؤ مثلاً. فاللؤلؤ والمرجان ونحوها من الجواهر، لأن الله امتن به على عباده: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾، هذا امتنان: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾. وجاز من زبرجد: يجوز استخدام آنية من زبرجد، لا مانع. آنية من ياقوت، لا مانع. آنية من لؤلؤ، لا مانع. بقيت مسألة: وهي لو أنه استخدم ثوباً من اللؤلؤ، ثوباً من اللؤلؤ. هذه مسألة مشهورة عند أهل العلم: هل يجوز للرجل أن يلبس ثوباً مكللاً باللؤلؤ والمرجان والجواهر؟ هل يجوز للرجل أن يلبس ثوباً مكللاً باللؤلؤ والمرجان وأنواع الجواهر لعدم ورود النهي عن ذلك؟ مسألة مشهورة عند أهل العلم، والذي يشير إليه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم إلى الجواز. لكن صنيع المذاهب الأربعة على المنع والتحريم، لحديث ابن عباس: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال». فهذا نص خاص في المسألة، ولبس الثوب حال كونه مكللاً باللؤلؤ إنما يعرف من لباس النساء لا من لباس الرجال. فمن هذا الوجه يقدم الحديث على ظاهر الآية: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾. يقدم الحديث على ظاهر الآية. يقول الحافظ ابن حجر في فتح الباري: واستدل به - يعني الحديث - على أنه يحرم على الرجال لبس الثوب المكلل باللؤلؤ، وهو واضح لورود علامات التحريم ولعن من فعل ذلك. وأما قول الشافعي: ولا أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا لأنه من زي النساء، فليس مخالفاً لذلك لأن مراده أنه لم يرد في النهي عنه بخصوصه شيء. انتهى كلام الحافظ. ومعنى هذا أنه يدخل فيه ولو لم يرد في خصوصه شيء، فعموم النص شامل له: «لعن رسول الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال». ومن لعنه رسول الله فإن الله يلعنه، كذلك كما قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. كذلك أيضاً: الله عز وجل بيّن في علة تحريم الذهب والفضة علة عظيمة، وهي: ﴿فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. فهذا يدل على أن كل ما كان في باب الحلي ونحوه مما يعمله الكفار، الكفار، فإننا نجتنبه، نجتنبه. وهكذا الذهب والفضة والحرير ونحوه يجتنب لذلك، خلافاً لظاهر قول ابن تيمية رحمه الله وابن القيم رحمهم الله، فقد أخطأ في تقرير هذا القول. والقول الراجح ما تقدم ذكره من المنع مطلقة. والآيات في هذا كثيرة. للعلامة، للعلامة البارع الشيخ محمد بن محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، توفي سنة ثلاثة وتسعين وثلاثمائة للهجرة بعد الألف، بحث نافع في هذه المسألة. العجيب أن ابن القيم في الزاد يقول: «ولم يصح في المنع من لباس الفضة والتحلي شيء البتة كما صح عنه في المنع من الشرب في آنيتهما، وباب الآنية وباب الآنية ليس مثل باب اللباس والتحلي، ولهذا يباح للنساء لباساً وحلية ما يحرم عليهن استعماله آنية، فلا يلزم من تحريم الآنية تحريم اللباس والحلية، فالمنع يحتاج إلى دليل يبينه إما بنص أو إجماع، فإن ثبت أحدهما أحدهما وإلا ففي القلب من تحريم ذلك على الرجال شيء». هكذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد. لكن هذا القول فيه نظر كما تقدم، فالأدلة جاء فيها تعليل الحكم بأنه من لباس الكفار في الدنيا، فنهانا عن لبسه حتى نلبسه في الآخرة: ﴿فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. فدلت هذه العلة، دلت على أن كل ما في معناها مما يختص أهل الكفر في الدنيا بلبسه والتزين به، فإننا نتركه، نتركه. استدل الشيخ محمد الأمين باستقراء آيات القرآن في ذلك. أولئك: قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾. والسندس والاستبرق والديباج. فمن لبس الذهب والحرير والديباج في الدنيا فإنه يمنع في الآخرة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾. وقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٍ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ في سورة فاطر. وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. فمن لبس الحرير أو الديباج أو اتكأ عليهم أو لبس أساور الفضة أو الذهب حرمها في الآخرة، لأن الله عز وجل قال: ﴿عَلَيْهِمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾، ﴿حُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. هذا في الآخرة، أما في الدنيا فلا يجوز. ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾. ﴿هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. وقد أجاد الشيخ رحمه الله في بيان هذه المسألة، رحمه الله، وهي من المسائل التي قد تشكل. فما حله الشرع حللناه، وما دخل في حلية النساء منعناه. فيحرم استعماله كمرود. لامرأة: وجاز من زبرجد. ينبغي أن يعلم أيضاً أنه إذا احتيج إلى استعمال الذهب والفضة جاز إجماعاً. كرجل يحتاج إلى أنف من ذهب. معلوم أنه لو اتخذ أنفا من غير مادة الذهب يتعفن، وجرب الناس أن الأنف الذي يكون من ذهب يكون يعني أقوى وأبعد عن النتن وأشبَه بخلقة ابن آدم، وأنفاً عليه، فهذا جائز إجماعاً لا يختلف فيه. كذلك شد الأسنان بالفضة، كان هذا موجوداً، وشدها بالذهب. إن احتيج إلى ربط الأسنان أو شدها أو ربط ما بينها بذهب أو فضة، هذا أيضاً لا يختلف العلماء في جوازه، لا يختلف العلماء في جوازه. وعندنا قاعدة من قواعد أصول الفقه ينبغي فهمها، وهي: أن المحرم على نوعين: محرم لذاته، فهذا محرم تحريم المقاصد. ومحرم باعتبار الوسائل، فهذا يجوز عند الحاجة. فالمحرم تحريم المقاصد لا يباح إلا عند الضرورة، كالخمر: هذا محرم تحريم المقاصد، بذاته محرم. كذلك مثلاً الميتة حرام بذاتها تحريم المقاصد. كذلك أكل لحم الخنزير حرام بذاته تحريم المقاصد، لكنه يجوز عند الضرورة، عند الضرورة يجوز. أما ما حرم تحريم الوسائل ك الذهب والفضة، حرم تحريم الوسائل، فيجوز عند الحاجة، عند الحاجة، وليس عند الضرورة. والحاجة: ما تتوقف عليه حاجة الناس، ما تتوقف عليه حاجة الناس يسمى حاجة، وإن لم يكن ضرورة. فرق بين الحاجة والضرورة. هذه قاعدة من أنفع قواعد أصول الفقه. فيجوز حينئذ مثلاً: امرأة تحتاج إلى مرود من فضة لجلاء عينها، وقالوا: إن مما ينفعك في جلاء عينك أن تستعملي مروداً من ذهب أو فضة. قلنا: هذا جائز لها. فيحرم استعماله كمرود. استثنينا الحاجة، لماذا؟ لأن هذه المرأة احتاجت إليه، فيجوز للحاجة، يجوز للحاجة، يجوز للحاجة. كذلك من احتاج مثلاً إلى شيء من الحرير لكونه عنده حكة، فقيل له: استخدم الحرير، جاز له استخدامه لأن تحريم الحرير تحريم وسائل، ليس تحريم مقاصد. استعمال الحرير تحريم وسائل، ليس تحريم مقاصد، فيجوز. هذه قاعدة من القواعد المهمة. ما حرم تحريم المقاصد لا يباح إلا بالضروة. قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. وأما ما حرم تحريم الوسائل كالذهب والحرير ولبسهما، فهذا محرم تحريم الوسائل، ليس لعين الذهب ولا لعين الفضة. ولهذا ثبت كما يقول ابن القيم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى له ملك أيلة ثوباً من حرير فلبسه ساعة ثم تركه. يقول ابن القيم: ثبت هذا. ويقول ابن القيم: لي كتاب مفرد في مسائل الحرير والذهب، هكذا قال رحمه الله وغفر لي. في إعلام الموقعين شاهد لما لبسه النبي صلى الله عليه وسلم. يقول ابن القيم: لبس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثوب الحرير الذي أهداه له ملك أيلة، مع أن النهي قد ثبت قبل، فإنه لبسه في السنة التاسعة للهجرة، والنهي كان قبل السنة التاسعة للهجرة، قبل السنة التاسعة للهجرة. لبسه ساعة لأجل تطييب خاطر هذا الملك وتأليف قلبه للدين، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه المصلحة راجحة. ولهذا يقول العلماء: ما حرم تحريم الوسائل مباح للمصلحة الراجحة. ما حرم تحريم الوسائل مباح للمصلحة الراجحة. هذه مسألة من القواعد المهمة. سمعت بعض الناس قديماً يعترض على قول أهل السنة بتحريم التصوير، ويقول: أنتم تتصورون لأجل العمرة ولأجل حج النافلة، وليس بضرورة أن تعتمروا، وليس بواجب أن تحجوا. هكذا قال، ولدى عين سميته معترضاً على فتوى أهل العلم، منهم شيخنا العلامة الزاهد أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي رحمه الله. وهذا غلط، هذا غلط، وذلك من هذه القاعدة. فالتصوير في مثل هذا الحال حرم تحريم الوسائل، فيباح بقدر الحاجة، يباح بقدر الحاجة. والحاجة: ما تعطلت به مصالح الناس. إنسان يحتاج إلى بطاقة هوية، يحتاج إلى جواز، يحتاج إلى صور من أجل العمرة مثلاً، لا مانع أن يتصور بقدر الحاجة، لا مانع أن يتصور بقدر الحاجة. كم صورة يحتاج لأجل أن تمشي حاجته ويقضى أمره؟ قالوا: نحتاج إلى أربع صور، الخامسة حرام، والسادسة حرام، والسابعة حرام، والعاشرة حرام. يباح أربع صور للحاجة، وهي ما تتوقف عليه حاجة الناس. يقول الناظم رحمه الله: فيحرم استعماله كمرود، لامرأة، وجاز من زبرجد. وتحرم الضبة من هذين بكبر عرفاً مع التزين. الضبة هي ما يسمى باللحام الذي يلحم به الإناء المكسور، هذه هي الضبة. وتحرم الضبة من هذين بكبر عرفاً مع التزين. هذا أقرب عندي: مع التزين، التزين أولى. وتحرم الضبة من هذين بكبر عرفاً مع التزين. هذا أولى، جعله بياء، أين هذا؟ أوفق للنظم، هذا أوفق للنظم. هذه المسألة هي: أنه يحرم استعمال ذهب وفضة بكبر عرفاً مع التزين. يعني إذا كانت الضبة كبيرة حتى إنها تصير كالزينة، فكأنه نقش ذلك الحلي أو كأنه حلاه، فغطى الإناء في أطرافه بالذهب كنوع تزين لذلك الإناء. فإذا ما سئل قال: إنما ضببته، أي جعلت فيه ضبة. لكن هذه الضبة ليست يسيرة، بل هي ضبة وتضبيب كبير، فيشبه ما لو كان جعل في الإناء زينة، فهذا يحرم، أي هذا يحرم. لكن إذا كانت الضبة يسيرة، إن كانت الضبة يسيرة فتجوز. ولهذا قال: إن فقد، أي فقدت كون الضبة كبيرة، هذا الوصف الأول، وفقد الوصف الثاني وهو قصد التزين. إن فقد، أي كون الضبة كبيرة أو كون المقصود زينة، هذا معنى كلامه رحمه الله تعالى. إن فقد حلت، أي جاز استعمال الضبة، جاز استعمال تلك الضبة إذا كان الموضع ليس كبيراً. والكبر والصغر يعرف بعرف الناس، فإذا رآه الناس قالوا: الله، هذا هذا كثير. هذا إن ضببته بضبة كبيرة بعرف الناس. العرف هاهنا حكم في الباب. والتزين: يقصد به الخيلاء، حتى إذا دخل الداخل ونظر يقول: ما شاء الله، يتفاخر بآنيته، فير الناس آنيته المضببة بالذهب والفضة. إن فقد، أي هذان الوصفان: الكبر، الكبر والتزين، حلت. وفرطاً يكره، أي كون الأمر خالصاً من ذهب أو فضة، فهذا لا يجوز، لا يجوز. والحاجة التي تساوي كسره، هذا ضابط الحاجة عند الفقهاء الشافعية. ضابط الحاجة هي التي تساوي كسره، أي التي يحتاج إليها في تضبيب ذلك الكسر وجبره، أو جبر ذلك الشق، التشعيب الذي حصل، فيجبر بقدرها، بقدر الحاجة. حاجة، إن شاء الله غداً ننتهي من هذا، هذا. ونسأل الله جل جلاله أن يفقهنا في دينه، ويوفقنا لطاعته، وهداه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكراً للمشاهدين.