باب الآنية 1

الدرس في باب الآنية 1، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

مناقشة طهارة أبوال الأنعام والانتقال إلى باب الآنية

يواصل الشارح تفصيل أقوال العلماء في طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه، مستعرضاً استدلال ابن المنذر بالأحاديث الصحيحة وعمل المسلمين ببيع أبوال الإبل، منتقداً تقليد المذهب على حساب السنة، ثم ينتقل إلى باب الآنية مبيناً الخلاف في إفراده وجمعه ومتابعه لكتاب الطهارة أو الأشربة، مستهلاً مسائل الأواني بحكم أواني الذهب والفضة والخشب وغيرها.

أصل الإباحة في الأواني وتحريم آنية الذهب والفضة

يقرر المقطع أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، فيباح استعمال كل إناء طاهر إلا ما دل الدليل على منعه، ويُستثنى آنية الذهب والفضة التي أجمعت الأمة على تحريم الأكل والشرب فيها وغير ذلك من الاستعمالات، مستدلين بأحاديث صحيحة صريحة في النهي والوعيد الشديد كحديث حذيفة وحديث أم سلمة: «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم».

حكم أواني الجواهر والأحجار الكريمة غير الذهب والفضة

يناقش المقطع خلاف العلماء في جواز استعمال الأواني المصنوعة من الياقوت والزبرجد واللؤلؤ وسائر الجواهر، حيث ذهب الجمهور إلى الجواز للأصل الإباحة وعدم الدليل على التحريم، بينما رأى بعض المالكية والشافعية التحريم للسرف وكسر قلوب الفقراء، والراجح عند المحققين الجواز لندرة هذه المواد وعدم معرفة العامة بها.

الصلاة على النبي وخاتمة الترجمة

يختتم المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في «صفوة الزبد فيما عليه المعتمد» للعلامة الزاهد أحمد بن الحسين بن رسلان، المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. كنا أمس في الكلام على مسألتين ختم بهما كتاب باب النجاسات، وهما: مسألة بول وروث ما لا يؤكل لحمه، ومسألة بول وروث ما يؤكل لحمه. وعلى ما تقدم يضاف أيضاً أن الإمام المجتهد الذي يعد من أئمة الشافعية أصحاب الوجوه، وهو أبو بكر بن المنذر، ينتصر بقوة للقول بطهارة بول وروث ما يؤكل لحمه. فيضاف هذا له بحث نفيس في هذه المسألة في كتابه النافع «الأوسط»، المجلد الثاني، الصفحة الخامسة والتسعين بعد المئة إلى التاسعة والتسعين بعد المئة. ونسب القول بطهارة بول وروث ما يؤكل لحمه إلى عطاء، والنخاعي، والثوري، والزهري في الإبل والغنم، ويحيى الأنصاري، والشعبي في بول التيس، وهو مقتضى قول الحسن وقتادة. قال ابن المنذر: «والأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم دالة على طهارة أبوال الإبل، ولا فرق بين أبوال الإبل وبين أبوال البقر والغنم». هكذا ينتصر للسنة، رحمه الله تعالى، ويقول: «إن الأخبار عن رسول الله صريحة في طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه». إلى أن قال بعد حديث العرنيين - وهذا يدل على حديث العرنيين، تقدم ذكره أمس - فيه قول: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما أمر أولئك الذين هم من عكل وعرينة أن يشربوا من أبوال الإبل ويستسقوا ويشربوا من ألبانها. الحديث تقدم ذكره أمس. يقول ابن المنذر معلقاً على الحديث: «وهذا يدل على طهارة أبوال الإبل، ولا فرق بين أبوالها وأبوال سائر الأنعام، ومع أن الأشياء على الطهارة حتى تثبت نجاسة شيء منها بكتاب أو سنة أو إجماع». ثم قال رحمه الله: «وظاهر خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب مستغنًى به عن كل قول». هذا كلام قوي جداً في المسألة، في رد قول الشافعية وغيرهم من الفقهاء القائلين بالنجاسة. يقول رحمه الله: «وظاهر خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب مستغنًى به عن كل قول». ثم قال: «أضاف حجة جديدة، وقال: واستعمال الخاصة والعامة أبوال الإبل في الأدوية، وبيع الناس ذلك في أسواقهم، وكذلك الأبعار تباع في الأسواق». هكذا يذكر رحمه الله أن الإبل كان يباع بولها في أسواق المسلمين، وابن المنذر متوفى سنة ثلاثمائة وأربعة وعشرين فيما أذكر، رحمه الله، فيقول: هذا كان موجوداً في الأسواق، بيع أبوال الإبل وبيع البعر، لعله يباع من أجل الأسمدة، البعر لعله فهو معروف أنه سماد جيد لكثير من الزرائع والمزارات. يقول رحمه الله تعالى: «وظاهر خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب مستغنًى به عن كل قول». هذا هو التجرد لله عز وجل الذي ينبغي أن يكون عليه الفقيه، لا ينبغي أن يكون الفقيه مقلداً يرد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل مذهب، أي كان ذلك المذهب. هذه الطريقة فيها خلل، وليست من طرائق أهل العلم. هذا الإمام محسوب على الشافعية، ولزال الشافعية يتغنون بأمثاله، وأنهم محسوبون في ضمن رجالات المذهب، حتى عدوه من أهل التخريج أو من أهل المجتهدين في المذهب، والصحيح أنه مجتهد اجتهاداً مطلقاً، رحمه الله تعالى. يقول رحمه الله تعالى: «من أصحاب الوجوه» - أقصد ليس أصحاب التخريج، عدوه من أصحاب الوجوه، تقدم في المقدمة الكلام على شيء من هذا. قال رحمه الله تعالى: «وظاهر خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب مستغنًى به عن كل قول»، إلى أن قال: «وكذلك الأبعار، وبيع الناس ذلك في أسواقهم، وكذلك الأبعار تباع في الأسواق، ومرابض الغنم يصلى فيها». يقول رحمه الله: «والسنن الثابتة دليل على طهارة ذلك، ولو كان بيع ذلك محرماً لأنكر ذلك أهل العلم، وفي ترك أهل العلم إنكار بيع ذلك في القديم والحديث». هكذا يقول رحمه الله: «وفي ترك أهل العلم إنكار بيع ذلك في القديم والحديث، واستعمال ذلك معتمدين فيها على السنة الثابتة، بيان لما ذكرناه». انتهى المراد من كلامه، كلامه طويل في الانتصار لهذا الأمر. ثم دخلنا في باب الآنية. باب الآنية: تقدم الكلام على أن هذا اللفظ جمع، والإمام النووي غلط من جعلها مفرد «آنية». هل هي مفرد أم جمع؟ بعض الفقهاء الشافعية كَالغزالي، وبعض الخرسانيين، يقولون: لفظ مفرد، وهو لفظ جمع استعملوه مفرداً، وهو جمع، مثل ما تقول: سوار وأسورة وأساور، بناء وأبنية ومبان، بناء وآنية وأوان. أصلها بهمزتين، لكنهم استثقلوا مجيء المد بعد المد، فقالوا: أوان. هكذا قال: مثل ما نقول آدمي وأوادم، نقول آدمي وأوادم، مع أن الأصل آآدم في الجمع، لكنهم استثقلوا مجيء حروف المد متوالية: آآدم، قالوا: أوادم. وهكذا أوان. نفس الباب، الله أعلم. تقدم أن الفقهاء في صنيعهم في باب الآنية يختلفون، فمنهم من يجعل هذا الباب تابعاً لكتاب الطهارة، ومنهم من يجعله تابعاً لكتاب الأشربة والأطعمة. تقدم الكلام على هذا، وأن الشافعية والحنابلة على أن باب الأواني تابع للطهارة لاستعماله في الوضوء والغسل من الجنابة والماء ونحو ذلك، فهو قريب المعنى من الطهارة. واختلافهم في جلود، في بعض الأواني وحلها، كعُنية الذهب والفضة، أو الجلود المدبوغة. في الحنابلة لا يرون جواز طهارة، لا يرون طهارة الجلود المدبوغة. تقدم الكلام في مسألة الدباغة عن مذهب الحنابلة، وأن الراجح عموم الحديث: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر». في حديث الدارقطني بسند حسن: «كل إهاب دبغ فهو طاهر». قال الدارقطني: وسناده حسن. يفيد العموم أيضاً، إلا ما دل الدليل على إخراجه. يقول الناظم رحمه الله تعالى: «يباح منها طاهر من خشبي». هذا البيت عندي رقم مئة. وهذا عشر الكتاب، فالكتاب الفقهي نحو ألف فيه خاتمة في الزهد والتصوف، خاتمة لكن الأبيات تقريباً ألف فقهية، فهذا عشر الكتاب. «يباح منها طاهر من خشبي أو غيره إلى فِضَّة أو ذهبي فيحرم استعماله كمرود لامرأة وجاز من زبرجدي». هذه أولى المسائل التي افتتح بها الناظم رحمه الله تعالى هذا الكتاب، الباب: باب الأواني. قبل أن نخوض في هذا، ينبغي أن يعلم أن عندنا قاعدة عظيمة نحتاجها، وهي أن الأصل في الأشياء الإباحة. لا بد أن نعلم قاعدة قبل أن نخوض في هذه المسائل التي يذكرها الناظم رحمه الله تعالى، وهي أن الأصل في الأشياء... لأن الله عز وجل يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وهذه صيغة امتنان، فدل على أن الأصل... وقال الله جل جلاله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الآية، فدل على أن الأصل الحل، وأن الأصل الطهارة. هذا الأصل نحتاجه: من ادعى نجاسة أو ادعى حرمة، قلنا له: هات دليلك الذي تثبت به دعواك، فإن لم يبدِ دليلاً عدنا إلى الأصل، وهو الطهارة والإباحة. يقول الناظم رحمه الله: «يباح منها طاهر من خشب أو غيره لا فِضَّة أو ذهب». هذا أصل عند أهل العلم، وهو أن كل إناء طاهر فالأصل فيه أنه يباح استعماله، يباح استعماله. كل إناء طاهر فالأصل إباحة استعماله، إلا نوعين سيأتي الكلام عليهم إن شاء الله تعالى. فإذا كان لك إناء من خشب، أو إناء من مادة أخرى كحجر، نحيط الإناء ونقر على حجر، أو صنع من الطين والفخار، أو غير ذلك، فالأصل الإباحة، الأصل الإباحة. لك أن تستخدمه في حفظ الماء، ولك أن تتوضأ به، ولك أن تغتسل به من الجنابة وغير ذلك. «يباح منها طاهر» يخرج النجس، فإذا كان نجساً لم يبح لعارض هو النجاسة. فإذا كان طاهراً على الأصل جاز استعماله. كل إناء يجوز استعماله إلا ما دل الدليل على المنع، إلا ما دل الدليل على المنع. هذا هو الأصل في هذه المسألة. سيأتي معنا أدلة في الباب تبين هذه المسألة. «أو غيره يباح منها طاهر من خشبي أو غيره كالحجارة، وكالخزف، وكالنحاس، وكالحديد، وكالرصاص، وكالجلود على الراجح إذا دبغت». كل هذا إذا استعملت أواني جاز استعمالها وضوءاً، وجاز استعمالها في غير ذلك في حفظ المواد ونحوه. «يباح منها طاهر». قلنا: الطهارة لا بد منها، فإن لم يكن طاهراً فيمنع لأجل النجاسة، لا لأجل حرمة الإناء. «طاهر من خشبي أو غيره كَالطين والخزاف والنحاس والحجر أو غير ذلك، والرصاص والجلود على الراجح». «لا فِضَّة أو ذهب». هذه المسألة الأولى، وهي أنه لا يجوز ولا يباح استعمال آنية الذهب والفضة. وهذا قول المذاهب الأربعة، هذا قول الحنفية، وقول المالكية، وقول الشافعية، وقول الحنابلة. وحكي فيها الإجماع، حكي فيها الإجماع. «يباح منها طاهر من خشبي أو غيره لا فِضَّة أو ذهب». قلنا: حكي فيها الإجماع. قل: صحيح أن المسألة يوجد من خالف فيها، أرحمك الله، فداود الظاهري يرى تحريم الشرب من آنية الذهب والفضة، كأنه لم يقف على رواية الأكل. كما سيأتي مذهب داود الظاهري: أن التحريم تحريم للشرب. معنى هذا أنه يجوز الوضوء واغتسال الجنب ونحو ذلك. وقول للشافعي قديم: أن المنع من استعمال آنية الذهب والفضة للكراهة التنزيهية، للتحريمية. لكن الشافعي رجع عن هذا القول. هذا قوله القديم، هل بقي عليه الجواب؟ رجع عنه. وقول في مذهب الإمام أحمد: أن الكراهة بالتنزيه. ونقل الإجماع جماعة من أهل العلم، نقل الإجماع جماعة من أهل العلم على التحريم، حتى قال النووي في «المجموع»، المجلد الأول، صفحة الخمسين بعد المئتين: «أجمعت الأمة، أجمعت الأمة». يحصل أحياناً التساهل من قبل بعض أهل العلم في حكاية الإجماعات، كما يحصل للنووي، وابن المنذر، وابن جرير الطبري، كما هو معلوم، يحصل تساهل، لا يعدون خلاف الواحد ولا الاثنين قادحاً. قال النووي رحمه الله: «أجمعت الأمة على تحريم الأكل والشرب وغيرهما من الاستعمالات في إناء ذهب أو فِضَّة، إلا ما حكي عن داود، وإلا قول للشافعي، وإلا قول الشافعي في القديم». يقول النووي: «لأنه إذا حرم الشرب فالأكل من باب أولى، لأنه أطول مدة وأبلغ في السرف». ورد في الباب أحاديث في النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. في هذا الباب أحاديث مذكورة في الصحيحين وغيرهم. منها حديث حذيفة في الصحيحين: قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها». هذه زيادة لكنها صحيحة: «فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لكم في الدنيا... فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». الحديث صريح في النهي، والأصل في النهي التحريم، ولا يصار إلى غيره إلا بدليل. «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب ولا الفضة، ولا تأكلوا في صحافها». وهذا واضح في الدلالة. في الصحيحين أيضاً عن أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذي يشرب في آنية الفضة، الذي يشرب في إناء الفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». وهذا وعيد شديد يدل على أن التحريم غليظ. تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة: «الذي يشرب في آنية، في إناء الفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». حديث... حديث أم سلمة في الصحيحين، وهو من أحاديث الوعيد الشديدة في هذا الباب. في الباب أيضاً عن البراء بن عازب في الصحيحين: «نهانا صلى الله عليه وسلم عن خواتيم الذهب، وعن الشرب في الفضة، أو قال: عن النهي، أو قال: عن آنية الفضة، وعن المياثر والقسي، وعن لبس الحرير والديباج والاستبرق». لا... حديث صريحة في الوعيد، لا سيما حديث أم سلمة: «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». هذا حديث شديد. فالقائلون بالكراهة أخذوا عبارة: «فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة»، وتركوا مثل حديث: «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». «فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» استنبطوا منه الكراهة، وليس هذا بحجة ظاهرة، بل هذا اللفظ قد يدل على التحريم أيضاً، وهو نوع تعليل الحكم: «فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة»، أي أنتم ممنوعون منها منع تحريم، وهم يفعلون ما شاءوا، فإذا جاء يوم القيامة أكرمتم بأنواع الحرير والديباج، ولكم حلي من ذهب، يلبسون من سندس واستبرق، يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ، ولباسهم فيها حرير. فهذا من الأحاديث التي أيضاً لا تدل على الكراهة. الراجح التحريم كما ذكر الناظر: «يباح منها طاهر من خشب أو غيره لا فِضَّة أو ذهب». بقيت مسألة: يقول رحمه الله: «فيحرم استعماله»، إشارة إلى مسألة أخرى، وهي: هل النهي الوارد عن الشرب والأكل في آنية الذهب والفضة يشمل النهي عن سائر الاستعمالات؟ هل النهي عن الشرب والأكل يشمل النهي عن غير الشرب والأكل أيضاً من أنواع الاستعمالات؟ هكذا قال جمهور أهل العلم، وهو مقتضى قول الشافعية والمالكية والحنفية وغيرهم من أهل العلم، يرون أن النهي عن الشرب والأكل يشمل النهي عن غير الشرب والأكل أيضاً من أنواع الاستعمالات. لهذا يقول الناظر: «فيحرم استعماله كمرود لامرأة». المرود: المرود هو ما تكتحل به المرأة في عينها، ما تكتحل به المرأة في عينها، هذا هو المرود. فهل يجب استعمال مرود من فضة أو مرود من ذهب؟ هذا البحث في هذه المسألة، وهي مسألة مهمة. يقول النووي رحمه الله: «يستوي في التحريم جميع أنواع الاستعمالات من الأكل والشرب والوضوء والغسل والبول في الإناء، والأكل بملعقة الفضة، والتجمر بمجمرة الفضة، حتى لو عنده مبخرة من ذهب أو فضة». هكذا ذكر رحمه الله، رحمه الله. وهذا له دلائل كثيرة، هذا له دلائل، استدلوا عليها، استدلوا عليها. والحنابلة، محقق الحنابلة، ينازعون في هذا الموضع. «فيحرم استعماله كمرود لامرأة، وجاز من زبرجد». زبرجد معروف، وهو نوع من الجواهر والأحجار يسمى زبرجد، نوع من الجواهر والأحجار. يقول رحمه الله: «وجاز من زبرجد»، يعني: خرجنا من مسألة الذهب والفضة، ولنا عود إليه. إذا كان الإناء من ياقوت، أو من زبرجد، أو من لؤلؤ، أو من ألماس، أو من عقيق، أو نحو ذلك من الأحجار والجواهر النفيسة، فهل يشرع؟ يقول الناظر: «وجاز من زبرجد»، يعتبره جائزاً. وهذا مذهب الشافعية، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فيها خلاف بين أهل العلم. فالأواني الثمينة التي ليست بذهب ولا فضة، كأواني العقيق مثلاً، أو البلور، أو الجواهر، أو الياقوت، أو الزبرجد، أو اللؤلؤ، ونحوها، في جواز استعمالها أقوال، في جواز استعمالها أقوال. القول الأول: أنه يجوز استعمال الأواني التي هي من هذه الجواهر، مثل الألماس، أو الياقوت، أو العقيق، ونحوها. هذه الأحجار هي أثمن من الذهب غالباً. ما هو الأغلى؟ الياقوت أم الذهب؟ الذهب أغلى. نعم الذهب أغلى. لا لا لا لا... هاتي أبا حمزة، الياقوت أغلى أم الذهب؟ أغلى. أنا يحدثني صائغ قديم في هذا، في الشحر هنا، صائغ قديم قال: كنا من عهد زمان نأتي بخواتيم الذهب، عملنا في الذهب فقط، هكذا حدثني. قال: وحياناً يأتينا بعض الناس يبيع خواتمه، فكنا نأخذ الفصوص ونرميها في علب، سنين، واجتمعت. قالوا: بعد الوحدة جاءنا بعض الناس يقول: من كم تبيعون هذه الفصوص؟ قلنا: خذها كاملة، ماذا قيمتها؟ قال: فبعنا له الكمية الموجودة في خلال سنوات، ثم عرفنا بعدين أن غالب هذه الفصوص أغلى من الذهب اللي كان في الخواتم. ما كنا نعرف هذا ألماس وهذا جوهر وهذا ياقوت. أحد الخواتيم هذه، أحدها، سبحان الله. قال: جاء به أمير من أمراء الكويت، وسلمه إلى شخص هنا، هدية أمير من الأمراء. قال: أعطيك هذا الخاتم هدية. قال: والرجل جاء عندنا، قال: الفص، حسبنا له، حسبنا له الفص بسعر رخيص، مرة قلنا له: هذا الفص يمكن بلاستيك، كل حاجة يعني يعطيك فيها حاجة بسيطة، وزنه الذهب، طلع قيمة الفص هذا غالي جداً، أغلى من الذهب بعشرات المرات، ونحن ما ندري، ما ندري. الشاهد: هذه الأحجار غالية جداً، ولهذا يقل استعمالها بالنسبة للذهب والفضة. يقول العلماء: إن سبب التحريم ما يكون فيها من السرف، وما يكون فيها من المخيلة والكبر والخيلاء. هكذا يستنبط الفقهاء والعلماء من تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة، وهي طاهرة، فلماذا ينهى عن الشرب فيها؟ قالوا: تؤدي إلى خيلاء وكبر، وهذه عناصر غالية جداً. الذهب والفضة أن يجعل له كأس من ذهب، أو صحفة من ذهب، أو هذا ترف. وبعضهم يقول: فيها كسر قلوب الفقراء. هكذا يقول بعضهم: فيها كسر لقلوب الفقراء. هكذا يقول بعضهم في هذا الباب. الشاهد: رجعنا إلى المسألة التي نحن فيها، مسألة الاستعمال، نؤخرها لأن الكلام فيها طويل. يقول الناظم رحمه الله: «فيحرم استعماله كمرود لامرأة، وجاز من زبرجد». أي: لو كان هذا الإناء من الياقوت أو الجواهر الكريمة جاز استعماله، جاز استعماله. قلنا: المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فهذا مذهب جمهور العلماء من الحنفية، وهذا مذهب جمهور العلماء من الحنفية، وهو المشهور عند المالكية، وهو الصحيح عند الشافعي أنه يجوز استعمال الآنية التي هي فاخرة جداً، وهو المشهور عند الحنابلة. لهذا تقدم الكلام على أن هذا القول قول جماهير أهل العلم. وقال بعض المالكية: يحرم الأكل والشرب فيها، يحرم الأكل والشرب فيها. قول في مذهب الشافعي، وقول لبعض المالكية، إلى آخر الخلاف في هذه المسألة. آخر ما قيل في هذه المسألة: والراجح الجواز، لأمور منها: أننا لا دليل عندنا على التحريم، لا دليل عندنا على التحريم، والأصل الإباحة، الأصل الإباحة. فإن قال قائل: ألم تذكروا في الذهب أنه يكون فيه سرف وخيلاء؟ قلنا: هذا لا يعرف في مثل هذه المواد لقلتها وندرتها، خلاف الذهب والفضة فكثيرة. قال قائل: أليس فيها انكسار لقلوب الفقراء؟ هم لا يعرفونها، ربما أهل الصنع لا يعرفونها، فكيف بأهل الفقر؟ من أين له من يعرفها؟ ربما لا يفرقون بينها وبين الزجاج، فضلاً عن أن يكون فيها نوع تكبر أو خيلاء عليهم. لا يكون فيها شيء من ذلك. ولهذا جوزه جمهرة العلماء من المذاهب الأربعة على الجواز، إلا قولاً في مذهب الشافعي بالتحريم، وقولاً أيضاً في مذهب مالك رحمه الله تعالى، رحمهم الله تعالى وغفر له. فهذان قولان في المسألة، وهناك قول ثالث لا داعي لذكره، والأصل الإباحة. قلنا: الأصل الإباحة. ولا زلنا في هذه المسائل، أما مسألة الاستعمال فنؤجلها إلى غد، لخلاف ابن تيمية وابن القيم فيها، وكلامهم فيها يحتاج إلى مناقشة. هذا، ونقف عند هذا الموضع، ونكمل إن شاء الله تعالى ما بقي معنا. هذا، وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر