الدرس في شرح كتاب الزكاة 16، ألقاها
الدرس يتناول مسألة تحريم الزكاة على آل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ذكر أن بني هاشم تحرم عليهم الزكاة إكرامًا لهم. يُستدل على ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس».
ذكر عدة أصناف لا تجوز لهم الزكاة، منهم الأغنياء والأقوياء المكتسبون والكفار غير المؤلفة، وأصول وذريات النبي وزوجته، وآل بيت النبي، والعبد المملوك، وموالي آل بيت النبي. دفع الزكاة لمن لا يستحقها مع العلم بذلك يعتبر إثمًا.
تناول أحكام تفريق الزكاة ونقلها إلى بلد آخر، مبينا أن إعطاء الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية يجزئ، وأن نقل الزكاة إلى بلد آخر يجوز إذا كان هناك مصلحة، مثل وجود أقارب فقراء في ذلك البلد.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أخذنا بالدرس الماضي بكتاب الفقه الميسر، أي بعض من لا تحل لهم الزكاة. من يذكرون ما صالح من الذين لا تحل لهم الزكاة؟ الأغنياء. طيب، الأغنياء من أمثال محمد القوي المكتسب. نعم، وأيضا الكفار غير المؤلفين. نعم، أخذنا هؤلاء. بقي أيضا الأصول والفروع، الأصول والفروع والزوجة. فلا يدفع الأب زكاته لولده أو لأبيه إذا كان ينفق عليه، ولا لزوجته لأنه ينفق عليها. وبعض أهل العلم يقول: كل من يجب على الإنسان أن ينفق عليه فلا تحل له الزكاة، لا يجوز أن يعطيه الزكاة حتى لا تكون ذريعة إلى إسقاط النفقة الواجبة. لكن ذكرنا أن من يجب على الإنسان أن ينفق عليه إذا كان لا يستطيع أن ينفق عليه، فيجوز أن يدفع له الزكاة، وتكون الزكاة له أولى من البعيد. هذا إذا كان لا يستطيع أن ينفق عليه، كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله. قال المؤلف: رابعا، آل النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل الزكاة لآل النبي صلى الله عليه وسلم، إكراما لهم لشرفهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنها لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس». والحديث رواه الإمام مسلم. وهذا قاله النبي عليه الصلاة والسلام للفضل بن عباس وعبد الله بن ربيعة، حين سأله الزكاة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنها لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس». لأن الزكاة تطهير يطهر الإنسان ماله ويطهر أعماله، كما قال الله عز وجل: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها﴾. فلأجل تشريف آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه لا تحل لهم الزكاة. قال: وآل النبي صلى الله عليه وسلم قيل: هم بنو هاشم وبنو المطلب. آل النبي كثير، يعني الذين ينسبون إلى آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام. لكن ليس كلهم تحرم عليهم الزكاة. الآل جعفر وآل عقيل وآل عباس، الذين لا تحل لهم الزكاة بنو هاشم. وأختلف في بني المطلب. قيل: هم بنو هاشم وبنو المطلب، وقيل: هم بنو هاشم فقط، وهو الصحيح أنهم يعني بنو هاشم الذين تحرم عليهم الزكاة. وأما بنو المطلب فلا تحرم عليهم. الذين قالوا بأنها تحرم على بني هاشم وبني المطلب استدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد». والحديث في البخاري من حديث جبير بن مطعم. وهذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءوا رجال من بني عبد شمس يطالبون بإعطاء الخمس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد». فقالوا: إذن هذا دليل على أنهم تحرم عليهم الزكاة كما تحرم على بني هاشم. والذين قالوا: لا تحرم الزكاة على بني المطلب، قالوا: المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» يعني في أخذ الخمس، لا في الزكاة. والمراد بذلك ما كان بينهم من نصرة، ما كان بين بني المطلب وبني هاشم من نصرة. ومن ذلك ما حصل في حصار الشعب حين حوصر بنو هاشم، فدخل معهم بنو المطلب في الحصار وشاركوهم فيما حصل لهم من شدة. وهذا لم يحصل لغيرهم. فكان هذا المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد». وعلى هذا، فالذين تحرم عليهم الزكاة هم بنو هاشم. قال: وعليه يصح دفع الزكاة إلى بني المطلب، لأنهم ليسوا من آل محمد صلى الله عليه وسلم. ولعموم الآية: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ فيدخل فيهم بنو المطلب. وهل يجوز إعطاء الهاشمي إذا كان غازيا أو غارما؟ غازيا يعني في سبيل الله، وغارما إذا تحمل شيئا من الديون. هل يعطى من الزكاة؟ قال بذلك بعض أهل العلم. وقال آخرون: لا يعطون لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لا تحل لنا الصدقة». وهذا القول أقرب إلى الله وعلم أنهم لا يعطون لعموم التحريم. ثم قال: خامسا، وكذلك لا يجوز دفع الزكاة لموالي آل النبي صلى الله عليه وسلم، لحديث: «إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم». والحديث خرجه أبو داود والترمذي، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله من حديث أبي رافع رضي الله عنه. قال: وموالي القوم عتقاؤهم. ومعنى «من أنفسهم» أي فحكمهم كحكمهم. فتحرم الزكاة على موالي آل بني هاشم، يعني من كان من بني هاشم عنده مملوك عنده عبد رقيق، فحرره جعله حرا، صار ولاؤه لمن عتقه، يعني لبني هاشم. فإذا صار العبد مولى لبني هاشم، فإن الزكاة تحرم عليه كما تحرم على بني هاشم. قال: سادسا، العبد لا تدفع الزكاة إلى العبد، يعني المملوك، لأن مال العبد ملك لسيده. فالعبد لا يملك شيئا، ما يملكه من مال فهو للسيد. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من باع عبدا له مال، فماله للذي باعه». يعني السيد. فماله للذي باعه. قال: فإذا أعطي الزكاة انتقلت إلى ملك سيده، يعني إذا دفع الزكاة إلى العبد أعطى السيد الزكاة للعبد، سترجع الزكاة إلى السيد، فيكون كأنه ما دفعها. لأن ما يملكه العبد فهو لسيده. قال: ولأن نفقته تلزم سيده، يعني السيد يجب عليه أن ينفق على العبد كما ينفق على أولاده وأهله وعلى مماليكه وما تحت يده. كذلك العبد المملوك ينفق عليه. قال: ويستثنى من ذلك أي من العبيد يستثنى المكاتب، فإنه يعطى من الزكاة ما يقضي به دين كتابته. المكاتب العبد إذا كاتب سيده على مال، إذا وفاه له صار حرا، يسمى هذا العبد بالعبد المكاتب. هو ما زال عبد في حال الكتابة، ما زال عبد. كما جاء في الحديث: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم». فيجوز أن يدفع له الزكاة حتى يخلص ما عليه من كتابه فيصير حرا. قال: والعامل على الزكاة، فإذا كان العبد عاملا على الزكاة أعطي منها، لأنه كالأجير. والعبد يجوز أن يستأجر بإذن سيده، يعني إذا أخذ العبد عاملا في الزكاة في جمع الزكاة وجبايتها وحفظها وتقسيمها، فيجوز أن يعطى بهذه الحالة، لأنه يصير في حكم الأجير، فيعطى من الزكاة. قال: فمن دفعها لهذه الأصناف مع علمه بأنه لا يجوز دفعها لهم، فهو آثم. هذه الأصناف التي مرت معنا: الأغنياء، الأقوياء المكتسبون، الكفار غير المؤلفة، الأصول والفروع والزوجة، وآل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، والعبد المملوك، وموالي آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام. فهؤلاء لا يجوز أن تدفع لهم الزكاة. ومن دفعها لهم مع علمه، فهو آثم، يعني أعطى الزكاة لغني وهو يعلم أنه غني، هذا آثم. لا يجوز أعطاها لكافر وهو يعلم أنه كافر غير مؤلف، لا يجوز. قلنا: إذا أعطى من لا يستحق الزكاة مع علمه، فهو آثم لأنه وضعها في غير موضعها. طيب، وإذا كان غير عالم دفع الزكاة إلى غني وهو لا يعلم أنه غني، أعطاها لقوي مكتسب ولا يعلم. هل يأثم؟ الجواب: لا، لا يأثم. لأن الإثم مرتب على العلم والقصد. والله عز وجل يقول: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. وهل تجزئه؟ الجواب: نعم تجزئه. إذا وضعها في غني وهو لا يعلم، فتبين أنه غني، فإنها تجزئه. والدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح في قصة الرجل الذي قال: سأتصدق اليوم بصدقة. فخرج فوضعها في يد غني. فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على غني. قال: اللهم لك الحمد. تصدق على غني، لا تصدقن بصدقة. فخرج فوضعها في يد زانية. فأصبح يتحدثون: تصدق الليلة على زانية. قال: اللهم لك الحمد على زانية، لا تصدقن بصدقة. فخرج فتصدق ووضعها في يد سارق. فقالوا: تصدق الليلة على سارق. قال: اللهم لك الحمد على سارق. فجئ به فقيل له: أما الغني فلعله يعتبر فينفق. وأما الزانية فلعله تتعفف عن زناها. وأما السارق فلعله يتعفف عن السرقة. ولم يؤمر بدفع الزكاة مرة أخرى، ولم يخبر بأنها لم تجزئ. فدل ذلك على أنها تجزئه إذا لم يعلم بذلك. قال: المسألة الثالثة، هل يشترط استيعاب الأصناف الثمانية المذكورة عند تفريق الزكاة؟ قال: لا يشترط استيعاب الأصناف الثمانية المذكورة عند تفريق الزكاة على القول الصحيح. لأن بعض أهل العلم قال: لا بد أن تفرق الزكاة على الأصناف الثمانية. إذا عندك زكاة لا بد تفرقها على الأصناف الثمانية: الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلف قلوبهم وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل. لكن الصحيح كما سمعنا أنه لا يشترط استيعاب جميع الأصناف الثمانية. والآية دلت على أن هؤلاء الثمانية ممن يستحق الزكاة. فالمراد من الآية بيان الاستحقاق، بيان من يستحق الزكاة، ليس المراد وجوب التعميم، يعني أن تعطى الزكاة لجميع هذه الأصناف. بل يجزئ أن يعطيها صنفا واحدا من هذه الأصناف الثمانية. قال: بل يجزئ دفعها لأي صنف من الأصناف بقوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾. الشاهد قوله جل وعلا: ﴿وتؤتوها الفقراء﴾. وهذا الصنف واحد من الأصناف الثمانية. وقوله: ﴿إن تبدوا الصدقات﴾، الصدقة تطلق على الزكاة الواجبة وعلى الصدقة المستحبة. ودلت الآية على أن إعطاءها لصنف واحد يجزئ. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم». يعني تؤخذ الزكاة من الأغنياء وترد على الفقراء. والفقراء صنف من الأصناف الثمانية. ولو كان استيعاب الثمانية واجبا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على الأصناف الثمانية». لكن قال: «ترد على فقرائهم». وهذا صنف واحد. دل على أن من أعطاها لفقير أجزأ ذلك. قال: فهذه الأدلة تدل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ بيان المستحقين للزكاة، لا تعميم المستحقين عند تفريقها. هذا واضح. قال: مسألة الرابعة في نقل الزكاة من بلدها إلى بلد آخر قريب أو بعيد. الأصل أن الزكاة تدفع لفقراء أهل البلد، لفقراء أهل البلد. هذا هو الأصل. فإن كان هناك مصلحة في إعطائها لمن ليس في نفس البلد، فيجوز ذلك. قال: مثل أن يكون البلد البعيد أشهد فقرا، أو يكون لصاحب الزكاة أقارب فقراء في بلد بعيد. فإن في دفعها إلى أقاربه تحصيل المصلحة وهي الصدقة والصلة. فإذا كان فقراء البلد البعيد أشهد فقرا، وفقراء بلد صاحب الزكاة أحسن حالا، فمن المصلحة أن يدفعها لأولئك الذين هم بعيد لشدة حاجتهم ولدفع الضرر عنهم. أو كذلك أن يكون البعيد من أقاربه، يكون من أقاربه. والصدقة على القريب صدقة وصلة، صدقة وصلة. أجرها أعظم من الغريب. لكن هذا البعيد القريب هو بعيد من حيث السكن، لكن بينه وبين صاحب الزكاة قرابة. فهل يجوز له أن يعطيه من الزكاة وهو في بلد آخر؟ الجواب: نعم يجوز. يجوز. وذلك لأجل ما بينه وبينه من قرابة. والصدقة على القريب صدقة وصلة. قالوا: هذا القول بجواز نقل الزكاة هو الصحيح لعموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾، أي الفقراء والمساكين في كل مكان. يعني لم يخص الآية بإعطاء فقراء ومساكين أهل البلد. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». مراد البيان بيان أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء وتعطى الفقراء ومن يستحق الزكاة، سواء كانوا في البلد أو في غير البلد. وإن كان الأصل أنها تعطى لأهل البلد، هذا هو الأصل. لكن إذا كان هناك مصلحة في إعطائها لغير أهل البلد فلا بأس. بهذا نكون انتهينا من قراءة ما يتعلق بكتاب الزكاة، وبعده كتاب الصيام. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.