كلمة الشيخ الفاضل هاني بن بريك

الدرس في كلمة الشيخ الفاضل هاني بن بريك، الأربعاء 6 شوال 1431هـ بمسجد الحبش بالديس الشرقية . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أثر اللسان في كشف حال القلب

اللسان مرآة القلب ودليله على ما فيه، وطيب الكلام وعفافه رأس الأمر في الدعوة والإصلاح. لذا يجب على الدعاة وطلاب العلم التسامي في القول والفعل ليكونوا مفاتيح للقلوب.

أدب اللسان وجمال التعبير القرآني

يتميز التعبير القرآني والنبوي باستخدام الكناية عما يستقبح ذكره، والوصايا النبوية بحسن الكلام كصدقة وسبيل للجنة. وتبرز أهمية تربية اللسان ومجاهدته خاصة عند الغضب اقتداءً بسير الصحابة والأنبياء.

هدي النبي ﷺ في ضبط اللسان والخلاف

يبرز المقطع هدي النبي ﷺ في كظم الغيظ وكف الأذى مع الالتزام بالحق والعدل حتى في الغضب الشديد. ويبين أن دفع السيئة بالحسنة منهج قرآني لتحويل العداوة إلى ولاية، مع ضوابط للمزاح المشروع خالية من الباطل والفحش.

خاتمة المجلس بالدعاء والصلاة على النبي

يختتم المتحدث المجلس بالسؤال الله أن يجعله في ميزان حسنات الحضور جميعاً. ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه ومن تبع هديه إلى يوم الدين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. بعثه الله سبحانه وتعالى بالرسالة العظمى التي أضاءت العالم بعد ظلمه، وآنسه بعد وحشته، ونشرت في أكنافه وأرجائه حقيقة التوحيد وكمال الإيمان، والعدالة بين البشرية، والأخوة بين المؤمنين، والرحمة. فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، الذين حملوا هذا الدين كأعظم أمانة حملت، فقاموا بواجبهم على الوجه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى عنهم. وبعد، أيها الأحبة، أيها الفضلاء، نحمد الله سبحانه وتعالى الذي هيأ لنا وجمعنا في هذا المسجد، الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيه، وفي من أقامه، وفي من أعان على قيامه. فإن المساجد التي تدعو إلى السنة لهي منابر هدى، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكثر منها، وأن يقوي أهلها، وأن يعزهم، وأن يمكنهم. أيها الإخوة، الحديث بعد مشايخ فضل وطلاب علم نجب، عبءه ثقيل، ولا سيما إذا كان بعد شيخ وعالم جليل، فضيلة شيخنا ووالدنا العلامة محمد بن عبد الوهاب الوصابي، حفظه الله وبارك الله في عمره وعمله. وكذلك الحديث بعد الشيخ المفضال أبي أسامة عبد الله بن عبد الرحيم بن حسين البخاري، وهكذا بعد إخواننا الأفاضل. ولكن أتمثل في الحقيقة قول الشاعر حين قال: أسير خلف ركاب نجب ذا عرج ** مؤملا غير ما يقضي به عرج فإن لحبت بهم من بعد ما سبقوا ** فكم لرب السماء في الناس من فرج وإن ضللت وإن ضللت في قفر الأرض منقطعا ** فما على أعرج في ذاك من حرج فمعذرة لكم إن حصل تقصير في الكلام، ولكنها بضاعة مسجاه مهداة إلى إخوة نجب أفاضل، يقبلون العذر من أخ لهم مقصر. حديثه سيكون معكم عن أمر أراه مهمًّا للغاية، وهو أمر يُعلم من المقصد الرئيس الذي بعث الله سبحانه وتعالى لأجله الرسل. أيها الإخوة، هذه الشريعة، الشريعة الإسلامية، شريعة الله جل وعز، لم تأت إلا لإصلاح الإنسان وتهذيب سلوكه عمومًا. وأول ما يأتي من الإصلاح: إصلاح المعتقد، إصلاح القلب. هذا أهم وأعظم ما جاءت به الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم. وهذه الشريعة كما سمعتم جاءت لإصلاح الإنسان وتهذيب سلوكه، والتسامي بفعله وقوله. التسامي بالفعل والقول هو الذي يحتاجه الآن خواص المسلمين فضلًا عن عامتهم. وأولى الناس بهذا هم الدعاة إلى الله والمصلحون وطلاب العلم. فأهل الإصلاح كثر، ولا يلزم أن يكون من يسعى في الإصلاح عالمًا بلغ من العلم مرتبة العلماء المجتهدين وهل الفتوى. وكل من يسعى لتطبيق الشريعة قولًا وعملًا فهو مصلح. فأولى الناس بهذا التسامي في القول والفعل هم الدعاة إلى الله والمصلحون وطلاب العلم، لأنهم حملة رسالة الأنبياء، وهم يختلطون بشتى طبقات المجتمع، والكلمة الطيبة منهم مفتاح للقلوب، وأنجع أداة للتأثير. فإذا كان بعض الدعاة وطلاب العلم يسعى جاهدًا لتحصيل العلم النافع حفظًا ومدارسة، ويجتهد لتحصيل القدرات والمهارات التي تمكنه من مخاطبة الناس فيكون مؤثرًا وراسخًا في ميدان الدعوة، فإن طيب الكلام وحسن الكلام هو رأس الأمر. رأس الأمر في الدعوة وفي طريقة الدعوة أن يكون هذا الداعي حسن الخلق، عفيف اللسان، طاهر في لفظه وفي فعله. ولهذا كان كلام الداعي إلى الله في تعامله مع الناس ومخاطبته للناس دليل عقله وصلاح قلبه. وليس هذا في الداعي بل في عموم الناس، فبقدر سمو كلامه وطهره وترفعه عن الفحش والبذاء يكون سمو عقله وشرفه. وقد سبقنا أيها الأحبة إلى بيان هذا المعنى علماؤنا الأفاضل الأجلاء. فهذا يحيى بن معاذ، كما جاء في حلية الأولياء، ويحيى بن معاذ يقول عنه الذهبي رحمه الله: "إن في كلامه كثيرًا من الحكمة، وكلامه يشبه كثيرًا كلام الأنبياء". وهكذا الرجل إذا طبق السنة وصلح حاله نطق بالحكمة. ونجد من باب الفائدة والجملة المعترضة أن يحيى بن معاذ هذا يذكر في كتب الصوفية وفي طبقات المتصوفة، وهذا على الاصطلاح القديم من أن المتصوفة هم العباد الزهاد الذين انقطعوا إلى العبادة وقاموا بإصلاح أحوالهم والخلوة مع أنفسهم، لا الصوفية المحدثة المعاصرة التي هي دجل وتقليب للحقائق وباطنية في الاستدلال في الكتاب والسنة إلى غير ذلك مما يعرف طلاب العلم. يقول يحيى بن معاذ رحمه الله كما في حلية الأولياء لأبي نعيم: "إن القلوب كالقدور في الصدور تغلي بما فيها، ومغارفها ألسنتها". لاحظ دقة العبارة: "إن القلوب كالقدور"، القدور هي الطسوت، سنقول الآن باللهجة العامية "طست"، وهي كذلك فصاحة الطست كذلك في الفصاحة. قال: "كالقدور في الصدور تغلي بما فيها، ومغارفها ألسنتها". فانتظر الرجل حتى يتكلم، فإن لسانه يخبرك عما في قلبه. فإن لسانه يخبرك عما في قلبه. فإذا كان الرجل فاحشًا وبذيئًا، لا بد أن يصدر هذا من هذا اللسان. وإذا كان عفيفًا نقيًا طاهرًا يتأسى بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا تجد الفحش والبذاء في لسانه أبدًا. وهكذا يقول العلامة ابن القيم رحمه الله كما في كتابه "الفوائد" واصفًا للسان: قال عنه: "هو بريد القلب وترجمانه". بريد القلب: البريد هو الساعي الموصل، يوصل لنا ما في القلب. فإذا امتلأ قلب الإنسان محبة للدنيا يلهج دائمًا بذكر الدنيا، وكل إناء بما فيه ينضح. قال رحمه الله: "بريد القلب وترجمانه". وقال كذلك رحمه الله في كتابه العظيم "الجواب الكافي" وهو مشهور كذلك باسم آخر "الداء والدواء": "إذا أردت أن تستدل على ما في القلوب فاستدل عليه بحركة اللسان، فإنه -أي اللسان- يطلعك على ما في قلب صاحبه شاء أم أبى". فإن اللسان يطلعك على ما في قلب صاحبه شاء أم أبى. والعرب في الجاهلية أهل حكمة، صدروا هذا المعنى في أشعارهم. وهذا زهير بن أبي سلمى الشاعر المشهور، صاحب المعلقة المشهورة، ووالد الصحابي كعب بن زهير بن أبي سلمى. وليس هناك سلمى في العرب إلا زهير، لا يقال سلمى إلا لزهير المازني، أما غير زهير فهو سلمى بالفتح. قال في معلقته: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ** فلم يبق إلا صورة اللحم والدم جعل الإنسان محصورًا في اللسان والقلب. وقال قبل هذا البيت في ذات المعلقة: وكأن ترى من صامت لك معجب ** زيادته أو نقصه في التكلم إذا تكلم فضح عن حاله، إما أن يرتفع وإما أن ينحط. وقال كذلك ما دمنا في المعلقة قبل هذا البيت، هي أبيات سبحان الله متسلسلة: ومهما تكن عند امرئ من خليقة ** وإن خالها تخفى على الناس تعلم زهير أفضل من قال الحكمة في شعراء المعلقات، وسميت قصائده بالحوليات لأنه ينظم القصيدة في شهر وينقحها في سنة كاملة، فشعره ممتلئ بالحكمة، وهذه الأبيات دليل واضح على هذه الحكمة. وقبل هذا وذاك، يجد المتأمل في كتاب الله جل وعلا جمال اللفظ وسمو التعبير. فليس في القرآن أبدًا شيء من الألفاظ التي تستقبحها العرب. بل عندما يأتي الشيء الذي يستقبح ذكره تصريحًا، يأتي القرآن بعبارة جميلة. ولك أن تنظر وتقرأ قول الله جل وعلا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. كنّى سبحانه وتعالى بالرفث والمباشرة عن الجمع، ولم يأتِ بلفظه الصريح لأنه مما يقبح ذكره صراحة. ولهذا نظائر في كتاب الله جل وعلا، منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾. وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فعبر سبحانه وتعالى بالمس والملامسة عن الجمع. وانظر إلى جمال العبارة وأدب اللغة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وكانت جوابًا على سؤال عن أوضاع الجمع، فلم يأتِ التصريح بما يستقبح ذكره، فأتى بهذا الأسلوب البديع وبهذا اللسان العربي المبين. فقال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مبينًا لهذه الآية: "في صمام واحد، مقبلة مدبرة، في صمام واحد". ولم يصرح صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واكتفى بالتعريض في هذا المقام. وانتبه أيها الأخ وتعمل إلى هذه المعاني العظيمة وإلى هذه الإشارات من كتاب الله جل وعلا. وهذا المعنى أحد مقتضيات قول الله جل وعز: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وقوله جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. سداد القول والقول الحسن يتنافى مع الفحش والبذاء والمنكر من القول والشناعة في الألفاظ. وقد أشار إلى هذا المعنى الثعالبي إمام اللغة في كتابه "فقه اللغة"، حيث عقد فصلًا في الكناية عما يستقبح ذكره بما يستحسن لفظه. لاحظ: فصل في الكناية عما يستقبح ذكره بما يستحسن لفظه. وجاءت الوصية النبوية، وصية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بمعاهدة اللسان وتربيته على أرقى الألفاظ وعلى سمو العبارة وتجنب الفحش من القول. فقد جاء عند الطبراني من حديث الحسن بن علي رضوان الله تعالى عليه وعلى أبيه، وصحه الألباني بمجموع الطرق في "الصحيحة"، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "أطيب الكلام، أطيب الكلام". وأوصى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في "الأدب المفرد" عند البخاري، وصحه الألباني كذلك من حديث هاني بن يزيد المذحجي - وقال ابن حجر في "الإصابة" أو النخعي - عندما وفد على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قصته المشهورة، أبو شريح الذي كان يُكنى بأبي الحكم، ثم حول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كنيته لأبي شريح. قال له: "ما الذي يوجب الجنة يا رسول الله؟" فدله على أمرين. انتبهوا أيها الإخوة، دله على أمرين. قال له صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "عليك بحسن الكلام وإطعام الطعام". عليك بحسن الكلام وإطعام الطعام. وهكذا سيرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم العملية، كان يطبق هذا قولًا وعملًا. وهو الذي قالت عنه أم المؤمنين رضوان الله تعالى عليها وعلى أبيها عائشة رضي الله عنها: "كان خلقه القرآن". وهنا تقول رضوان الله تعالى عليها وعلى أبيها: "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح". لاحظ: لم يكن صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويصفح. رواه أحمد والترمذي وهو حديث صحيح. وقبل هذا ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضوان الله تعالى عليه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "الكلمة الطيبة صدقة". وما جاء كذلك في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضوان الله تعالى عليهما، قال: "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاحشًا ولا متفحشًا، وقال: إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقًا". إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقًا. هذه التربية التي تربى عليها الرعيل الأول من هذه الأمة، أصحاب محمد رضوان الله تعالى عليهم، خلت لغتهم من الخنى، وعباراتهم من الضعة، وألفاظهم من الشنعة. ولهذا كان عمر رضوان الله تعالى عليه وأرضاه، أمير المؤمنين، يجعل طيب الكلام من الملذات التي لا يتمنى فراقها. فقال كما في كتابي "الجهاد" لابن المبارك رحمه الله: "لولا ثلاث لأحببت أن أكون قد لحقت بربي: لولا المسير في سبيل الله -أي الجهاد ومقارعة العدو لإعلاء كلمة الله جل وعلا- أو يغبر جبيني في السجود، أو أقاعد أقوامًا ينتقون طيب الكلام كما ينتقى الثمر". لأحب لولا هذه الثلاث لتمنى عمر أن يلحق بالله جل وعلا، أو أقاعد أقوامًا ينتقون طيب الكلام كما ينتقى طيب الثمر. الآن مجالس المسلمين: فحش وبذاء، وإكثار من ذكر النساء، وتفكه وطرف، كلها لا تخلو إلا في مجالس من عصم الله ورحم من هذه الشناعة. أيها الأحبة، طيب الكلام يحتاج إلى تربية وإلى معاهدة. فقد يكون الإنسان مبتلى بالفحش والبذاء، ولكن كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم". ولهذا روى الإمام مالك إمام دار الهجرة في الموطأ عن يحيى بن سعيد قال: مر عيسى بن مريم عليه وعلى أمه السلام بخنزير بالطريق، فقال له عيسى... لاحظ، انظر كيف يربي هذا النبي نفسه على طيب الكلام. قال: فمر الخنزير فقال له عيسى: "انفد بسلام". تعجب من حول عيسى من الحواريين، قالوا له: "أتقول هذا لخنزير؟ خنزير تقول له: انفد بسلام؟" قال صلوات الله عليه وسلامه: "إني أخاف وأكره أن يعتاد لساني النطق بالسوء". وما أكثر الآن السباب والشتم واللعن في كلام المسلمين، كثير جدًا. وهذه المسألة، مسألة التعويد، قد تبدو سهلة، خصوصًا عند الأوقات العادية، لأن الإنسان قد يتكلف حسن المنطق والبعد عن الفحش والبذاءة. ولكن هناك عوارض تكشف عن معدنه الحقيقي، بما يتطلب يا إخوان مجاهدة وترويض للسان. الوقت ضيق معي لكن نأتي على أهم هذه العوارض. من أول هذه العوارض: الغضب. الإنسان إذا غضب ولم يتمالك نفسه، يجره ذلك إلى السوء والفحش. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: "إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما عند الإمام أحمد من حديث عمار: "وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب". هكذا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوطن نفسه عند الغضب أن يقول كلمة الحق، ولا يخرج منه الهجر من القول، ولا الفحش، ولا البذاء، ولا العدوان، ولا البغي. قال: "وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب". وهناك بسطاء، أرباب أعمال، يغضب على عماله، فيخرج منه الألفاظ الفضيعة في العمال. وهنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، انظر لحاله مع عماله. أنس بن مالك رضوان الله تعالى عليه خدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عشر سنوات، فيقول كما في صحيح الإمام البخاري: "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سبابًا، ولا لعانًا، ولا فحاشًا". ماذا يقول إذا غضب على أحد العمال؟ كان يقول لأحدنا عند المعتبة -أي عند اللوم وعند العتاب-: "ما له ترب جبينه، ما له ترب جبينه". هكذا كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى مع عماله. وقال أنس: "ما قال لشيء فعلته: لِمَ فعلته؟ ولا لشيء تركته: لِمَ تركته؟". حتى عندما أوذي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قسمته، ومن يعدل يا عباد الله لم يعدل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قيل: "هذه قسمة ما أريد بها وجه الله"، وقيل: "ما عدل فيها". كظم غيظه لأنه مطبق للقرآن: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وتعسى بنبي من أولي العزم، فقال: "يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر". رواه البخاري. أيها الأحبة، مسألة الغضب الآن الإنسان يتحجج بها، وهي في الحقيقة تكشف عن خلق الإنسان. البعض يقول: "الله يا أخي، أنا ما أدري حتى أخرج عن طوري وأقول كلام ما كنت أريد أن أقوله". لا، إياك. وكل ما يعتذر منه... العارض الثاني، وهو مهم جدًا، ويبتلى به عموم المسلمين كذلك، وبالأخص طلاب العلم والدعاة إلى الله: الخلاف. الاتفاق والموافقة تبقي الإنسان هادئًا متزنًا رزينًا، لكن الخلاف يطيش بالعقول ويخرج الإنسان عن اتزانه، لأن كثيرًا من الناس لا يرضى بالمخالفة مهما كانت يسيرة. نقاش علمي في مسائل علمية مع بعض طلبة العلم: أخي، المسألة هذه قال بها ابن باز، هذا يقول: لا، قال الشيخ مقبل كذا، الأخير يقول: لا، قال الألباني كذا. يعني داخل دائرة السنة ومسائل فقهية. هذا يعلو صوته، وهذا يصيح، وهذا يجاهل الآخر، وهذا حتى تنغرس في قلوب بعضهما البغض والكره، كل منهم ما للآخر. فبعض الناس لا يقبل للمخالفة، ولهذا يفقد اتزانه ورزانته، ويجره ذلك إلى العدوان والبغي، وتصير القضايا اليسيرة سلبًا واتهامًا للطعم في الصالحين. ولهذا جاء الإسلام مربيًا للمسلمين أن يدفعوا السيئة بالحسنة. فقال سبحانه وتعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. يا إخوان، عدو ما هو صديق. فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. الولاية أعظم مراتب النصرة. فإذا الذي بينك وبينه عداوة بسبب دفعك بالتي هي أحسن انقلب لك وليًا حميمًا. وهكذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾. لاحظ أسلوب القرآن دقيق، وعبارة القرآن دقيقة. قال: ﴿وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾، أي يدفعون هذه السيئة الصادرة من الشخص بالحسنة. ثم جاء بعدها: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، في إشارة إلى أنك إذا أكرمت المخالف معك، ولم يعدِ هذا الخلاف إلى قطيعة ما كنت توصل، فإن هذا مما يطلبه الشرع. ولهذا لما أراد الصديق أن يقطع عن مسطح ما كان يعطيه بعد حادثة الإفك، نزل القرآن يوجهه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾. فقال الصديق وقام بإرجاع ما كان قد فرضه لمسطح، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. هكذا في هذه الصورة نستطيع أن نحفظ اللسان من الوقوع في المزالق. ولك أن ترى أيها الحبيب أثر هذه التربية النبوية الربانية في سلوك أم المؤمنين زينب بنت جحش رضوان الله تعالى عليها، وهي ضرة لعائشة، عندما سألها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيحين في حادثة الإفك، سألها عن عائشة: هل عندها من ريبة فيها؟ لاحظ، وهي ضرة لها. قالت: "يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما أعلم عنها إلا خيرًا". قالت عائشة رضوان الله تعالى عليها معلقة على هذا الموقف من ضرتها، قالت: وهي التي كانت تساميني -أي تنافسني- لكن لم تؤدِ هذه المنافسة إلى استغلال المواقف وإلى الطعن. لا، عصمها أيش؟ الورع. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع. الله أكبر، عصمها الله بخوفه وتقواه، بالورع، من أن تقع في عرض عائشة وهي ضرتها، وفي مقام الغيرة يغتفر ما لا يغتفر في أي مقام آخر. مع ذلك عصمها الله سبحانه وتعالى من أن تقع في عرض أم المؤمنين. قالت عائشة معلقة: وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله سبحانه وتعالى بماذا؟ بالورع. هذه التربية، هكذا تربى الصحابة. هذه أم المؤمنين تربت في بيت محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هؤلاء قدوتنا، وهؤلاء سوتنا، لا زيد ولا فلان من الناس. قدوتنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه الكرام. العارض الثالث: المزاح. المزاح أيها الإخوة، بعض الناس يتوسع في المزاح، فيريد أن يضحك الناس، ويقع في الفحش والبذاء. وهذا كثير جدًا، خصوصًا بالطرف والمواقف والحكايات المكذوبة المغلوطة. وانظر إلى الحديث الذي يرويه لنا حافظ الصحابة، حافظ الأمة، أبو هريرة، يقول: "قلنا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنك يا رسول الله تداعبنا -أي تمازحنا-. قال: إني لا أقول إلا حقًا". الله أكبر، "إني لا أقول إلا حقًا". أما يمازح، يداعب، لكن مع الوقار وعدم الكذب وعدم الفحش. وهو الذي قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث السنن: "ويل لمن كذب ليضحك الناس، ويل له، ويل له". صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالمؤمن، وبالأخص طلاب العلم والدعاة إلى الله، في كل أحوالهم يترفعون عن البذاء، وعن الفحش، وعن الكذب، ويترفعون أن يقعوا في مستنقع الكذب والبذاء. ولهذا، ولهذا أيها الأحبة، ينبغي علينا جميعًا أن نحذر من هذه العوارض. والمزاح، أعود فأقول: هو سنة، ولكن إذا خلأ من الكذب والفحش والبذاء، وباعتدال، لا يكون فيه توسع. ولهذا سئل سفيان بن عيينة رحمه الله: "المزاح؟" قالوا له: "سبه" -يعني منقصه-. فقال رحمه الله: "بل سنة، ولكن لمن يتقنه، أو لمن يحسنه". هو سنة لمن يحسنه. الآن يأتي البعض مازحًا، فيأتي بالموبقات، ويقول: "المزاح سنة، النبي مازح، والصحابة مازحوا". وأكثر ما يأتي الفحش عندما يأتي ذكر النساء، وذكر المستقبحات، والاسترسال في ذلك. نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن كما جمعنا وإياكم في هذا المجلس وفي هذا المسجد، أن يجمعنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأن يجنب ألسنتنا وقلوبنا من المنكرات، وأن يجنبنا الفحش في الأقوال والبذاءة، وأن يجعلنا وإياكم من الصادقين. ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا المجلس في ميزان حسنات الجميع. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.