استغلال الأعمار قبل حلول الآجال

الخطبة بعنوان استغلال الأعمار قبل حلول الآجال، بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٥ ربيع الآخر ١٤٣٨هـ ألقاها

أهمية استغلال العمر في طاعة الله

يجب على المسلم استغلال عمره في طاعة الله لينفعه في دنياه وآخرته، مع التأكيد على قصر أعمار الأمة مقارنة بالأمم السابقة. ينبغي اغتنام الحياة والشباب والصحة قبل فوات الأوان.

تحذير من تضييع الشباب في اللهو

يُنبه الخطيب إلى أهمية استغلال فترة الشباب في طاعة الله، ويحذر من تضييعها في اللهو والضياع، مع التشديد على ضرورة التوبة الصادقة والعمل الصالح.

ضياع الأعمار وتحمل الآثام

يتحدث النص عن ضياع الأعمار في غير طاعة الله، ويحذر من تحمل الآثام بسبب إضلال الآخرين. يشدد على أهمية استغلال الأوقات في الطاعات وإصلاح الأعمال.

دعاء للمسلمين وخذلان الظالمين

يتضمن المقطع دعاء لله لتأمين أوطان المسلمين وإصلاح أمرهم، مع الدعاء على الظالمين والكفرة، ويختم بتمجيد الله والصلاة على النبي محمد.

  • 11 جمادى الأولى 1438هـ - 07/02/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر﴾، ويقول جل وعلا: ﴿والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى﴾، ويقول جل وعلا: ﴿والفجر وليال عشر﴾. أقسم الله جل وعلا في هذه الآيات بهذه الأزمنة وهذه الأوقات مما يدل على عظمها وعلى شرفها، فإن الله جل وعلا لا يقسم إلا بعظيم. نعم، عباد الله، إن الدهر والليل والنهار هي محل أعمال العباد التي يعملونها، والتي يفعلونها، والتي يرتكبونها، إما محسن وإما مسيء. هذه عباد الله أعمار العباد التي عمرهم الله جل وعلا إياها يقضونها في هذه الأزمان ويقضونها في تلك الأيام. هذه الأعمار أعمار عباد الله أعظم ما أعطيه العبد وأعظم ما أعطيه الإنسان، ينبغي أن يعتني به اعتناءً عظيمًا وأن يستغله استغلالًا كبيرًا فيما يقربه إلى الله وفيما ينفعه في دنياه وأخرى. فإذا استغل العبد العمر في طاعة الله كان ذلك سببًا لدوام سعادته ولدوام فلاحه ونجاحه في الدنيا والآخرة. قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "إن عمر الإنسان هو مادة حياته، هو مادة حياته إلى النعيم المقيم، وهو مادة حياته إلى الشقاء والعذاب الأليم". نعم، فما يعمله الإنسان في هذه الدنيا وما يقضي به عمره في هذه الحياة إما أن يكون في طاعة الله وفيما يقربه إلى الله فيكون ذلك سببًا في سعادته السعادة الأبدية، وإما أن يكون فيما يغضب الله وفيما يبعده عن الله فيكون ذلك سببًا في شقائه الشقاء الأبدي. وقال رحمه الله: "فإن من شأن الفضائل والمصالح هو في استغلال الوقت، ومتى ضيع الوقت فقد ضيعت جميع المصالح". متى ضيع الوقت فقد ضيعت جميع المصالح، فما أحرى المسلم عباد الله أن يستغل عمره فيما يقربه إلى الله جل وعلا، وخاصة أن أعمار هذه الأمة أعمار قليلة وأعمار قصيرة بالنسبة للأمم السابقة. جاء عند الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يتجاوز ذلك". أي القليل من يعمر أكثر من الستين والسبعين. وجاء بلفظ: "معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين". نعم، إذا عمر الإنسان إلى هذا العمر فقد بلغ الغاية في العذر، فلا عذر له عند الله جل وعلا، كما صح ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من بلغ الستين فقد بلغ الغاية في العذر، أي لا عذر له عند الله جل وعلا. وبذلك فسر بعض العلماء قول الله جل وعلا: ﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر﴾، أي ألم نعمركم ستين سنة أو سبعين سنة، فما كان لكم أن تتذكروا فيها وأن تتعظوا فيها وأن تعتبروا فيها وأن ترجعوا إلى ربكم فيها؟ جاء عند ترمذي وغيره من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "مثل ابن آدم وإلى جنبه تسعة وتسعون منية، فإن أخطأته المنايا كلها أدركه الهرم ثم يموت". وفي حديث أنس في البخاري قال عليه الصلاة والسلام: "خط النبي صلى الله عليه وسلم خطًا فقال: هذا الإنسان، وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاء الخط الأقرب". وفي البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام خط خطًا مربعًا، ثم خط خطًا في الوسط خارجًا عنه، ثم خط خطًا صغيرًا إلى جانب هذا الذي في الوسط، فقال: "هذا الإنسان، وهذا أجله قد أحاط به أو محيطًا به، وهذا الخط الطويل هو الأمل، والخطوط الصغار الأعرار، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا، من لم يمت بالسيف مات بغيره، تتعدد الأسباب والموت واحد". إن لم تمت بمرض لم تمت بشيء آخر، كما قال عليه الصلاة والسلام: "فما عسى أن يكون بعد ذلك؟ أن تعمر ثم تكبر ثم تهرم ثم الموت، فلا مفر منه لك منه". فلذلك ينبغي أن تستغل هذا العمر وأن تستغل هذه الحياة التي أعطاك الله جل وعلا إياها، وهذا العمر الذي عمرك الله جل وعلا إياه أن تجعله سببًا فيما يقربك إلى الله ومحلًا للتزود من الأعمال الصالحة. وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. إن استغلال العمر فيما يقرب إلى الله غنيمة عظيمة، غنيمة عظيمة إن غنِمها الإنسان وإن استغلها فيما يحب الله ويرضى. روى الإمام البيهقي والحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك". هكذا يوصي النبي عليه الصلاة والسلام باغتنام هذه الخمس أن تغتنمها، فإن اغتنمتها فقد ملكت غنيمة عظيمة وحصلت على غنيمة كبيرة. اغتنم حياتك قبل موتك، اغتنم هذه الحياة واغتنامها فيما يقربك إلى الله، في استغلالها في طاعة الله جل وعلا في الصلاة والصيام وقراءة القرآن وحضور مجالس العلم ومجالس الذكر وغير ذلك من أفعال الطاعات من زكاة وصلة للأرحام وبر للوالدين وإحسان للجوار وغير ذلك من أعمال البر. تستغل هذه الحياة قبل أن يأتيك الموت فيحول بينك وبين العمل ويحول بينك وبين التوبة والرجوع إلى الله جل وعلا. وشبابك قبل هرمك، اغتنم هذه الفترة من الحياة، فترة الشباب، فترة القوة، وفترة الهمة، وفترة النشاط، خصها النبي عليه الصلاة والسلام مع أنها من جملة الحياة وذلك لأهميتها ولعظيم شأنها. مثل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه". رواه الترمح الترمذي وغيره من حديث معاذ وفضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنهما. هكذا خص عليه الصلاة والسلام هذه الفترة التي هي زهرة العمر التي يُعمّرها الإنسان. فما أحوجك أيها الشاب أن تستغل هذه الفترة من الحياة في طاعة الله وفيما يُقرّبك إلى الله، ولا تجعلها فترة ضياع وفترة طيش وغفلة عن طاعة الله وعن عبادة الله، فتندم ولا ينفع الندم. وتخدش هذه الفترة من العمر بخدش لربما ما استطعت إصلاحه بعد ذلك. أرى المرأة مُبيضة تُرابة بوجهه إلى أن يُوارى فيه، مال العطائب إذا لم تُصب إلا بشرخ شبابه؟ لكان ذلك أعظم المصائب. إذا شرخت فترة الشباب فهي مُصيبة عظيمة ومُصيبة كُبرى. لا تُسوّف فتقول: أتوب غدًا أو بعد غدٍ أو إذا كبرت وشخت، فإنك لا تدري أتُعمر إلى ذلك العمر أو تبلغ تلك الفترة من الحياة أو يأتيك الموت فيحول بينك وبين التوبة ويحول بينك وبين الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. لا تظن أنك ما تفعله في فترة الشباب هي أعمال تسعد بها وتفرح بها وتتمتع بها، بل هي والله هي والله أسباب للندم والحسرة وإن ظننتها سعادة وإن ظننتها سعادة. لا خير في من لم يتُب صغيرًا ولم يكن بأمره بصيرًا. نعم، عباد الله، ينبغي أن تحمد الله جل وعلا أن عمرك وأحياك حتى كنت في هذه الفترة من العمر قبل أن تذهب وقبل أن تنتهي وقبل أن تكبر فتصل إلى فترة الهرم فتضعف جوارحك وتضعف قواك فتريد أن تعمل من الأعمال ما تستطيع أن تعمله في فترة الشباب فلا تستطيع فتندم بعد ذلك ندما لا ينفع. بكيت على الشباب بدمع عيني فما يغني البكاء ولا النحيب. ستبكي على شبابك أيها الشاب ستبكي عليه بكاءً لا ينفعك، ستتمنى أن ترجع إلى هذه الفترة حتى تستغلها في طاعة الله وتستغلها فيما يقربك إلى الله فلا تستطيع ذلك. فها أنت في هذه الفترة من العمر وفي هذه الفترة من الحياة، فأقبل فيها على طاعة ربك، أقبل فيها إلى ما يقربك إلى الله. تُب إلى الله جل وعلا توبةً نصوحًا وتوبةً صادقة يغفر الله عز وجل لك ويتوب الله جل وعلا عليك، ثم تُحسن فيما بقي من عمرك، فهذه نعمةٌ عظيمة ومنةٌ منَّها الله جل وعلا عليك. تمرُّ بنا الأيام تترى، وإنما نسوق نساق إلى الآجال والعين تنظر، فلا عائدٌ ذاك الشباب الذي مضى، ولا زائلٌ هذا المشيب المكدر. لا تكن مغبونًا في هذه النعمة وخاسرًا في استغلالها. قال النبي عليه الصلاة والسلام: "نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ". رواه البخاري عن ابن عباس. مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس في غبن وفي خسارة في هاتين النعمتين بعدم استغلالهما الاستغلال الصحيح فيما يُقرّب إلى الله. عنده الصحة وعنده العافية وعنده القوة وعنده الهمة، ثم يصرفها في اللعب والله وفي الضياع والطيش. وهكذا عنده الفراغ فلا يستغل له فيما يُقرّبه إلى الله. يا أيها المسلم، يا أيها المسلم، ويا أيها الشاب، ويا أيها الكبير، إن لم تستغل هذه الحياة فيما يُقرّبك إلى الله سيكون حالك وسيكون مصيرك هو الحسرة والندم. أن تقول نفس: "يا حسرة على ما فرَّطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين". أو تقول حين ترى العذاب: "لو أن الله هداني لكنت من المتقين". أو تقول حين ترى العذاب: "لو أن لي كرَّة فأكون من المحسنين". هذا حال المفرطين وهذا حال المضيعين الذين أضاعوا أعمارهم، الذين ضيعوا أعمارهم وضيعوا حياتهم فلم يستغلوا في طاعة الله ولم يستغلوا فيما يُقرّبهم إلى الله. يتحسرون يوم القيامة حسرة عظيمة ويتندمون ندما كبيرًا، ثم يتمنون أن تكون لهم كرَّة وأن تكون لهم رجعة إلى الدنيا حتى يكونوا من المحسنين، فيكون من أهل الصلاح ويكون من أهل الاستقامة ويكون من أهل الصلاة ويكون من أهل الصيام ويكون من أهل المساجد ويكون من الملازمين لحلق العلم وغير ذلك من أبواب البر والطاعة. فهذا أنت ما زلت على قيد الحياة وها أنت ما زلت على ظهر الأرض، ألا فأحسن أعمالك وارجع إلى ربك جل وعلا. وهكذا يقول الله جل وعلا كذلك مخبرًا عن أمثال هؤلاء من المفرطين، قال جل وعلا: ﴿وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأن له الذكرى يقول يا ليتني قدمت لحياتي﴾. علم أن الحياة الدنيا حياة فانية وحياة زائلة وحياة منتهية وحياة غرور وآمال، وأن الحياة الحقيقية هي الحياة الآخرة. يا ليتني قدمت لحياتي، أي قدمت لها من أعمال صالحة ومن طاعات وقربات، ولكن هل ينفع؟ هل ينفع هذا التمني؟ لا ينفع، فقد فات الأوان وانقطعت الآجال وطويت الصحف، فلا عمل، وإنما العمل في الدنيا، وأما في الآخرة فهو الجزاء على الأعمال. أقول ما تسمعون وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن الناظر في حال كثير من الشباب يرى أنهم في بعد عن طاعة الله جل وعلا، وفي ضياعٍ في استغلال هذه الأعمار. فكم من الشباب من تضيع أعمارهم في اللعب، والأعمار في لعب الكرة، يضيع الواحد ربما صلاته ويغضب ربه ويعق والديه من أجل الكرة، وما عسى أن ينتفع منها أو أن يبلغ منها المبلغًا إلا أن يكون لاعبًا أو يقال فيه أفضل لاعب، وما في ذلك من فخر وما في ذلك من مدح، بل هو في الحقيقة مذلة. وكذلك أيضًا فيه احتقارًا أن يقال لك: "الأعب" بدلًا من أن يقال لك: "داعي إلى الله" أو "طالب علم" أو "مستقيم" أو "من أهل الطاعة والصلاح". وهكذا كم من الشباب من يضيعون أعمارهم تحت شاشات التلفاز والنظر في الفضائيات وما يبث فيها من أفلام ومسلسلات تذهب من أجلها الساعات الطويلة وتنقضي فيها الأعمار الكثيرة. وهكذا ما ربما يقع من بعض الشباب ما قد يتواصلون به أو يتراسلون به عن طريق الجوالات من صور ومقاطع ساقطة خليعة تضيع فيها أخلاقهم، وكذلك تسوء فيها أعمالهم وتضيع أعمارهم خلف تلك الشهوات، فلا عبادةً فعلوا وأقاموا، ولا كذلك أيضًا دنيا نفعوا بها أنفسهم. وهكذا كذلك غيرهم من الشباب ربما أضاعوا أوقاتًا وأعمارًا في مجال المخدرات وأكل تلك الشجرة الخبيثة التي دمرت أخلاق المسلمين ودمرت اقتصادهم ودمرت مجتمعاتهم ودمرت أسرهم. وغير ذلك من المفاسد الكثيرة التي ترتبت على استعمالها. وكذلك أيضًا ليس فقط هذا الأمر في الشباب، بل ربما حتى في كبار السن، فقد ترى بعض الكبار هداهم الله يضيعون أوقاتًا من أعمارهم في اللعب واللهو والجلوس في المقاهي ولعب الضمن وغيرها، وهو قد بلغ هذا المبلغ من العمر، ليس بينه وبين الموت إلا الشيء اليسير والقليل. ثم بعد ذلك يضيع وقته ويضيع عمره فيما لا يقربه إلى الله وفيما لا ينفعه، ولو سألت الواحد منهم: "أتعلم شيئًا من أمور دينه مما أوجب الله عليه من أمر الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو الحج أو غير ذلك؟" لوجدت الجواب: "أنه لا، لم يتعلم شيء ولم يهتم بأمر دينه"، وتجده يعبث في بقية عمره فيما لا يقربه إلى الله سبحانه وتعالى. إنك أيها المسلم خلقت في هذه الدنيا لطاعة الله، لم تخلق لتأكل وتشرب وتلعب وتمرح، فيكون حالك كحال البهائم وحال الكفار، فهذا حالهم وهذه أفعالهم. قال الله جل وعلا: ﴿والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم﴾. إن الله جل وعلا قد عزك وشرفك وكرمك أن جعلك مسلمًا وجعلك مؤمنًا. ففرض عليك فرائض وأوجب عليك واجبات وأمرك بطاعته ونهاك عن معصيته، فينبغي أن تكون عبدًا لله حقًا، لا تقل كما يقول البعض: "ساعة لك وساعة لربك"، ساعة لك تفعل فيها ما شئت، وبقيت وساعة لله تعبد فيها الله، وهذا قول باطل، بل أنت كلك لله، أنت كلك لله، خلقت لطاعة الله وخلقت لعبادة الله. فأفعالك ينبغي أن تكون لله، وكذلك أن يكون عمرك لله. قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، فحياتك لله وموتك لله وعمرك بيد الله وناصيتك بيد الله، فلا يخرج عن أمر الله جل وعلا. احذر أيها المسلم احذر أيها المسلم أن تضيع عمرك في المعاصي والذنوب وأن تتحمل الآثام والأوزار في هذه الدنيا وبعد موتك بما فعلت من معاصي وما فعلت من محرمات وما ارتكبت من بدع ومخالفات. فإن بعض الناس لا يكتفي أن يكون ظالمًا في نفسه، بل يريد من الناس أن يكونوا مثله وأن يضل غيره وأن يكونوا معه فيما هو فيه من الباطل، فيكونوا سببًا في ضلالهم وسببًا في زيغهم وسببًا في انحرافهم. فإذا مات جرت عليه تلك الآثام وتلك الأوزار يتحملها على ظهره لأنه هو السبب الذي تسبب في ضلالهم وفي إغوائهم. جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل". ما من نفس تقتل ظلمًا أي على ظهر الأرض إلا كان على ابن آدم الأول الذي ابتدأ القتل وقتل أخاه له نصيب وكفل من دم هذا المظلوم الذي قتل لأنه أول من سن القتل. فإذا سننت سنة سيئة ودعوت إليها وأحييتها أو كذلك دعوت غيرك إلى فعلها، فإنك تتحمل أوزارها وتتحمل آثامها وأنت في قبرك وأنت في قبرك. فمن ينشر بعض المحرمات من صور أو كذلك مقاطع خليعة ينشرها ويبثها إلى غيره من المسلمين فسيتحمل آثام ما فعل إذا انتقل إلى قبره. وصنف آخر من الناس من ربما يضيع عمره ويضيع حياته في أن يعمل الأعمال من الصالحات والطاعات والقربات فتكون لغيره من الناس، فتكون لغيره من الناس. هذا الصنف قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: ولكن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فحمل عليه ثم ألقي في النار". ما أعظم من خسارة يذهب صيامك ويذهب صلاتك وتذهب زكاتك وتذهب أعمالك الصالحة إلى غيرك إلى المظلومين الذين ظلمتهم والذين اعتديت عليهم والذين أخذت حقوقهم، فيأخذون حسناتك لأنه يوم القيامة لا يكون التقاضي إلا بالحسنات والسيئات، فلا دراهم ولا أموال، فيأخذ هذا من حسناتك وهذا من حسناتك، هذا يأخذ صلاتك وهذا يأخذ صيامك وذاك يأخذ زكاتك. حتى إذا فنيت حسناتك وانتهت، هل ينتهي الأمر؟ لا، بل تأخذ سيئاتهم وتتحملها على ظهرك ثم يلقى بك في النار عياذًا بالله. أليس هذه خسارة عظيمة؟ ذهب عمره سدى وذهبت حياته لم ينتفع منها، بل كانت وبالًا عليه وكانت حسرة عليه. فيا معاشر المسلمين ما أحوجنا أن نصلح أعمالنا وأن نستغل أعمارنا فيما يقربنا إلى الله جل وعلا، سواء كان ذلك منا وفي أنفسنا أو كذلك في أهلينا وفي أولادنا. أن نجعل أوقاتهم عامرة بطاعة الله وأن نعينهم فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم. ونحن مقبلون على إجازة نصف السنة، فكم فيها من أوقات الفراغ التي يكون فيها الأولاد ويكون فيها الشباب، فينبغي أن نحثهم وينبغي أن نعتني بهم في استغلال أوقاتهم فيما ينفعهم إما في أمر دينهم أو في أمر دنياهم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إني لا أكره الرجل أن يكون فارغًا ليس في شيء من أمر دنياه أو في أمر آخرته". إما أن يقبل على أمر الآخرة وما ينفعه من مجالس العلم والذكر، فإن لم يكن في ذلك رغبة وليس له في ذلك خيار، فينبغي أن يشغل وقته بما ينفعه من أمور دنياه من أعمال نافعة ومن كذلك أيضًا أعمال طيبة يستغل فيها وقته ويحفظ فيها من أن يقع في شيء من الشرور. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وفضله وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لطاعته وأن يجعل أعمارنا مليئة بما يحب ويرضاه. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح إمتنا وولاة أمورنا، اللهم واجعلنا لا يتكفينا في من خابك واتقاك واتبع رضاك، اللهم اجعل بلدنا هذا آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح إمتنا وولاة أمورنا، اللهم من أرادنا والإسلام بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره في تدميره، اللهم وخذ أخذ عزيز مقتدر، اللهم عليك بالكفرة المعتدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم الظالمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على