شرح كتاب الزكاة 3

الدرس في شرح كتاب الزكاة 3، ألقاها

الحكمة من إيجاب الزكاة وأهدافها

الزكاة شرعت لتحقيق حكم سامية وأهداف نبيلة، منها تطهير المال وتنميته وتطهير المزكي من الشح والبخل. كما أنها تهدف إلى مواساة الفقير وتحقيق التكافل والتعاون بين أفراد المجتمع.

شروط وجوب الزكاة العامة

تجب الزكاة على المسلم الحر الذي يملك نصابا تاما مستقرا، ولا تجب على الكافر أو العبد أو المكاتب. تشمل الشروط الإسلام والحرية وملك النصاب.

تفاصيل شروط وجوب الزكاة في المال

الزكاة تجب في المال إذا توفرت شروط وهي ملك النصاب تاما مستقرا، وفاضلا عن الحاجات الضرورية، وحولان الحول عليه. حولان الحول شرط خاص ببهيمة الأنعام والنقدين وعروض التجارة.

حكم زكاة نتاج السائمة وتطبيقاته

نتاج السائمة يحسب وتخرج منه الزكاة حتى وإن لم تمر على أولادها السنة كاملة. هذا الحكم يستند إلى مفهوم أن المال كله يحسب وتخرج منه الزكاة.

  • 11 جمادى الآخرة 1438هـ - 09/03/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، المسألة السادسة: في الحكمة من إيجاب الزكاة، وعلى من تجب، أي شروط وجوبها. قال: الحكمة في إيجاب الزكاة: شرعت الزكاة لحكم سامية وأهداف نبيلة لا تحصى كثرة، منها: أولا، تطهير المال وتنميته، وإحلال البركة فيه، وذهاب شره ووبائه، ووقايته من الآفات والفساد. فمن حكم إيجاب الزكاة تطهير المال، تطهيره وتنميته، يعني زيادته، وحصول البركة فيه. والله عز وجل يقول: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾، تطهر قلوبهم، كما سيأتي. وأيضا تطهر أموالهم، تطهرها مما قد يقع فيها من معاملات مشبوهة أو شيء من الخطأ، نحو ذلك. فالزكاة تطهر المال وتنميه، كما قال الله جل وعلا: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾، يعني يبارك فيها ويزيدها. والله عز وجل يقول: ﴿ما نقص مال من صدقة﴾. قالوا: إحلال البركة فيه، وذهاب شره ووبائه، يعني ذهاب ما قد يقع في المال من شر، كما قلنا، من ربما شيء من المعاملات التي تكون فيها شبهة أو نحو ذلك. ووقايته من الآفات والفساد، يعني وقاية هذا المال من الآفات، من حرق أو سرقة أو نحو ذلك، فيسلم مال الإنسان بسبب تزكيته. قال: ثانيا، تطهير المزكي من الشح والبخل وأرجاس الذنوب والخطايا، وتدريبه على البذل والإنفاق في سبيل الله. تطهير المزكي من الشح والبخل، تزكي نفسه، أي المزكي، تزكو نفسه وتطهر وتسلم من الشح والبخل والجشع والطمع والإمساك، إمساك المال وعدم إخراجه، والحرص عليه. قالوا: أرجاس الذنوب والخطايا، فتكون سببا لتكفير ما قد يقع منه من ذنوب وخطايا بسبب دفعه للزكاة. قالوا: وتدريبه على البذل والإنفاق في سبيل الله، يعني أن الزكاة تعوده وتدربه على إعطاء المال وإنفاقه وإخراجه في سبيل الله. قال: ثالثا، مواساة الفقير وسد حاجة المعوزين والبائسين والمحرومين. من حكم إيجاب الزكاة مواساة الفقير وسد حاجته، فالزكاة تخرج من الغني إلى الفقير، تخرج من الغني إلى الفقير، فتسد شيئا من حاجة الفقير التي يحتاج إلى ما يحتاج إليه من طعام أو ثياب أو نحو ذلك، فيكون فيها ماذا؟ مواساة، فيها مواساة. وكذلك أيضا مراعاة الغني لحال غيره من فقراء. قال: رابعا، تحقيق التكافل والتعاون والمحبة بين أفراد المجتمع. فحينما يعطي الغني أخاه الفقير زكاة ماله، يستل بها ما عسى أن يكون في قلبه من حقد وتمن لزوال ما هو فيه من نعمة الغناء، وبذلك تزول الأحقاد ويعم الأمن. تحقيق التكافل والتعاون، فيشعر المسلم بحال أخيه فيرحمه ويعطف عليه ويعطيه مما أعطاه الله جل وعلا، فيصبح هذا المجتمع الإسلامي كالأسرة الواحدة، كالأسرة الواحدة التي يهتم بعضهم ببعض ويراعي بعضهم حال بعض، فيكون هناك نوع من التكافل والتعاون والارتباط. قال: خامسا، إن في أدائها شكرا لله تعالى على ما أسبغ على المسلم من نعمة المال، وطاعة لله سبحانه وتعالى في تنفيذ أمره، أي في إخراج الزكاة، شكرا لله، أنت تخرجها مع أنك قد أمرت بذلك ووجبت عليك، ومع ذلك تخرجها طاعة لله وشكرا لله على ما أنعم عليك هذا المال الذي عندك، والذي حصل بحوزتك هو بفضل الله، هو بفضل الله وعطاء من الله، ولولا الله جل وعلا وفضله وإنعامه عليك لما حصلت على هذا المال، فأنت لا تحصل عليه بشطارتك ولا بذكائك ولا بحسن تجارتك وبيعك وشرائك، وإنما فضل من الله، هذا فضل من الله. قال: سادسا، أنها تدل على صدق إيمان المزكي، لأن المال المحبوب لا يخرج إلا لمحبوب أكثر محبة، ولهذا سميت صدقة، لصدق طلب صاحبها لمحبة الله ورضاه. تدل على صدق إيمان المزكي الذي يخرج المال والزكاة، يدل هذا على صدق إيمان، لماذا؟ لأن المال محبوب للإنسان، الإنسان يحب المال، وتحبون المال حبا جما، حبا كبيرا، والله عز وجل يقول: ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾، يعني المال. فالإنسان يحب المال، فإذا أخرجه مع محبته له، فإنه لا يخرجه إلا لمحبوب أحب عنده من المال، وهو محبته لله جل وعلا، فيخرجه طاعة لله ومحبة لله، فيدل هذا على صدق إيمان المتصدق. قال: سابعا، أنها سبب لرضى الرب ونزول الخيرات وتكفير الخطايا وغيرها. سبب لرضى الرب، لأن الله عز وجل يرضى عن عبده إذا قام بطاعته، مستجاب لأمره. ونزول الخيرات من الأمطار وغيرها، كما في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا». فإخراج الزكاة سبب لنزول الخير والبركة من السماء، من أمطار وغيرها، ويحصل بذلك البركة، تنبت الأرض وتخرج الزروع والثمار، وينتفع الناس والحيوان، ويكون ذلك من أسبابه إخراج الزكاة، فإذا أمسكت ولم تخرج، كان العكس، منع الله عز وجل المطر، وقلت البركة، وقلت الخيرات. قال: على من تجب الزكاة؟ شروط وجوبها. قال: تجب الزكاة على من توافرت فيه الشروط الآتية: أولا، الإسلام، فلا تجب الزكاة على الكافر، لأنها عبادة مالية يتقرب بها المسلم إلى الله، والكافر لا تقبل منه العبادة حتى يدخل في الإسلام، لقوله تعالى: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾. فإذا كانت لا تقبل منهم، فلا فائدة في إلزامهم بها. ولمفهوم قول أبي بكر الصديق: «هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين». لكنه مع ذلك محاسب عليها؛ لأنه مخاطب بفروع الشريعة، على الصحيح. من شروط وجوب الزكاة الإسلام؛ لأن يكون صاحبها مسلما، فإذا كان كافرا، سواء كان كفرا أصليا، كأن يكون يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أو وثنيا، إلى آخر ذلك من أنواع الكفر، أو كان مرتدا، كان مسلما ثم ارتد، فإنها لا تقبل منه، لماذا؟ لأنها عبادة مالية يتقرب بها المسلم إلى الله، والكافر لا تقبل منه العبادات إلا بالإسلام، لا تقبل منه العبادات إلا بالإسلام. قال: ثانيا، الحرية، فلا تجب الزكاة على العبد والمكاتب. من شروط وجوب الزكاة الحرية؛ أن يكون صاحب الزكاة حرا، ليس بعبد مملوك، لا يكون عبدا مملوكا، بل يكون حرا. فلا تجب الزكاة على العبد والمكاتب، العبد يعني الذي كله عبد، أو ما زال عبدا لم يكاتب سيده، لم يكاتب سيده، ما زال رقيقا. والمكاتب هو أيضا عبد، المكاتب عبد، لكنه كاتب سيده على مال، كاتب سيده على مال، إذا وفاه له صار حرا، إذا وفاه له صار حرا. لماذا خص المكاتب بالذكر؟ لأنه في أثناء مكاتبته يعتبر عبدا، لا يكون حرا، ولا يكون في حكم الحر حتى يكمل ما عليه من المكاتبة. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم». ودليل ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول، كما في الصحيحين: «من باع عبدا له مال، فماله للذي باعه»، أي للسيد، «إلا أن يشترط المبتاع»، يعني المشتري. إذا العبد ما يملك شيئا، إذا العبد المملوك ما يملك شيئا، كل ما يملكه فهو لسيده، إذا ما تجب عليه الزكاة، وإنما تجب على السيد. قال: ثالثا، ملك النصاب ملكا تاما مستقرا. ملك النصاب ملكا تاما مستقرا، ومعنى ملكا تاما مستقرا، أي لا يكون المال عرضة للتلف، لا يكون المال عرضة للتلف؛ لأنه إذا كان عرضة للتلف والزوال، فحينئذ لا يمكن إخراج الزكاة منه. ومثال ذلك: أجرة البيت قبل تمام المدة، ليس فيها زكاة؛ لأنها غير مستقرة، وهي معرضة للتلف. وكذلك أيضا من الجائز أن يسقط البيت أو تنفسخ الإجارة، الإجارة قد تنفسخ، أو يسقط البيت، إذا المال هنا غير مستقر، المال هنا غير مستقر. قال: وكونه فاضلا عن الحاجات الضرورية التي لا غنى للمرء عنها، كالمطعم والملبس والمسكن. لأن الزكاة تجب مواساة للفقراء، فوجب أن يعتبر ملك النصاب الذي يحصل به الغناء المعتبر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة». يقول: كونه فاضلا، يعني أن يكون المال زائدا عن الحاجات الضرورية التي يحتاج لها المسلم من مطعم وملبس ومسكن، فالمال الزائد الذي عنده، وهو مال يعني مستقر تام، فهذا الذي تجب فيه الزكاة بعد مرور السنة. قال: رابعا، حولان الحول على المال، وذلك بأن يمر على النصاب في حوزة مالكه اثنا عشر شهرا قمريا، يعني العبرة بالأشهر القمرية لا بالأشهر الشمسية، أن يمر عليه اثنا عشر شهرا قمريا. قال الله عز وجل: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾، فالعبرة بالأشهر القمرية. إذا مرت سنة كاملة، اثنا عشر شهرا على الإنسان، عنده هذا المال الذي بلغ النصاب، ففيه الزكاة. قال: لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول». والحديث رواه ابن ماجة وغيره، وصححه شيخ الألباني رحمه الله. قالوا: هذا الشرط خاص ببهيمة الأنعام والنقدين وعروض التجارة، يعني حولان الحول ليس في كل الأموال، إنما بما دل الدليل على وجوب حولان الحول فيها، وهي زكاة بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم، والنقدين: الذهب والفضة، وما يلحق بهما كالأوراق النقدية، وعروض التجارة، وكل ما أعد للبيع والشراء، هذه لا بد فيها من حولان الحول. قال: أما الزروع والثمار والمعادن والركاز، فلا يشترط لها الحول، لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾. الزروع والثمار، متى ما حصدها صاحبها وبلغت النصاب، وجب فيها الزكاة. قالوا: لأن المعادن والركاز مال مستفاد من الأرض، فلا يعتبر في وجوب زكاته حول، كالزروع والثمار، يعني متى ما وجد الركاز أو أخرج المعادن، فإنه يزكيها مباشرة من غير أن ينتظر حولان الحول. قال: وأيضا استثنى العلماء من حولان الحول نتاج السائمة، نتاج السائمة، يعني أولاد البهائم السائمة التي ترعى من الحول أو من الأرض في أكثر الحول أو الحول كله، فما ينتج في أثناء الحول، فإنه يزكى وإن لم تدر عليه السنة، يعني مثلا إنسان عنده مئة شاة، فيها شاة واحدة في أثناء الحول ولدت، فبلغت مئة وثلاثين، فإذا جاء في تمام السنة، سيحسب الغنم كلها التي موجودة عنده، بلغت مئة وثلاثين، فإنه يزكي المئة وثلاثين، فسيخرج شاتين، مع أن هذه الأولاد ربما مر عليها سنة، يعني مثلا في نصف الحول زادت، فصارت مئة وثلاثين، كانت قبل ذلك كم؟ أقل من ذلك، كانت مثلا ثمانين، وفي أثناء الحول زادت إلى أن صارت مئة وثلاثين، فهنا سيزكي عن الجميع، سيزكي عن الجميع؛ لأن نتاج السائمة والأولاد تبع لأمهاتها، وأمهاتها فيها الزكاة، فإنه حينئذ يحسب الجحميع ويزكي عن الجميع. قال: وستدل العلماء بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبعث السعاة الذين يجمعون الصدقة، ولا يسألون أصحاب المال: متى ولدت هذا؟ ومتى ولدت تلك؟ بل يحسبون المال كله ويخرجون منه الزكاة. فقال العلماء: حينئذ من هذا يستفاد أنه يستثنى نتاج السائمة، فإنه يحسب وتخرج منه الزكاة، وإن لم تمر على أولادها السنة كاملة.

شاركنا على