الدرس في القواعد والأصول الجامعة 10، ألقاها
القاعدة الثالثة من القواعد الكلية في الشريعة الإسلامية تنص على أن المشقة تجلب التيسير، وهي أصل عظيم في جميع رخص الشريعة وتخفيفاتها. هذه القاعدة تعني تخفيف الأحكام الشرعية عند وجود مشقة على المكلف.
يتمثل التيسير في الشريعة الإسلامية في أن الله تعالى يريد اليسر ولا يريد العسر، ويكلف الإنسان بما في وسعه وطاقته. جميع أحكام الشريعة مبنية على التخفيف والتسهيل كما هو واضح في الآيات القرآنية.
الدين الإسلامي هو دين يسر وتخفيف، حيث فرض الله عز وجل عبادات محددة بضوابط وتيسير مثل الصلوات الخمس والزكاة وصيام رمضان والحج. العبادات تجب عند وجود أسبابها وبضوابطها المحددة.
الأحكام الشرعية سهلة وميسرة ولا يوجد فيها كلفة أو مشقة على المكلفين. الدرس يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يدل على اليسر في تطبيق أحكام الشريعة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "القواعد والأصول الجامعة": القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير. هذه القاعدة من القواعد الكلية الكبرى التي تندرج تحتها فروع كثيرة ومسائل متعددة، وقد دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، كما سيأتي. المشقة المراد بها العسر والأمر الذي فيه كلفة على الإنسان وتعب شديد، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس﴾ يعني بتعب وعسر. والتيسير: السهولة والليونة والتخفيف. والمعنى: أن المشقة تجلب التيسير، أي أن الأحكام التي أمر بها الشرع ويكون في تطبيقها على المكلف مشقة وكلفة، فإن الشريعة تأتي بتخفيفها وتيسيرها حتى تكون بقدرة المكلف. قال رحمه الله: هذا أصل عظيم في جميع رخص الشريعة وتخفيفاتها، وتخفيفاتها متفرعة عنه. هذا أصل عظيم، القاعدة هذه: المشقة تجلب التيسير، أصل عظيم في جميع رخص الشريعة، أنها قائمة على التيسير عند وجود المشقة. والرخصة في اللغة: السهولة واللين واليسر والتوسع، كل هذه من معاني الرخصة. وفي الاصطلاح: كل أمر أو كل معنى خاص روعي في تشريعه التخفيف لسبب ما. قال الله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، هذه الآية يخبر الله سبحانه وتعالى أنه يريد بناء اليسر، يعني التيسير والتخفيف والتسهيل، ولا يريد بناء العسر، يعني التعسير وإيقاع المكلف في المشقة. وهذا دليل على هذه القاعدة أن المشقة تجلب التيسير إلى أقصى المشقة التي تشق على المكلف أن يقوم بفعل ما كلف به، فإن التيسير حينئذ يكون ملازمًا له. قال: وقال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، هذا فيه نفي من الله جل وعلا عن تكليف الإنسان شيء ليس في وسعه وليس في طاقته. ومفهوم الآية: أن الله يكلف الإنسان بما في وسعه وطاقته. قال ابن تيمية رحمه الله عند هذا النص: هذا النص تضمن أن جميع ما كلفهم به أو ما كلفهم به أمرًا أو نهيا يطيقونه ويقدرون عليه. قال: وقال تعالى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، أي ما جعل الله عز وجل في هذا الدين شيء من الحرج والمشقة على المكلف. وقال: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، أي على حسب استطاعاتكم وقدرتكم، فإن لم تستطيعوا الإتيان بهذا الواجب فإنه يسقط عنكم. قال: فجميع الشريعة حنيفية سمحة، والنبي عليه الصلاة والسلام لما سئل: أي الدين أحب إلى الله؟ قال: "الحنيفية السمحة" أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة، رواه البخاري تعليقًا، وصححه الحافظ ابن حجر رحمه الله. وسمي هذا الدين بالحنيفية لما فيها من السهولة والتيسير والتخفيف ورفع الأصار والأغلال التي كانت في الأمم السابقة. قال: سمحة في الأحكام والأعمال، والصلوات المفروضات خمس في اليوم والليلة، لا تستغرق من وقت العبد إلا جزءًا يسيرًا. وهذا من التيسير والتخفيف، الله عز وجل فرض على العباد خمس صلوات في اليوم والليلة فقط. والزكاة لا تجب إلا في الأموال النامية، إذا بلغت نصابًا، وهي جزء يسير جدًا في العام مرة. وكذلك صيام رمضان شهر واحد من جميع العام، كذلك فرض الله الصيام وهو شهر واحد من اثني عشر شهرًا، لا يجب صيام إلا هذا الشهر الواحد، ولا يجب صيام إلا مرة في العام، هذا أيضًا من التيسير والتخفيف. والحج لا يجب إلا مرة واحدة في العمر على المستطيع، كذلك الحج أوجبه الله سبحانه وتعالى، ولا يجب على المسلم إلا مرة واحدة في العمر، ولا يجب عليه إلا إذا كان مستطيعًا. قال: وبقية الواجبات عوارض بحسب أسبابها، وبقية الواجبات عوارض يعني عارضة تجب عند وجود أسبابها. وكلها في غاية اليسر والسهولة، كلها في غاية من اليسر والسهولة والتخفيف، وليس فيها يعني كلفة ومشقة على المكلف بحيث أنه لا يستطيع أن يقوم بها. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.